مؤتمر حركة فتح … غياب المشروع وتأخر البديل

مؤتمر حركة فتح … غياب المشروع وتأخر البديل
“تتكون قاعدة تاريخية جديدة هشة وغير مكتملة، لكنها حقيقية، يمكن الانطلاق منها نحو إعادة بناء المشروع الوطني على أسس مختلفة… المؤكد أن ما يتشكل اليوم في قلب هذا الدمار، ليس فقط ملامح الانهيار، بل أيضًا بذور التحوّل”.
ينشغل كثير من المحللين والمثقفين الفلسطينيين، منذ أسابيع، في تفكيك مآلات المؤتمر الثامن لحركة فتح، الذي يقترب موعد عقده، وكأن مصير الحركة بات مفتاحًا لفهم الحالة الفلسطينية كلها. في البداية، ساد حذر مشوب بأمل ضعيف بإمكانية أن ينتج المؤتمر شيئًا من الإصلاح أو التجديد. بل كان هناك حراك داخلي فتحاوي صادق، تبين أنه محدود الأثر، سعى بشجاعة لاستعادة هوية فتح التحررية. لكن، مع انكشاف الوقائع، يتبدد هذا الأمل سريعًا، ليحل محله إدراك أكثر قسوة: فتح، أو قيادتها، لم تعد فقط عاجزة عن حل أزمتها، بل عاجزة عن إدراكها أصلًا. حتى تلك المحاولات والتكتلات التي سعت إلى إحداث تغيير جذري من داخل حركة فتح، جرى محاصرتها وقمعها، إلى درجة يُقال معها إن الشخصية الفتحاوية الأسيرة ذات الشعبية العالية، مروان البرغوثي، قد لا يفوز بعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح. ويأمل من يحملون هذه الرؤية السوداوية أن يكونوا مخطئين في قراءتهم لواقع حركة فتح، وألا يستسلم الصالحون لعسف اللحظة الراهنة.
ورغم الاختلاف بين المحللين، وهم من دعاة النهوض بالحالة الفلسطينية، حول كيفية التغيير ومن أين يبدأ، من داخل البنية أم من خارجها، أم من الاثنين معًا، فإن هناك إجماعًا على أن الأزمة بنيوية، ما يعني أنها تحتاج إلى تخطيط أفضل وإلى صبر إستراتيجي. نعم، هذه ليست أزمة قيادة أو صراع أجنحة فحسب، بل أزمة بنيوية عميقة تطول مجمل المجال السياسي الفلسطيني. تكمن المأساة في أننا بصدد قيادة تعتقد أن الجمود هو شرط البقاء، وأن مواصلة التكيف مع شروط النظام الاستعماري، والمنظومة العربية المتهالكة والتابعة، هي السياسة الممكنة الوحيدة. بهذا المعنى، لم تعد الحركة أسيرة الأزمة، بل أصبحت أحد شروط إنتاجها واستمرارها.
يأتي هذا الاهتمام بحركة فتح لأنها كانت تاريخيًا العمود الفقري للحركة الوطنية، وقدمت الشهداء والمعتقلين، قيادات وأفرادًا. وانحدارها لم يبقَ شأنًا تنظيميًا داخليًا، بل تحول إلى فراغ إستراتيجي حاولت حركة حماس ملأه عبر إعادة الاعتبار لفعل المقاومة. غير أن هذا الملء بقي جزئيًا ومتناقضًا: قوة ميدانية دون قدرة على التحول إلى قيادة وطنية جامعة، ودون مشروع وطني تحرري، وطني وإنساني واضح، يخاطب الكل الفلسطيني، ويقوم على الإحاطة بالتحولات المحلية والإقليمية والدولية.
لقد جاءت حرب الإبادة، بما فيها من فظائع غير مسبوقة، لتكشف مفارقة مزدوجة:
من جهة، استمرار القدرة الفلسطينية على الفعل والمقاومة وإبهار العالم، وغزة مثالًا؛ ومن جهة أخرى، عمق الانهيار في البنية السياسية والتمثيلية، وإعادة إنتاج الانسداد.
اتسعت الفجوة بين نموذجين: مقاومة بلا أفق سياسي، وسلطة بلا سيادة. لكن اختزال المشهد في هذا الانقسام يُخفي حقيقة أكثر خطورة: هناك فراغ ثالث، يتمثل في جمهور واسع ونخب متعددة، قلقة وطموحة، تنخرط في مبادرات متكررة ترفض هذا الاستقطاب، لكنها تعجز، أو تتأخر عن التحول إلى قوة فاعلة، رغم التنسيق الناشئ مؤخرًا بين هذه المبادرات. وهنا تحديدًا يتجلى الوجه الآخر للأزمة.
ليس الانقسام… بل تشظي المشروع
يشكل الانقسام المستمر منذ عام ٢٠٠٧ جرحًا غائرًا في الجسد الفلسطيني. لكن الانقسام ليس أصل الأزمة، بل عرضها الأكثر وضوحًا وكارثية. الجذر الحقيقي هو تشظي المشروع الوطني وتحوله إلى أشكال متنافرة: حركة تحرر تتحول إلى سلطة تدير حياة الناس اليومية، وبحدود ضيقة، تحت نظام الاستعمار بدل العمل على تفكيكه. ومن جهة ثانية؛ مقاومة تفتقر إلى أفق سياسي جامع. وثالثًا؛ يسار غائب أو عاجز. ورابعًا؛ مبادرات للإصلاح لم ترتقِ بعد إلى مستوى البديل.
في هذا الفراغ الخطير، تتحول الإبادة إلى سياسة: إنها ليست مجرد حرب، بل أداة لإعادة هندسة المجتمع الفلسطيني، عبر تفكيك الجغرافيا وتدمير البنية الاجتماعية وفرض وقائع تجعل الحل مرادفًا للتصفية.
إن الإصرار على توصيف ما يجري كـ«انقسام» هو شكل من أشكال الإنكار السياسي. نحن أمام مأزق تاريخي بنيوي، لا يُحل بشعارات الوحدة ولا بإعادة توزيع الحصص داخل البنية المأزومة نفسها، بل بطرح الأسئلة المؤجلة:
أي مشروع تحرري نريد؟ وما هي القاعدة المعرفية التي يجب أن ننطلق منها؟ ومن هو الفاعل القادر على حمله؟ وأي إستراتيجية نضالية يجب تبنيها، بما يمكّن الشعب الفلسطيني من مواصلة معركته التحررية بطريقة يستطيع تحمل تكاليفها؟ ومن هم حلفاء الشعب الفلسطيني الحقيقيون؟
فتح: من حركة تحرر إلى إدارة بلا أفق
تحولت فتح تدريجيًا من حركة تحرر إلى جهاز لإدارة مجتمع تحت الاستعمار. منذ زمن طويل، لم يعد مركز ثقلها التحرر، بل الاستقرار الإداري والأمني ضمن شروط يفرضها المستعمر وحلفاؤه والمانحون. وفي إطار هذا الدعم غير البريء، نشأت أوليغاركية فاسدة، وسلطوية بدرجة لم تعرفها الحركة الوطنية الفلسطينية، بل يتحكم بها فرد واحد. وقد رافق هذا التحول انخراط شريحة واسعة من النخب في عملية تدجين الوعي بطبيعة الصراع، وطبيعة المهمة التحررية والتاريخية للشعب الفلسطيني. وسادت مصطلحات ومفردات مزيفة وخطيرة، قبل البدء باستعادة الوعي منذ العقد الأخير، على يد جيل جديد من الناشطين والمثقفين والأكاديميين، الذين بادروا إلى إعادة تعريف المعنى، وإعادة تعريف إسرائيل ككيان فصل عنصري كولونيالي إحلالي، وليس كيانًا طبيعيًا يسعى إلى التعايش بمساواة مع أصحاب الأرض.
هذا التحول في مواقف وبنية حركة فتح أنتج ثلاث نتائج قاتلة: فقدان الاستقلال السياسي، وتآكل الشرعية الشعبية والثورية، واختزال السياسة في إدارة الحياة اليومية نيابة عن نظام الاستعمار. وفي زمن الإبادة، لا يبدو هذا المسار مجرد عجز، بل انخراطًا بنيويًا في إدارة واقع التصفية، حتى دون نية.
حماس: قوة مقاومة داخل مأزق مفتوح
في المقابل، تعيش حركة حماس تناقضًا بنيويًا بين المقاومة والحكم، يبدو مستعصيًا، على الأقل في المدى المنظور. ينظر إليها الشعب الفلسطيني وغالبية جماهير الوطن العربي بوصفها حركة مقاومة تحمل شرعية شعبية، وصلت ذروتها مع شنها عملية “طوفان الأقصى”، التي أذهلت الأعداء والأصدقاء. لكن هذه الشعبية تآكلت بعد تبيّن سوء التقدير وحجم الكارثة التي تلت ذلك بفعل حرب الإبادة، وفق ما يراه كثيرون، ومن ضمنهم من يتعاطفون مع حركة المقاومة. لكنها أيضًا سلطة بحسابات وبيروقراطية، خاضت الانتخابات من داخل بنية أوسلو. وهي اليوم تواجه حصارًا دوليًا وعربيًا، مما يعمّق أزمتها الداخلية، لكن، عمليًا، ومن خلال “طوفان الأقصى”، أعادت تفجير الصراع الشامل، وعمّقت أزمة المشروع الكولونيالي، وهذه حقيقة موضوعية يتفق عليها جميع المراقبين. ولهذه الأزمة تداعيات عميقة ستطاول معادلات إقليمية ودولية، وتفتح منافذ عمل جديدة أمام الشعب الفسطيني.
