عربي دولي

مؤشّرات على تراجع النفوذ: ماذا تبقّى لأميركا في العراق؟

مؤشّرات على تراجع النفوذ: ماذا تبقّى لأميركا في العراق؟

بعد عقدين على الغزو، يتراجع الحضور العسكري الأميركي في العراق تحت وطأة الضغوط الميدانية والسياسية، في ظل تصاعد الهجمات وتبدّل موازين القوى، ما يعيد رسم حدود النفوذ والدور الأميركي.

فقار فاضل

بغداد | لم يعُد الوجود العسكري الأميركي في العراق كما كان عليه قبل سنوات. فبعد عقدَين على الغزو، تبدو الولايات المتحدة اليوم في موقع دفاعي، حيث تُعيد رسم حضورها العسكري والأمني ضمن بيئة مُعقّدة تتداخل فيها الضغوط السياسية، والهجمات المسلّحة، والتحوّلات الإقليمية المتسارعة. وبينما تصرّ واشنطن على توصيف وجودها بأنه “استشاري” ومرتبط بمحاربة تنظيم “داعش”، تشير الوقائع الميدانية إلى تراجع واضح في حجم النفوذ والدور الأميركيَّيْن.

وتقدّر مصادر أمنية عراقية أن عديد القوات الأميركية في العراق يُراوِح حالياً بين 2000 و2500 جندي، موزّعين على قواعد رئيسَة أبرزها قاعدة “حرير” في أربيل، إلى جانب وجود محدود داخل مطار بغداد الدولي وبعض المواقع اللوجستية. وتتركّز مهام هذه القوات، رسمياً، في التدريب، وتبادل المعلومات الاستخبارية، وتقديم الدعم الجوي والتقني للقوات العراقية، ضمن إطار “التحالف الدولي”. غير أن هذا الحضور تعرّض خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما مع اندلاع الحرب الأخيرة على إيران، لضربات قاسية، حفّزها فتح الأجواء العراقية أمام الطائرات الإسرائيلية التي تشنّ هجمات على إيران، وتسهيل تحرّك معارضين إيرانيين أكراد انطلاقاً من إقليم كردستان ضدّ الجمهورية الإسلامية.

وفي 11 آذار الماضي، كشف تحليل أجرته صحيفة “نيويورك تايمز”، استناداً إلى صور أقمار اصطناعية، أن ما لا يقلّ عن 17 موقعاً أميركياً في الشرق الأوسط تعرّضت لأضرار جسيمة، بينها منشآت في العراق. وأقرّ مسؤولون عسكريون أميركيون بأن عدداً من الصواريخ والطائرات المُسيّرة أصاب بشكل مباشر ما لا يقلّ عن 11 منشأة عسكرية، بما فيها مواقع للاتصالات والدفاع الجوي، فضلاً عن استهداف السفارة الأميركية في بغداد. وبحسب بيانات وزارة الدفاع الأميركية، قُتل 13 عسكرياً أميركياً وأصيب أكثر من 400 خلال المواجهات المرتبطة بالحرب مع إيران، في مؤشّر على حجم الاستنزاف الذي تعرّضت له القوات الأميركية في المنطقة.

الضربات أجبرت واشنطن على تقليص انتشارها وإعادة تموضع قواتها داخل قواعد أكثر تحصيناً

في المقابل، تكشف مصادر قيادية في فصيلَين مسلّحَين، لـ”الأخبار”، أن “المقاومة العراقية نفّذت أكثر من 329 هجوماً ضدّ المصالح الأميركية خلال الفترة الماضية”، مؤكّدة أن “الجانب الأميركي يتكتّم على حجم الخسائر الحقيقية، سواء في الأرواح أو في البنى التحتية”. وتشير المصادر إلى أن “الضربات أجبرت واشنطن على تقليص انتشارها وإعادة تموضع قواتها داخل قواعد أكثر تحصيناً”، معتبرةً أن الولايات المتحدة “لم تعُد قادرة على خوض مواجهة مفتوحة مع فصائل المقاومة، خصوصاً بعد استنزافها في الحرب مع إيران”، مضيفة أن “الضغوط التي تمارسها واشنطن على الحكومة العراقية لإعادة هيكلة الفصائل المسلّحة تعكس هذا العجز”.
وفي السياق السياسي، يبرز موقف قوى داخل البرلمان العراقي تطالب بإنهاء الوجود الأميركي بشكل كامل. ويقول النائب حبيب الحلاوي، من كتلة “صادقون” التابعة لحركة “عصائب أهل الحق”، لـ”الأخبار”، إن “قرار إخراج القوات الأجنبية لا رجعة عنه، وهو يمثّل إرادة وطنية وسيادية”، مذكّراً بأن “البرلمان سبق أن صوّت على إنهاء هذا الوجود، وما يجري اليوم هو محاولة للمماطلة والالتفاف على القرار”. ويرى أن “الخسائر التي تكبّدتها القوات الأميركية خلال الفترة الماضية تؤكّد أنها لم تعُد قادرة على البقاء، وأن إنهاء وجودها العسكري بات مسألة وقت”.

من جهته، يرى الباحث في الشأن السياسي، محمد الخالدي، أن “الوجود الأميركي لم ينتهِ فعلياً، بل تحوّل من صيغة عسكرية مباشرة إلى نفوذ أمني واستخباري أكثر مرونة”. ويقول، لـ”الأخبار”، إن “واشنطن لا تزال تمتلك أدوات تأثير مهمّة داخل العراق، سواء عبر الدعم العسكري أو عبر الملفات الاقتصادية، مثل التحكّم بتدفّقات الدولار”، مستدركاً بأن “هذا النفوذ تراجع بشكل واضح بعد تصاعد عمليات المقاومة وتغيّر موازين القوى الإقليمية”.
أمّا على المستوى الأمني، فيؤكّد اللواء المتقاعد، محمد صبحي، أن “الانتشار الأميركي بات أكثر حذراً وانكماشاً”، موضحاً أن “القوات الأميركية انتقلت من استراتيجية الانتشار الواسع إلى التركيز على نقاط محدودة عالية التحصين”. ويضيف، في حديثه إلى “الأخبار”، أن “المعطيات الميدانية تشير إلى تراجع القدرة العملياتية لهذه القوات خارج قواعدها، ما يعكس تغيّراً في قواعد الاشتباك”.
والجدير ذكره هنا، أن الاتفاق الاستراتيجي بين البلدين، إلى جانب التفاهمات الخاصة بعمل “التحالف الدولي”، ينصّان على دور استشاري للقوات الأجنبية. إلا أن الحكومة العراقية أعلنت، في أكثر من مناسبة، التوصّل إلى تفاهمات تقضي بإنهاء مهام “التحالف” وفق جداول زمنية مُحدّدة، تمهيداً للانتقال إلى صيغة تعاون ثنائي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب