ما الذي غير موقف نتنياهو فجأة ليخوض حروباً متتالية.. وماذا بعد تدمير الباليستي؟

ما الذي غير موقف نتنياهو فجأة ليخوض حروباً متتالية.. وماذا بعد تدمير الباليستي؟
أوري بار يوسف
منذ بداية الحرب، لا سيما منذ اتضحت قصة النجاح العملياتي، يزداد من يسألون: ما الذي جعل نتنياهو، المعروف بتردد كبير حول مهاجمة المنشآت النووية في إيران، يقرر شن الهجوم. ألوف بن قدر (“هآرتس”، 14/6) بأن نتنياهو “يريد إعادة ضبط إرثه، بحيث يبدأ في 13 حزيران”. أما نحاميا شترسلر فاعتقد ذلك وقال (“هآرتس”، 17/6): “الجواب يكمن في 7 أكتوبر، وهو اليوم الذي انهارت فيه استراتيجيته”. وهذا تشيك فرايلخ، ذهب بعيداً، ورسم (“هآرتس”، 17/6) ثلاثة سيناريوهات استراتيجية محتملة، اعتمد عليها نتنياهو في قراره. لا شك أن لفشل 7 أكتوبر دوراً في هذا القرار، ومن المرجح أن نتنياهو بنى سيناريوهات متفائلة ستمكن إسرائيل من الخروج من الحرب وفي يدها إنجازات مهمة. ولكن في نهاية المطاف، من أعطى الجواب الأوضح على هذا السؤال هو نتنياهو نفسه.
في زيارته المغطاة إعلامياً لساحة الدمار في “بات يام” في 15 حزيران، أعلن نتنياهو: “فكروا بما كان سيحدث لو كان لدى إيران 20 ألف صاروخ كهذا الصاروخ. هذا تهديد وجودي لإسرائيل. لذلك، انطلقنا إلى حرب إنقاذ ضد تهديد تدمير مزدوج. في الواقع، حسب تقديرات جهاز الأمن كان لدى إيران على الأكثر ألفا صاروخ تمس إسرائيل”. وفكرة نجاحهم خلال فترة زمنية محدودة في زيادة هذه الترسانة إلى 20 ألف صاروخ، تبدو خيالية جداً. ولكن لا يمكن استبعاد المنطق في أقوال نتنياهو، القائل بأن هذه الكتلة من الصواريخ تعد “تهديداً وجودياً” و”تهديداً بالدمار”. ولكن ظهرت هنا مشكلة، وهي أن نتنياهو نسي الإشارة إلى أنه في الـ 15 سنة من حكمه مكن من وجود هذا التهديد، وحتى أخطر منه، وتطويره قرب حدود إسرائيل، لأنه هو التهديد الذي بناه حزب الله منذ 2009.
مخزون صواريخ حزب الله الثقيلة وصل عشية الحرب إلى 150 ألف صاروخ وقذيفة، من بينها عشرات آلاف الصواريخ
حسب تقدير الجهات المهنية (“هآرتس”، 20/10/2023) فإن مخزون صواريخ حزب الله الثقيلة وصل عشية الحرب إلى 150 ألف صاروخ وقذيفة، من بينها عشرات آلاف الصواريخ، بالتأكيد أكثر من 20 الفاً، كان مداها يغطي معظم مركز البلاد، وكان الرأس المتفجر فيها وزنه 500 – 600 كغم، مثل الرأس المتفجر الذي أصاب المبنى الفارغ في “بات يام”.
ثمة بحث أجرته نخبة من قدامى المحاربين في جهاز الأمن حول سيناريو حرب نموذجية، يتم بحسبه إطلاق 2500 – 3000 صاروخ وقذيفة من لبنان يومياً، وينضب فيه مخزون الصواريخ الاعتراضية، وتصيب فيه مئات صواريخ العدو أهدافاً استراتيجية، بما في ذلك قواعد جوية ومحطات طاقة وبنى تحتية حيوية أخرى. التقدير إذا كان هذا السيناريو “تهديداً بالإبادة” في يد المقيم.
لقد كان لترسانة الصواريخ الضخمة التي بنيت بجهد كبير، واستثمار موارد ضخمة وتعريض لخطر المواجهة العسكرية أمام الجيش الإسرائيلي، هدف رئيسي واحد، وهو ردع إسرائيل عن مهاجمة المنشآت النووية في إيران. هذا هدف تم تحقيقه. وما دام موجوداً فإن القدرة على مواجهة إيران ستكون محدودة جداً؛ لأن الثمن الذي ستدفعه إسرائيل كبير مقابل ذلك، ونظراً لأن معظم موارد سلاح الجو في هذه المواجهة كان يجب توجيهها لمواجهة التهديد من الشمال. لذلك، من الواضح الإجابة عن الأسئلة المطروحة الآن حول استعداد نتنياهو المفاجئ للمخاطرة في هذا الوقت: لقد أزيل العائق الأساسي قبل هجوم ناجح. يمكن إضافة اعتبارات أخرى، استراتيجية وشخصية، إلى ذلك. هنا، من المهم الإشارة إلى نقطة أخرى مركزية، وهي تصفية معظم ترسانة صواريخ حزب الله بدون دفع ثمن باهظ من قبل إسرائيل، لم تكن عملية البيجرات وهجمات سلاح الجو مستندة إلى معلومات دقيقة، بل أيضاً إلى حسن الحظ. وفي المقام الأول خطأ حسن نصر الله، الذي واصل الاعتقاد حتى اللحظة التي قتل فيها في حصنه، بأن إسرائيل ما زالت تتمسك بقواعد اللعب التي بلورها الطرفان لسنوات. بكلمات أخرى، قدر أن إسرائيل تدرك بأن هدف التهديد الذي وضعه أمامها هو ردعها عن مهاجمة النووي في إيران. لذلك، ما لم تنو فعل ذلك، فلن تشن حرب خطيرة جداً.
خطأ حسن نصر الله هذا، الذي بناه على ثقة كبيرة بقدرة الردع لديه، وفهم دافع العدو، يشبه تصور أن حماس مردوعة، الذي تمسك به متخذو القرارات في إسرائيل حتى الساعة 6:29 في صباح 7 أكتوبر. حتى الآن، ليس لدينا ما يكفي من المعلومات حول ما اعتقده كبار قادة إيران عشية الحرب. ولكن يمكن الافتراض أن التردد في الاستجابة لطلب ترامب، والتقدم السريع في المفاوضات، عكس ثقة مشابهة في قدرة الردع لديها.
هذه أخطاء يجدر ذكرها على خلفية جو نشوة النصر غير المسبوق، جو ولدت فيه قبل ستين سنة تقريباً إخفاقات كانت في نهايتها كارثة حرب يوم الغفران. ويجدر الذكر أيضاً بأن الردع يمنح الوقت، لكنه لا يضمن الأمن. لا يتحقق الأمن إلا عند التقدم نحو التسويات السياسية التي تقلص دافعية الأعداء لتحدي إسرائيل. هذه هي العبرة الرئيسية التي يجب تعلمها من الحرب الحالية، وإلا فستنتظرنا حروب كثيرة في المستقبل.
هآرتس 22/6/2025