هذا التناقض في وضعية حركة حماس يتجسد في ثلاثة اتجاهات:
الأول؛ مقاومة مفتوحة بلا تصور سياسي واضح بخصوص الحل النهائي وطبيعة النظام السياسي المنشود، مع أن أسئلة جدية باتت تُطرح حول مستقبل المقاومة العسكرية، أكثر من أي وقت مضى.
الثاني؛ براغماتية تسعى للاندماج في نظام سياسي مشروط.
الثالث؛ ازدواجية تجمع الاثنين، أدت بالحركة إلى المأزق الراهن.
المشكلة أن هذا “التوازن” ليس استقرارًا، بل يشكل استنزافًا دائمًا. ومع تصاعد الضغط العسكري والسياسي، واستمرار الانقسام، قد تتحول هذه الازدواجية إلى تفكك داخلي. ومع أن إسرائيل لم تحقق أحد أهدافها ضد القطاع، وهو هزيمة حركة حماس ونزع سلاحها، الأمر الذي يثير إحباطًا وجدلًا حادًا داخل إسرائيل، إلا أنه لا يجوز التقليل من حجم الكارثة الإنسانية المهولة، التي ستشغل الحركة الوطنية ومؤسساتها في الأعوام القادمة.
اليسار: الغياب الذي أصبح من عناصر الأزمة
غياب اليسار، العاجز عن التجدد، والذي يتعرض لملاحقة وقمع شديدين، الأمر الذي عمّق هامشيته في المشهد الفلسطيني، ليس تفصيلًا، بل جزء من الأزمة.
فهو لم يعد قادرًا على القيادة، أو ممارسة الضغط، أو حتى لعب دور مؤثر أو لجم الانحرافات، كما كان عليه الحال في حقبة سابقة من النضال الفلسطيني. لقد تحول إلى هيكل تنظيمي بلا مشروع، وبلا قاعدة اجتماعية، وبلا قدرة على التجدد، رغم الجهود التي يبذلها. إنه يتعرض لحملات ملاحقة وتدمير من قبل سلطات النظام الاستعماري. وبذلك أصبح غيابه أو ضعفه مساهمًا في استمرار الثنائية بين فتح وحماس، وفي استمرار إعاقة ولادة البديل الثالث. وبخصوص المشروع السياسي، فهو لا يزال أسير حل الدولتين، أو حل الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة والقطاع، بدل أن يعود إلى المشروع الفلسطيني الأصيل الذي كان يرفعه لعشرات السنين.
المبادرات المستقلة: العجز عن التحول إلى بديل
إن الأكثر إشكالية، وربما الأقل نقاشًا، هو عجز المبادرات الفلسطينية المستقلة عن خلق البديل. خلال السنوات الأخيرة، ظهرت عشرات المبادرات المهمة، منها مبادرات: شعبية، وشبابية، ومدنية، وفكرية، وأكاديمية، وعابرة للتنظيمات. رفعت شعارات التجديد والديمقراطية وإعادة بناء المشروع الوطني. لكنها، رغم صدقيتها، فشلت في التحول إلى قوة ثالثة. فهي تتحرك ضمن الشروط نفسها التي تتحرك فيها القوى الرسمية، بقيودها الأمنية والسياسية. وليس السبب محصورًا في القمع المزدوج؛ نظام الاستعمار وسلطة أوسلو، بل هو بنيوي وليس ظرفيًا. وتتمثل الأسباب، في نظر الكثيرين، في:
· افتقارها إلى البنية التنظيمية المستدامة
· غلبة الطابع النخبوي وانفصالها عن القواعد الشعبية
· غياب كامل للجيل الشاب عن صفوفها وأطرها
· الخوف من الصدام مع البنى المهيمنة
· التردد بين النقد الراديكالي والممارسة الإصلاحية
· غياب برنامج سياسي متكامل قابل للتحول إلى فعل
والأهم:
هذه المبادرات لم تحسم موقعها: هل هي بديل؟ أم مجرد مساحة ضغط؟ أم إطار أخلاقي/ثقافي؟ النتيجة أنها بقيت في منطقة رمادية: تنتقد الجميع، لكنها لا تطرح نفسها كبديل قادر على الفعل. وهكذا، بدل أن تكسر الثنائية، أصبحت، دون قصد، جزءًا من توازنها، لأنها لا تهددها فعليًا.
الإبادة: لحظة تكشف المشهد بكليته
ما يجري اليوم ليس تصعيدًا، بل إعادة تشكيل جذرية للواقع الفلسطيني عبر العنف الشامل. إن الإبادة هنا تؤدي وظائف واضحة: تفريغ سكاني، تدمير البنية الاجتماعية، تحويل المجتمع إلى حالة اعتماد دائم، وكسر الإرادة الجماعية. هذه ليست نتائج عرضية، بل سياسة لإغلاق الأفق التاريخي الفلسطيني. وهنا يصبح التساؤل أكثر حدّة:
هل يمكن مواجهة هذه اللحظة بأدوات سياسية منهارة أو متهالكة؟ وهل الدعوات لإنهاء الانقسام، أو لانتخابات ديمقراطية، كافية؟ لقد تحولت الدعوة إلى إنهاء الانقسام إلى خطاب فارغ، لأنها لا تمس جوهر المشكلة. هناك طرف حسم أمره منذ وقت طويل، فهو ليس معنيًا بالوحدة ولا بالانتخابات.
ما يُطرح عادة هو إعادة توزيع السلطة داخل البنية الفاشلة نفسها. إن المطلوب ليس وحدة شكلية، بل تفكيك الإطار الذي أنتج الأزمة، وإعادة تعريف المشروع، وإعادة بناء الفاعل السياسي.
وأمام حركة فتح، إما الاستمرار في مسار التآكل والانتهاء من التاريخ التحرري، بسبب مواصلة التواطؤ مع قيادتها المتنفذة التي تلعب دور الوكيل، وإما القفز نحو إعادة تعريف نفسها كحركة تحرر، والتحرر من أسر الارتهان للخارج، وتبني إستراتيجية مقاومة شعبية حقيقية، ومنهجية، وممتدة.
وينطبق ذلك على حركة حماس أيضًا. هناك حاجة وجودية لمراجعة عميقة وشجاعة، واستئناف جهود التجديد الداخلي؛ الفكري والسياسي لتتلاءم مع العصر.
لكن الحقيقة المُرّة هي أنه لا فتح ولا حماس، بصيغتيهما الحاليتين، قادرتان على إنتاج مشروع وطني جديد. هذا لا يعني وضع الطرفين في المعادلة نفسها. فالشعب الفلسطيني، بغالبيته، لا يساوي بين من يعمل وكيلًا لنظام الاستعمار ومن يقاومه. لكن الحقيقة المُرّة هي أن الشعب الفلسطيني يعيش حاليًا أكبر كارثة عرفها في تاريخه، وإن كان هذا الوصف ليس الجانب الوحيد للمشهد، إذ خرجت إسرائيل أيضًا، رغم تفوقها العسكري، متضررة إستراتيجيًا، بل باتت منبوذة على مستوى شعوب العالم، بعد أن اصطدمت عدوانيتها المفرطة بمقاومة غير متوقعة من محور المقاومة، وهذا متغيّر إستراتيجي عميق سيكون لصالح شعب فلسطين، وشعوب العالم، شرط أن يجري الاستعداد له بالطريقة الصحيحة.
نحو إعادة تأسيس: الشرط الغائب
الخروج من المأزق لا يمر عبر الترقيع، بل عبر قطيعة سياسية تقوم على: استعادة السياسة من الإدارة والعسكرة، وإنتاج أفق تحرري واضح (دولة ديمقراطية واحدة أو إستراتيجية مناهضة للأبارتهايد)، وإعادة بناء الفاعل. وهنا العقدة الأساسية، لأن هذا الفاعل لن يولد تلقائيًا، ولا من داخل البنى القائمة وحدها، ولا من المبادرات المستقلة بصيغتها الحالية، بل عبر تجديد وتطوير هذه المبادرات المهمة والضرورية.
إذًا، ليس المشهد الفلسطيني اليوم فقط بلا مشروع سياسي واضح، بل بلا حامل للمشروع. وفي المقابل، تتقدم عملية تصفية شاملة تستفيد من هذا الفراغ المركب. لذلك، لم يعد السؤال:
كيف ننهي الانقسام؟
بل: من يبني القوة القادرة على كسر هذه البنية كلها؟
من دون إجابة عملية عن هذا السؤال، ستبقى كل المبادرات، وكل المؤتمرات، وكل الدعوات للوحدة غير مؤثرة.
أما البديل الحقيقي، فليس جاهزًا، بل يجب أن يُبنى عبر صراع سياسي وتنظيمي طويل وحراك شعبي يجرؤ على كسر القواعد، لا التكيف معها. وهذا ليس خيارًا نظريًا، بل شرط البقاء.
بين الانهيار وبذور التحول
ورغم هذا التشظي العميق، والمخاطر الكارثية التي يحملها على المستويات الوطنية والسياسية والاجتماعية، فإن اختزال المشهد في منطق الانهيار وحده يُخفي حقيقة موازية لا تقل أهمية: أن هذا الشعب، الذي يتعرض لمحاولة اقتلاع شاملة، ما زال ينتج أشكالًا غير مسبوقة من الصمود، وأثبت أنه عصيّ على الكسر. كما أن انحسار مكانة الإمبراطورية الأميركية، وعدم قدرتها هي وقاعدتها إسرائيل على حسم أي من الجبهات التي فتحتها ضد المنطقة العربية وإيران، يدخل ضمن عملية التحول التي تولد منافذ جديدة أمام حركة التحرر الفلسطينية، وكذلك شعوب المنطقة وشعوب العالم، في مسارها التحرري من أجل العدالة.
هذا الصمود لم يعد مجرد قدرة على البقاء، بل تحوّل إلى طاقة تاريخية كامنة، تتجلى في استمرار الفعل الشعبي داخل فلسطين، وإن بوتيرة أقل، وإلى جانب ذلك نشوء جيل فلسطيني جديد في الشتات، خاصة في الغرب، يمتلك أدوات مختلفة: تنظيمية، وإعلامية، ومعرفية، جيل قادر على بناء تحالفات مع قوى عالمية مناهضة للاستعمار. وقد ظهرت خلال حرب الإبادة قوة حقيقية، لم يعد أحد يتجاهل مركزيتها في المشروع الوطني التحرري الذي يتشكل من تحت.
هذا الجيل لا يتحرك ضمن القوالب التقليدية للحركة الوطنية، بل يعيد تعريفها: من خلال الاشتباك في الفضاءات الأكاديمية والإعلامية في بلاد الغرب، ومن خلال تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية رأي عام عالمي، ومن خلال كسر احتكار السردية التي طالما روّجت لها إسرائيل.
وفي هذا السياق، لم تعد وحشية إسرائيل مجرد أداة قمع، بل تحولت، بفعل انكشافها غير المسبوق، إلى عامل ارتداد إستراتيجي عليها. فالإبادة، التي كان يُفترض أن تُخضع الفلسطينيين، تسببت في تآكل عميق في شرعية إسرائيل الدولية، وسقوط متسارع في صورتها ومكانتها، حتى داخل مراكز كانت تاريخيًا حاضنة لها.
من هنا، فإن التحول لن يكون لحظيًا، ولن يأتي كنتيجة مباشرة لهذه اللحظة الدموية، بل سيتشكل عبر تراكم بطيء، تقوده معادلتان متلازمتان تستمدان الشرعية من الحق والعدالة:
الأولى، صمود فلسطيني يتجاوز حدود الاحتمال؛ وهذا يستوجب وعيًا بأهمية ذلك، وتوفير مقومات الصمود، مصحوبًا بإعادة السياسة إلى الناس، وبشرط أن يكون مسقوفًا برؤية وطنية تحررية لمستقبل منزوع الكولونيالية.
والثانية، انكشاف نظام استعماري يفقد قدرته على إخفاء طبيعته، بل يتباهى بوحشيته، مما يتطلب تعزيز التحالفات العالمية التقدمية والليبرالية الإنسانية لتعميق تناقضاته، ودفعه إلى تعديل مواقفه نحو الحق الفلسطيني، ونحو حقوق الناس في أوطانها في الأمن والمساواة.
بين هذين المسارين، تتكون قاعدة تاريخية جديدة هشة وغير مكتملة، لكنها حقيقية، يمكن الانطلاق منها نحو إعادة بناء المشروع الوطني على أسس مختلفة. قد يستغرق ذلك وقتًا طويلًا، وقد يمر عبر مراحل أكثر قسوة، لكن المؤكد أن ما يتشكل اليوم في قلب هذا الدمار، ليس فقط ملامح الانهيار… بل أيضًا بذور التحول.
عرب 48




