مأزق السياسة العربية في الداخل

مأزق السياسة العربية في الداخل
أمل عرابي
هذه الفجوة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تحولات عميقة في السياسة العربية خلال العقد الأخير. وللوقوف على أسباب توسعها، حتى بات الشارع والمجتمع يناديان في وادٍ والسياسيون في وادٍ آخر، لا بد من البدء بفهم الساحة السياسية الإسرائيلية…
من يتابع الشأن السياسي العربي في الداخل، لا بد أن يقف مذهولًا أمام حجم الهوة الآخذة في التوسع بين النقاش السائد في الساحة السياسية، والذي يتخذ من شبكات التواصل الاجتماعي ميدانًا مركزيًا له، وبين النقاش الدائر في أوساط المجتمع العربي. ففي اللحظات التي يتراشق فيها نشطاء الأحزاب الاتهامات، وتصدر البيانات “النارية” المشحونة بمفردات تليق بـ”حروب الردة”، تدور حرب أخرى في الشارع؛ حربٌ على الحق الأساسي في الأمن للمواطن الذي بات مكشوفًا تنهشه ذئاب الإجرام من جهة، وسياسات الدولة العنصرية من جهة أخرى.
إن هذه الفجوة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تحولات عميقة في السياسة العربية خلال العقد الأخير. وللوقوف على أسباب توسعها، حتى بات الشارع والمجتمع يناديان في وادٍ والسياسيون في وادٍ آخر، لا بد من البدء بفهم الساحة السياسية الإسرائيلية.
لقد نجح بنيامين نتنياهو، خلال العقد الأخير، في تقسيم الساحة الإسرائيلية إلى معسكرين: معسكر حاكم يهيمن تحت قيادته على مفاصل السلطة، ومعسكر مقابل فشل – رغم كل محاولات توحيد صفوفه – في طرح نفسه كبديل مؤهل للسلطة. وتتعدد المسميات لتوصيف هذين القطبين: “معسكر بيبي” مقابل “معسكر ضد بيبي”، “إسرائيل الأولى” مقابل “إسرائيل الثانية”، أو “المعسكر القومي” مقابل “المعسكر الليبرالي”.
ويمكن اختصار هذه الاختلافات، برأيي، وفق المعادلة التي وضعتها إسرائيل بعد الحكم العسكري: “دولة يهودية وديمقراطية”. يحاول المعسكر الحاكم بقيادة نتنياهو تغليب الطابع اليهودي على الديمقراطي، وصولًا إلى تحويل إسرائيل رسميًا إلى دولة “إثنوغرافية” تبسط سيطرتها على كامل “أرض إسرائيل التوراتية”، وتطبق نظام “أبرتهايد” على جيوب ومعازل جغرافية يسكنها الفلسطينيون أصحاب البلاد. في المقابل، يحاول المعسكر الآخر الحفاظ على التوازن الدقيق بين “يهودية الدولة” وطابعها “الديمقراطي”، وهو التوازن الذي مكنها حتى الآن من الاستمرار في ممارسات الاحتلال وإدارة الصراع، مع تصدير صورة وردية للعالم كـ”واحة” لحقوق الإنسان والحريات، والحفاظ على مكانتها ضمن معسكر الدول الغربية “المتحضرة”.
لطالما رأت الأحزاب العربية في الداخل نفسها خارج هذه المعادلة (اليهودية والديمقراطية)، وعملت لسنوات على إبراز التناقض البنيوي بين شقيها، مقدمةً طروحات سياسية مغايرة ترتكز على عدالة القضية والقانون والمواثيق الدولية لضمان مكانة وحقوق أبناء الشعب الفلسطيني في أرضهم. لكن، ومع تعمق حكم اليمين المتطرف الرافض لأي تسوية، والتحولات الدولية المتمثلة في المد “الشعبوي” الذي بات يقوض الديمقراطيات والمنظومة الدولية، وجدت الأحزاب العربية نفسها على “هامش الهامش”، غير قادرة على التقدم أو الدفاع.
