فلسطين
مائة يوم من العمل في بلدية طولكرم.. إنجازات على الأرض وتحديات تنتظر الاستكمال
من تأهيل الشوارع والأرصفة واستكمال «الخط الثالث» إلى صيانة المدارس وترقيم المدينة.. مجلس بلدي يضع الخدمات والبنية التحتية في صدارة أولوياته

مائة يوم من العمل في بلدية طولكرم.. إنجازات على الأرض وتحديات تنتظر الاستكمال
من تأهيل الشوارع والأرصفة واستكمال «الخط الثالث» إلى صيانة المدارس وترقيم المدينة.. مجلس بلدي يضع الخدمات
والبنية التحتية في صدارة أولوياته

إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة
مائة يوم من عمر المجلس البلدي الجديد في طولكرم قد لا تكون كافية لإصدار حكم نهائي على تجربته، لكنها بالتأكيد تمثل محطة مهمة لقراءة الأولويات التي وضعها المجلس، وطبيعة الملفات التي تعامل معها، ومدى قدرته على تحويل المسؤولية البلدية من إطار إداري إلى عمل ميداني يلمسه المواطن في حياته اليومية.
والقراءة الموضوعية لحصيلة هذه الفترة تشير إلى أن المجلس البلدي برئاسة السيد نصر فقها اتجه منذ بداية عمله نحو عدد من الملفات ذات الصلة المباشرة بحياة المواطنين، وفي مقدمتها تأهيل الطرق والأرصفة والدوارات، النظافة، البنية التحتية، المدارس، تطوير الإدارة الحضرية، ومتابعة القضايا الكبرى التي تتجاوز صلاحيات البلدية إلى المستوى الحكومي والوطني.
ولعل أهمية هذه التجربة لا تكمن فقط في عدد المشاريع التي أُنجزت أو التي وُضعت قيد التنفيذ، وإنما في محاولة بناء مقاربة متكاملة لاحتياجات المدينة، تجمع بين الخدمة اليومية والمشروع التنموي والرؤية المستقبلية.
الشوارع والأرصفة.. إنجاز يلمسه المواطن مباشرة

من أبرز الملفات التي حضرت خلال المائة يوم أعمال إعادة تأهيل وصيانة عدد من الشوارع والأرصفة، وإعادة طلاء الأرصفة، إلى جانب استكمال أعمال تأهيل عدد من الدوارات وتحسين مظهرها العام.
وهذه الأعمال، وإن بدت للوهلة الأولى ذات طابع خدمي، إلا أن أثرها يتجاوز الجانب الجمالي؛ فالطريق المؤهل يرفع مستوى السلامة المرورية، والرصيف الصالح للاستخدام يعيد للمشاة حقهم في المجال العام، فيما تساهم أعمال الطلاء والتجميل في تحسين الصورة الحضارية للمدينة.
وفي هذا السياق، وقّعت بلدية طولكرم في 20 حزيران/يونيو 2026 اتفاقية لتنفيذ مشروع تأهيل وتعبيد شارعي الإسكان والسكة وعدد من الشوارع المتفرعة منهما، بتمويل من صندوق تطوير وإقراض الهيئات المحلية، وبقيمة إجمالية بلغت 1,384,880.81 يورو.
ويشمل المشروع، وفق ما أعلنته البلدية، أعمال قشط طبقة الإسفلت القديمة وفرد طبقة جديدة وتنفيذ أعمال البنية التحتية وفق المواصفات الفنية المعتمدة.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها لا تتعامل مع الطريق باعتباره مجرد طبقة إسفلت، وإنما جزءًا من منظومة البنية التحتية للمدينة، بما يقتضي المتابعة الفنية وضمان جودة التنفيذ والالتزام بالبرنامج الزمني.
الدوارات والمظهر الحضري.. المدينة كما يراها الزائر والمواطن

