الصحافه

لوفيغارو: أي رهانات لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي؟

لوفيغارو: أي رهانات لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي؟

باريس- : قالت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية، في مقال رأي للصحافي والاستراتيجي في الصحيفة رينو جيرار، إن أهمية الانتخابات التشريعية الأمريكية المقررة هذا الثلاثاء لا تقتصر على تجديد أعضاء الكونغرس، وهو السلطة التشريعية في أقدم جمهورية في التاريخ المعاصر، والتي واصلت عملها دون انقطاع، ووفق الدستور نفسه، منذ عام 1789 وحتى اليوم؛ بل تشكل أيضاً اختباراً سياسياً بالغ الأهمية للرئيس في منتصف ولايته، باعتباره الممثل الوحيد للسلطة التنفيذية في النظام السياسي الأمريكي.

فهذه الانتخابات، وإن كانت تشريعية، ستبعث أيضاً برسالة واضحة بشأن شعبية سياسات دونالد ترامب أو عدمها، منذ عودته إلى السلطة وانتخابه الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة. ذلك أن ترامب، بصفته الزعيم الفعلي للحزب الجمهوري، صادق على الغالبية الساحقة من مرشحي حزبه.

حتى الآن، كان ترامب يسيطر على مجلسي الكونغرس. لكن من المرجح جداً أن يفقد السيطرة على أحدهما، وربما على كليهما. فهل يعني ذلك أنه سيصبح رئيساً عاجزاً عن ممارسة صلاحياته؟ من المؤكد أنه لن يكون قادراً بعد ذلك على تمرير قوانين جديدة أو إقرار زيادات جديدة في الإنفاق.

حتى الآن، كان ترامب يسيطر على مجلسي الكونغرس. لكن من المرجح جداً أن يفقد السيطرة على أحدهما، وربما على كليهما. فهل يعني ذلك أنه سيصبح رئيساً عاجزاً عن ممارسة صلاحياته؟

كما أن مشروعه الرامي إلى رفع الميزانية العسكرية من 900 مليار دولار (الميزانية المعتمدة لعام 2026) إلى 1.5 تريليون دولار (الميزانية العسكرية المقترحة لعام 2027) سيصبح مهدداً بشدة.

لكن، في المقابل، لن يكون الكونغرس قادراً على فرض قوانين على ترامب لا يرغب في إصدارها. فالرئيس الأمريكي يتمتع بحق النقض (الفيتو). ولتجاوز هذا الفيتو الرئاسي بشأن أي قانون، يشترط الدستور الحصول على موافقة ثلثي أعضاء كل واحد من المجلسين، وهو أمر شبه مستحيل التحقيق.

وعلى صعيد السياسة الداخلية، سيصبح من الصعب جداً على ترامب إطلاق مبادرات جديدة. لكن الكونغرس لن يتمكن من التراجع عن الإجراءات التي سبق له اتخاذها، مثل الخطوات التي اتخذها لوقف “Wokisme” والحد من الهجرة غير الشرعية.

فبموجب مرسوم رئاسي صدر في 20 يناير/كانون الثاني 2025، تحت عنوان “الدفاع عن النساء في مواجهة التطرف الأيديولوجي المرتبط بالنوع الاجتماعي، واستعادة الحقيقة البيولوجية داخل الحكومة الفيدرالية”، لم تعد الولايات المتحدة تعترف إلا بجنسين: الذكر والأنثى.

وإذا حاول الكونغرس تعديل هذا التوجه، الذي يصفه الكاتب بأنه منطقي وسليم، من خلال إصدار قانون، فإن الرئيس سيستخدم حق النقض ضده.

أما في مجال مكافحة الهجرة غير الشرعية، فقد حقق ترامب أكبر قدر من النتائج الملموسة على مستوى السياسة الداخلية. فمنذ عودته إلى السلطة قبل عامين، جرى ترحيل أكثر من مليون مهاجر غير نظامي من الأراضي الأمريكية.

إضافة إلى ذلك، تراجعت محاولات العبور غير القانوني للحدود بين المكسيك والولايات المتحدة إلى عُشر مستواها السابق، مقارنة بفترة رئاسة جو بايدن.

ومن المرجح بقوة أن تستمر هذه السياسة المتشددة تجاه الهجرة غير النظامية في الولايات المتحدة، سواء بقي ترامب في السلطة أم لا.

فليس هناك سوى أوروبا، بحسب تعبير الكاتب، حيث لا يثير الاستياء أن يتمكن أشخاص من انتهاك قوانين بلد ما والدخول إليه دون دعوة أو إذن. وبقدر ما يتفهم الأمريكيون سياسة ترامب في مواجهة ما يُعرف بـ”Wokisme” والهجرة غير النظامية، فإنهم يتخذون موقفاً شديد الانتقاد من سياسته الخارجية.

وهنا تحديداً قد يتعرض الرئيس لأكبر عقوبة انتخابية. فالانتقادات الموجهة إليه لا تقتصر على الطابع المتقلب وغير المتماسك لدبلوماسيته، بل تشمل أيضاً اتهامات باستغلال السياسة الخارجية لتحقيق مكاسب مالية شخصية له ولأفراد عائلته.

فهل حصل جاريد كوشنر، صهر الرئيس ومبعوثه الخاص في الملفات الدبلوماسية الكبرى، على مئات الملايين من الدولارات شخصياً من الممالك النفطية في الخليج؟ ومقابل ماذا؟ من المرجح أن يعمد الكونغرس الجديد إلى فتح عدد من التحقيقات في قضايا فساد تستهدف عائلة دونالد ترامب.

يمكن وصف النصف الأول من الولاية الرئاسية السابعة والأربعين بأنه كارثي في مجال السياسة الخارجية. فقد تعهد ترامب بإنهاء الحروب الدائرة وعدم إشعال أي حروب جديدة. لكنه عجز عن وقف الحرب الروسية الأوكرانية

وعلى المستوى الاستراتيجي، يمكن وصف النصف الأول من الولاية الرئاسية السابعة والأربعين بأنه كارثي في مجال السياسة الخارجية. فقد تعهد ترامب بإنهاء الحروب الدائرة وعدم إشعال أي حروب جديدة. لكنه عجز عن وقف الحرب الروسية الأوكرانية، رغم أن ذلك يمثل تحدياً هائلاً بالفعل، كما فشل في تنفيذ خطته لإعادة إعمار غزة وتأهيلها.

بل إنه بدأ حرباً ضد إيران، بالاشتراك مع إسرائيل، دون تفويض من الأمم المتحدة، ولم تسفر هذه الحرب عن أي نتيجة إيجابية تُذكر. فالنظام الديني الحاكم لا يزال قائماً في طهران، كما أن مضيق هرمز ومضيق باب المندب، وهما ممران استراتيجيان لإمدادات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال، لم يعودا متاحين لناقلات النفط إلا بمرافقة عسكرية.

وبسبب هذه الحرب، شهدت أسعار الطاقة ارتفاعاً هائلاً في مختلف أنحاء العالم. وفي الوقت الذي أظهر فيه دونالد ترامب قدراً من التساهل مع كبار الحكام المستبدين، مثل فلاديمير بوتين وشي جين بينغ، اتخذ موقفاً متشدداً، بل متعالياً أحياناً، تجاه حلفائه التاريخيين.

ففي السابق، كانت أمريكا تحظى باعتبارها القائد الطبيعي لجميع الدول الغربية. أما اليوم، فلم يعد الأمر كذلك، إذ سادت حالة من انعدام الثقة. ومن دون اللجوء إلى الاستفزاز، بدأ رئيس الوزراء الكندي مارك كارني مقاومة ما يصفه الكاتب بالإمبريالية الأمريكية المنفلتة التي يمارسها ترامب. وقد حظيت هذه المقاومة بشعبية كبيرة داخل كندا.

ولتحقيق ذلك، اعتمد كارني مجموعة من الإجراءات، من أبرزها: المعاملة بالمثل في الرسوم الجمركية من خلال فرض رسوم مقابلة على المنتجات الأمريكية؛ وتعزيز السيادة الاقتصادية، ولا سيما في الصناعات الرقمية؛ وتنويع العلاقات الدبلوماسية عبر بناء أكبر عدد ممكن من الشراكات مع أوروبا وآسيا، بهدف تقليص قدرة الولايات المتحدة على ممارسة الضغوط على كندا.

كان يبدو من المستحيل أن تخسر الولايات المتحدة كندا، العضو في النادي الاستخباراتي شديد الخصوصية المعروف باسم Five Eyes، الذي يضم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، ويتولى تبادل المعلومات الاستخباراتية بينها.

لكن يبدو أن ترامب نجح في تحقيق هذا الأمر أيضاً. وإذا أراد ترامب أن يترك وراءه إرثاً إيجابياً، فلا يزال أمامه عامان لإعادة بناء سياسته الخارجية من الأساس وإعادة ترتيبها بالكامل.

وفي هذا السياق، ينبغي أن تكون أولويتاه الرئيسيتان: التوصل إلى وقف إطلاق نار دائم بين روسيا وأوكرانيا، وإعادة دمج إيران منزوعة السلاح النووي في المجتمع الدولي.

 

“القدس العربي”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب