فلسطين
ماهر يونس… أربعون عامًا خلف القضبان ورحيل يطوي صفحة من تاريخ الحركة الأسيرة

ماهر يونس… أربعون عامًا خلف القضبان ورحيل يطوي صفحة من تاريخ الحركة الأسيرة
صحيفة صوت العروبة
فلسطين تودّع اليوم واحدًا من أبرز رموز الحركة الأسيرة، الأسير المحرر ماهر يونس، الذي توفي إثر وعكة صحية بعد ثلاثة أعوام فقط من تحرره من سجون الاحتلال الإسرائيلي، ليطوي برحيله صفحة من أطول فصول الصمود الإنساني والوطني في تاريخ الأسر الفلسطيني.
لم يكن الراحل مجرد اسم في سجل الأسرى، بل حالة وطنية متكاملة اختزلت قصة شعب يعيش تحت الاحتلال، ويقاوم عبر الصبر كما عبر الفعل. فقد أمضى أربعين عامًا متواصلة في الأسر، منذ اعتقاله في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، ليصبح أحد أقدم الأسرى الذين أمضوا أعمارهم كاملة خلف القضبان، متنقلاً بين السجون، محرومًا من أبسط حقوقه الإنسانية، ومواجهًا سنوات العزل والإهمال الطبي والمعاناة الممتدة.
ولد ماهر يونس في بلدة عرعرة داخل أراضي عام 1948، ونشأ في بيئة فلسطينية مشبعة بالانتماء الوطني، قبل أن يعتقله الاحتلال ويحكم عليه بالسجن المؤبد، ليبدأ مسارًا طويلًا من الاعتقال تحول فيه إلى أحد أبرز رموز الحركة الوطنية الأسيرة. وخلال سنوات سجنه، تحوّل اسمه إلى عنوان للصمود، وإلى شاهد حي على سياسة الاحتلال في التعامل مع الأسرى الفلسطينيين.
وعلى الرغم من قسوة التجربة، ظل يونس حاضرًا في الوعي الوطني الفلسطيني بوصفه نموذجًا للأسير الذي لم تنل منه سنوات الاعتقال الطويلة، بل زادته إصرارًا على التمسك بالهوية والحق، حتى لحظة تحرره عام 2023، بعد أن أنهى محكوميته الكاملة، في مشهد استقبله فيه الفلسطينيون باعتباره أحد رموز الإرادة الوطنية.
وبعد الإفراج عنه، ظل الراحل قريبًا من قضايا الأسرى، مؤكدًا في كل إطلالة أن قضية المعتقلين ليست ملفًا إنسانيًا فقط، بل قضية حرية وكرامة ووجود، وأن معركة الأسرى هي امتداد مباشر لمعركة الشعب الفلسطيني من أجل حقوقه الوطنية.
إن رحيل ماهر يونس لا يُقرأ كخبر وفاة فرد، بل كحدث يحمل دلالات أعمق في الذاكرة الفلسطينية، إذ يفتح مجددًا ملف الحركة الأسيرة بكل ما فيه من معاناة ممتدة، ويعيد التذكير بأسماء قضت أعمارها في السجون، وما زالت تنتظر الحرية.
وبرحيله، تفقد فلسطين أحد أعمدة الصبر الطويل، فيما تبقى سيرته جزءًا من التاريخ الحي للحركة الأسيرة، وذاكرة وطن لا ينسى أبناءه الذين دفعوا أعمارهم ثمنًا للحرية.
رحم الله الأسير المحرر ماهر يونس، وأسكنه فسيح جناته، وألهم عائلته ورفاقه ومحبيه الصبر والسلوان.
وإنا لله وإنا إليه راجعون