أمام حالة الانقسام الإسرائيلية هذه، وجدت الأحزاب العربية نفسها مجبرة على ابتكار استراتيجيات جديدة تمكنها من إحراز مكاسب ملموسة للمواطنين العرب، للحفاظ على ما تبقى من مكانتهم.
اختار التيار الأول، المتمثل في “الجبهة”، الدخول إلى ساحة الصراع بين المعسكرات الإسرائيلية والانضمام إلى المعسكر “الليبرالي”، محاولًا ردع المد الفاشي وتغليب الطابع الديمقراطي، أملًا في أن يقبل به هذا المعسكر شريكًا مستقبليًا يدفع نحو إنهاء الاحتلال وتعزيز المساواة. في المقابل، اختار التيار الإسلامي، المتمثل في “الموحدة”، عدم المفاضلة بين المعسكرات والمناورة على كامل الساحة السياسية دون شروط مسبقة، سوى القبول به كشريك شرعي يضمن تحقيق قضايا مطلبية. أما “التجمع”، فقد وجد نفسه غير قادر على تقديم طرح يساهم في الخروج من هذا المأزق – لعبة المعسكرات – ليجد نفسه خارج الحلبة البرلمانيّة، ولو مؤقتًا.
إن هذه الخيارات الحزبية ساهمت في تقييد السياسة العربية ضمن حدود ومنطق المعسكرات الإسرائيلية، دون القدرة على تقديم طرح مستقل يتخطى الحدود المرسومة؛ إذ أصبح تحقيق أي تغيير سياسي مرتبطًا حصريًا بقبول أحد المعسكرين الإسرائيليين بالعرب كشركاء شرعيين.
جاءت أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر وما تلاها من حرب إبادة لتحدث تغييرات عميقة في البنى الاجتماعية والسياسية في إسرائيل، وتعيد رسم حدود الساحة بصورة أكثر تطرفًا، مما أغلق الطريق أمام التوجهين العربيين؛ إذ انهار التيار الليبرالي تمامًا ودخل في حالة “تلعثم”، عاجزًا عن تقديم بديل لطرح اليمين سوى شعارات فارغة. وفي المقابل، انزاح معسكر اليمين نحو أقصى التطرف، متبنيًا أفكارًا فاشية و”كهانية” صرفة، تطالب بطرد العرب من “الأرض اليهودية” والاستمرار في “حروب الرب”.
بهذا، وجدت السياسة والأحزاب العربية نفسها مجددًا في مأزق أكثر تعقيدًا، عالقة بين مطرقة اليمين الفاشي وسندان التيار الليبرالي الفارغ.
باعتقادي، لا يمكن لقائمة انتخابية مشتركة أو أي ائتلاف حزبي آخر أن يخلق وحده مخرجًا من هذا المأزق، أو يردم الفجوة بين الشارع والسياسيين؛ فالقضايا المطروحة اليوم أعقد من مجرد الاتفاق على ترتيب المقاعد. لا بديل عن حوار وطني جامع يشمل القوى السياسية والمدنية كافة، ينتج عنه طرح مستقل يصيغ شكل العلاقة بين المواطنين العرب والدولة. طرحٌ يأخذ بالاعتبار الديناميكيات الإسرائيلية وصراع المعسكرات، لكن دون أن ينحصر داخلها، بل يتجاوزها لتقديم مشروع وطني يعزز “الصمود الإيجابي” للمجتمع الفلسطيني في إسرائيل الجديدة ما بعد الإبادة.
إن عدم اتخاذ خطوة جادة في هذا السياق سيعني حتمًا استمرار الهوة بين القيادة والشارع، واستعار “حرب البيانات” لإثبات صوابية الخيارات الحزبية، في وقت تضع فيه إسرائيل المواطن العربي أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الخضوع، وإما الخروج.