أعمال تأهيل الدوارات وإعادة تنظيمها وتحسين مظهرها تدخل في صلب العمل البلدي الحديث.
فالدوار ليس مجرد مساحة وسط الطريق، بل نقطة مرورية وواجهة حضرية في الوقت ذاته. ولذلك فإن تطويره ينبغي أن يراعي الانسيابية المرورية والسلامة، إلى جانب التشجير والتجميل والحفاظ على الهوية البصرية للمدينة.
وفي هذا الإطار، جاءت أعمال استكمال تأهيل عدد من الدوارات، بما يعكس توجهًا نحو تحسين المشهد الحضري في طولكرم ومداخلها ومفترقاتها الرئيسية.
لكن التحدي المقبل يتمثل في ربط هذه الأعمال بخطة شاملة لتنظيم المرور، ومعالجة الوقوف العشوائي والتعديات على الأرصفة، بحيث لا تبقى المعالجة منفصلة عن مشكلة الحركة المرورية في المدينة.
النظافة.. خدمة يومية لا تحتمل التوقف
إذا كانت المشاريع الإنشائية تقاس بمراحل التنفيذ ونسب الإنجاز، فإن النظافة معيار يومي لنجاح الإدارة البلدية.
وقد شهدت الفترة الأولى من عمل المجلس متابعة ميدانية مباشرة لأعمال النظافة والصيانة، حيث قام رئيس البلدية بجولات في شوارع المدينة والتقى عمال النظافة وفرق الطرق، مؤكدًا أهمية استمرار العمل وتحسين المظهر العام.
وهنا ينبغي التأكيد أن الحفاظ على نظافة طولكرم مسؤولية مشتركة بين البلدية والمواطن؛ فالبلدية مطالبة بتوفير منظومة منتظمة لجمع النفايات وتنظيف الشوارع والساحات، والمواطن مطالب بعدم تحويل المجال العام إلى مكب للنفايات أو التعامل مع الممتلكات العامة باعتبارها مسؤولية الآخرين.
المدارس.. البلدية شريك في تهيئة البيئة التعليمية

من الملفات التي تستحق الإشارة إليها أيضًا توجيه رئيس البلدية إلى تكثيف أعمال صيانة المدارس واستكمالها قبل انطلاق العام الدراسي.
وقد تضمنت الجولة تفقد مجموعة من مدارس المدينة برفقة مدير التربية والتعليم ومهندسين مختصين، للاطلاع المباشر على احتياجاتها وسير أعمال الصيانة، مع التأكيد على رفع وتيرة العمل لإنجاز الإصلاحات الضرورية قبل بدء العام الدراسي.
وهذا الملف يعكس مفهومًا مهمًا في الإدارة المحلية، وهو أن دور البلدية لا يقتصر على الشوارع والأرصفة والنظافة، بل يمتد إلى البيئة المحيطة بالمؤسسات التعليمية عندما تكون البلدية شريكًا في توفير ظروف مناسبة للطلبة.

فالمدرسة الآمنة والسليمة ليست ترفًا، وإنما جزء من جودة العملية التعليمية وحماية الطلبة والعاملين فيها.
استكمال الخط الثالث.. ملف استراتيجي لطولكرم
ومن الملفات التي ينبغي أن تحتل موقعًا بارزًا في تقييم هذه المرحلة استكمال مشروع الخط الثالث للكهرباء.
فأزمة الكهرباء في طولكرم ليست مجرد مشكلة خدمية عابرة؛ إنها قضية تمس الاقتصاد المحلي، والصناعة والتجارة، والمرافق العامة، والمواطنين في حياتهم اليومية.
ومن هنا فإن استكمال الخط الثالث يمثل خطوة مهمة في اتجاه تعزيز استقرار منظومة الطاقة وتلبية احتياجات المدينة المتزايدة.

كما أن هذا الملف يوضح طبيعة العمل البلدي في المشاريع الكبرى؛ فالبلدية لا تستطيع وحدها تنفيذ جميع المشاريع الاستراتيجية، لكنها تستطيع المتابعة والضغط والتنسيق مع الجهات الحكومية والمؤسسات المختصة وتأمين الدعم اللازم.

ترقيم وترميز المدينة.. الانتقال إلى الإدارة الحضرية الحديثة

ومن المشاريع النوعية التي أطلقتها البلدية خلال هذه المرحلة مشروع الترقيم والترميز في مدينة طولكرم.
وقد يبدو المشروع للوهلة الأولى إداريًا، لكنه في الحقيقة يحمل أبعادًا تنموية مهمة؛ فوجود عناوين واضحة وترقيم دقيق للشوارع والمباني يسهل وصول المواطنين والمؤسسات إلى المواقع، ويحسن خدمات البريد والتجارة، ويساعد قطاعات الطوارئ والإسعاف والدفاع المدني.
كما أن المشروع يمثل خطوة باتجاه إدارة المدينة باستخدام البيانات ونظم المعلومات الجغرافية، وهو ما يمكن أن يشكل قاعدة مستقبلية لتطوير التخطيط الحضري والخدمات الإلكترونية.
وبذلك فإن قيمة المشروع لا تقاس فقط باللوحات التي ستوضع على الشوارع والمباني، وإنما بمدى توظيف قاعدة البيانات الناتجة عنه في التخطيط واتخاذ القرار.

طولكرم ومخيماتها.. البلدية أمام مسؤولية وطنية وخدمية
في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها المحافظة، لا يمكن فصل العمل البلدي عن الواقع العام.
وفي هذا السياق، جاء لقاء رئيس البلدية ووفد من أعضاء المجلس مع وزير الهيئة العامة للشؤون المدنية، حيث جرى بحث ملفات إعادة الإعمار ودعم ما دمره الاحتلال من منازل وبنية تحتية في المدينة ومخيّمي طولكرم ونور شمس، إلى جانب أوضاع الحواجز والإغلاقات والمعابر وتأثيرها على حركة المواطنين.
وتكتسب هذه الاتصالات أهمية خاصة لأنها تضع احتياجات طولكرم ومخيماتها على طاولة الجهات صاحبة الاختصاص، خصوصًا أن جانبًا من الملفات المطروحة يتجاوز الإمكانات والصلاحيات البلدية المباشرة.
والنجاح في هذا المجال لا يقاس فقط بنتائج اجتماع واحد، وإنما بقدرة المجلس على تحويل المطالب إلى ملفات متابعة، وحشد المؤسسات والجهات المختصة والداعمة للوصول إلى نتائج ملموسة.
مائة يوم.. ماذا تقول الحصيلة؟
الإنصاف يقتضي القول إن المجلس البلدي لا يمكن أن يُحاسب على تراكمات سنوات خلال مائة يوم، كما لا يجوز أن تُمنح التجربة شهادة نجاح نهائية خلال الفترة ذاتها.
لكن المائة يوم تقدم مؤشرات مهمة.
والمؤشر الأول هو الحضور الميداني، من خلال متابعة الشوارع والنظافة والدوارات والمدارس.
والمؤشر الثاني هو العمل على مشاريع البنية التحتية، ومنها مشروع تأهيل وتعبيد شارعي الإسكان والسكة والشوارع المتفرعة منهما.
والمؤشر الثالث هو متابعة المشاريع الاستراتيجية، وفي مقدمتها استكمال الخط الثالث للكهرباء.
والمؤشر الرابع هو الانتقال التدريجي نحو الإدارة الحضرية الحديثة عبر مشروع الترقيم والترميز.
والمؤشر الخامس هو الانفتاح على المؤسسات الحكومية والمجتمعية ومتابعة الملفات التي تتجاوز قدرة البلدية الذاتية.
المطلوب الآن: الاستدامة لا الاكتفاء بالانطلاقة
لكن المرحلة المقبلة ستكون أكثر صعوبة؛ لأن المواطن لا يريد إنجازًا مؤقتًا، وإنما خدمة مستدامة.
إعادة تأهيل الشوارع يجب أن تتبعها صيانة دورية، والأرصفة التي جرى تأهيلها يجب حمايتها من التعديات، والدوارات التي جرى تجميلها تحتاج إلى المحافظة عليها، والنظافة تحتاج إلى منظومة دائمة، ومشروع الترقيم والترميز يجب أن يتحول إلى قاعدة بيانات فعالة تخدم التخطيط والخدمات.
كما أن تنظيم الأسواق والبسطات والوقوف العشوائي وحركة السير سيظل أحد أبرز الاختبارات أمام المجلس؛ لأن المدينة بحاجة إلى التوفيق بين تطبيق القانون ومراعاة الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية أن يكون تطبيق الأنظمة عادلاً ومتوازنًا وغير انتقائي، وأن تكون المصلحة العامة هي معيار القرار.
المواطن شريك وليس متلقي خدمة فقط
نجاح البلدية لا يعتمد على المجلس وحده.
فالمواطن شريك في الحفاظ على مدينته، من خلال الالتزام بالنظام، والمحافظة على النظافة، وعدم الاعتداء على الأرصفة والطرقات والساحات العامة، واحترام المرافق التي أنفقت عليها الأموال العامة.
وفي المقابل، من حق المواطن أن يطالب البلدية بالشفافية، وأن يعرف أين تنفق الأموال، وما المشاريع المنفذة، وما نسب الإنجاز، وما الأولويات، وأن تكون قنوات الشكاوى والمساءلة مفتوحة وفعالة.
وهذه العلاقة المتوازنة هي التي تصنع الثقة بين المجتمع والبلدية.
الخلاصة: المائة يوم الأولى ليست نهاية الطريق
مائة يوم من العمل لا تكفي للحكم النهائي، لكنها تكفي للقول إن المجلس البلدي في طولكرم وضع عددًا من الملفات الخدمية والتنموية على جدول العمل، وانتقل في أكثر من اتجاه من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ والمتابعة الميدانية.
إعادة تأهيل الشوارع والأرصفة، إعادة طلاء الأرصفة، استكمال تأهيل الدوارات، تكثيف أعمال النظافة، متابعة صيانة المدارس، استكمال الخط الثالث، إطلاق مشروع الترقيم والترميز، والتحرك لدى الجهات الحكومية في ملفات إعادة الإعمار والحواجز وحركة المواطنين، كلها ملفات تعكس تعدد الأولويات أمام المجلس.
غير أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد المائة يوم.
فالمطلوب أن تتحول هذه الإنجازات إلى سياسة بلدية مستدامة، وخطة زمنية واضحة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وشفافية في عرض النتائج، وشراكة حقيقية مع المجتمع المحلي.
طولكرم لا تحتاج إلى احتفال بالمائة يوم بقدر ما تحتاج إلى البناء عليها.
ولا تحتاج إلى بيانات كثيرة بقدر حاجتها إلى مشاريع مكتملة، وخدمات منتظمة، وشوارع آمنة، وأرصفة مفتوحة للمشاة، ومدينة نظيفة، وكهرباء مستقرة، وإدارة عصرية.
وفي النهاية، فإن الحكم الحقيقي على أي مجلس بلدي لا يصدر في المؤتمرات ولا في البيانات، وإنما يصدر من الشارع، ومن المواطن، ومن الأرقام، ومن استدامة الإنجاز.
وإذا كانت المائة يوم الأولى قد حملت عنوان «العمل والعطاء»، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تحمل عنوانًا أكثر دقة:
الاستمرار في العمل، قياس الإنجاز، تصحيح الخلل، ومواصلة البناء من أجل طولكرم وأهلها




