ثقافة وفنونمقالات
ما الذي يجعل هذا المثقّف عاجزًا عن تجاوز الانتماء القبلي؟ بقلم زكريا نمر-السودان –
بقلم زكريا نمر-السودان -

ما الذي يجعل هذا المثقّف عاجزًا عن تجاوز الانتماء القبلي؟
بقلم زكريا نمر -السودان –
ليست المشكلة في جهل من لا يفهم الديمقراطية، بل في خداع من يدّعي فهمها. حين يتحول المثقّف إلى مروّج لوعي قبلي بلباس حديث، فإننا لا نكون أمام خطأ فكري بسيط، بل أمام انحراف متعمد في تعريف السياسة نفسها. أن يتحدث عن الديمقراطية، ثم يحتفي بوجود أبناء قبيلته في السلطة، فهذه ليست مفارقة بريئة، بل فضيحة فكرية مكتملة. لأن ما يُعرض ليس ديمقراطية مشوّهة فحسب، بل مشروع لإفراغها من معناها وتحويلها إلى أداة تبرير للهيمنة باسم التمثيل. هذا الخطاب لا يكشف فقط حدود فهم صاحبه، بل يكشف أزمة أعمق: عجز عن تصور الدولة خارج منطق القبيلة، حيث تتحوّل المفاهيم الحديثة إلى مجرد قشرة، بينما يبقى الجوهر كما هو: سلطة تُوزّع على أساس الانتماء، لا على أساس الحق.
المفارقة ليست لغوية ولا سطحية، بل بنيوية تكشف خللًا عميقًا في تصور الدولة والمعنى السياسي ذاته. أن يتحدث “المثقّف عن الديمقراطية، ثم يحتفي بوجود أبناء قبيلته في السلطة، فهذه ليست مجرد ازدواجية، بل إعلان غير مباشر بأن المفهوم لم يُفهَم أصلًا. لأن الديمقراطية، في جوهرها، ليست أداة لتكريس الانتماءات الأولية، بل محاولة تاريخية لتجاوزها. ما يحدث في هذا الواقع هو عملية إعادة توطين للمفاهيم. الديمقراطية لا تُفهم بوصفها نظامًا يقوم على الفرد المواطن، بل تُعاد صياغتها لتخدم الجماعة الأولية، القبيلة، وكأنها كيان سياسي طبيعي. وهنا ينقلب المعنى: بدل أن تكون الدولة إطارًا جامعًا يتجاوز الانتماءات الضيقة، تصبح ساحة صراع بين هذه الانتماءات، ويُطلَب من الجميع أن يسمّوا هذا الصراع ديمقراطية.
المثقّف، الذي يُفترض أن يكون أداة تفكيك لهذه البنية، يتحوّل إلى وسيط لإعادة إنتاجها. لا يطرح أسئلة جذرية حول معنى الدولة، ولا يناقش حدود القبيلة كإطار سياسي، بل يكتفي بإعادة تدوير الخطاب السائد بلغة أكثر ترتيبًا. هو لا يكذب، لكنه أيضًا لا يقول الحقيقة كاملة. يختار مفرداته بعناية، لكنه يتجنب المساس بالبنية التي تمنحه موقعه. وهنا يكمن التواطؤ الحقيقي: ليس في الخطأ، بل في الامتناع عن النقد. حين يصف هذا المثقّف وجود أبناء قبيلته في السلطة بأنه تمثيل عادل فهو لا يُقدّم تحليلًا، بل يصوغ تبريرًا. لأنه يفترض ضمنيًا أن العدالة تُقاس بمدى حضور الجماعات، لا بمدى احترام القواعد. وكأن المشكلة في الدولة لم تكن يومًا غياب القانون، بل غياب الحصة. وهذا انحراف خطير، لأنه يُحوّل السياسة من إدارة للشأن العام إلى سوق لتوزيع الامتيازات.
بهذا المعنى، تتحوّل الديمقراطية إلى لغة لتقنين المحاصصة. الانتخابات لا تُخاض على أساس برامج، بل على أساس هويات. والمناصب لا تُمنح بناءً على الكفاءة، بل على أساس الانتماء. وفي هذا السياق، لا يعود الفشل فشلًا، بل اختلالًا في التوازن، ولا يعود الفساد فسادًا، بل “حقًا مهضومًا” لجماعة لم تأخذ نصيبها بعد. المشكلة ليست في وجود القبيلة، فهي حقيقة اجتماعية لا يمكن إنكارها، بل في تحويلها إلى مرجعية سياسية نهائية. حين تصبح القبيلة هي وحدة القياس، فإن كل حديث عن المواطنة يصبح مجرد شعار. لأن المواطنة تفترض المساواة الفردية، بينما القبيلة تقوم على التمايز الجماعي. الجمع بينهما دون نقد، ليس توفيقًا، بل تلفيقًا.
هذا المثقّف لا يرى التناقض، أو يتجاهله عمدًا. لأنه في العمق لا يريد تفكيك هذه البنية، بل يريد تحسين موقعه داخلها. هو لا يحلم بدولة تتجاوز القبيلة، بل بدولة تديرها قبيلته بشكل أفضل. لذلك، حين يتحدث عن الديمقراطية، فهو لا يقصد تداول السلطة بين المواطنين، بل تداولها بين الجماعات. وهذا فرق جوهري، لأنه يُحوّل الصراع من سياسي إلى هوياتي. هذا الخطاب يُنتج وعيًا زائفًا لدى الجمهور. حين يسمع الناس حديثًا مستمرًا عن الديمقراطية مقرونًا بالتمثيل القبلي، يبدأون في الربط بين المفهومين وكأنهما شيء واحد. ومع الوقت، يصبح من الصعب التمييز بين الدولة كفكرة، والقبيلة كواقع. وهنا تتآكل إمكانية التغيير، لأن اللغة نفسها لم تعد قادرة على حمل معنى مختلف.
في هذه البيئة، يفقد النقد معناه. لأن من يُفترض أنهم يمارسونه، هم أنفسهم جزء من البنية التي تحتاج إلى نقد. يصبح المثقّف شاهدًا على الخلل، لكنه يختار أن يكون شاهد زور. لا يواجه السلطة حين تخضع الدولة لمنطق الولاء، ولا يواجه المجتمع حين يختزل السياسة في الانتماء. يكتفي بالتحليل الجزئي، ويتجنب الأسئلة الكبرى.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح: ما الذي يجعل هذا المثقّف عاجزًا عن تجاوز القبيلة؟ هل هو الخوف من العزلة؟ أم الرغبة في الامتياز؟ أم عجز حقيقي عن تخيل شكل آخر للدولة؟ في كل الحالات، النتيجة واحدة: خطاب يبدو حديثًا في شكله، لكنه تقليدي في مضمونه. الديمقراطية لا يمكن أن تنمو في بيئة تختزل فيها السياسة إلى انتماء، لأنها تفترض وجود فرد مستقل نسبيًا عن جماعته، قادر على اتخاذ موقف سياسي بناءً على قناعته، لا على هويته. لكن حين يُطلَب من الفرد أن يصوّت “لأهله”، لا لما يراه صحيحًا، فإننا لا نمارس الديمقراطية، بل نعيد إنتاج القبيلة بأدوات حديثة.
تظهر المفارقة الأكثر قسوة كلما زاد الحديث عن الديمقراطية في هذا السياق، كلما ابتعدنا عنها فعليًا. لأن المفهوم يُستهلك كخطاب، لا يُبنى كممارسة. يُستخدم لتجميل الواقع، لا لتغييره. والمثقّف، بدل أن يكون أداة كشف، يصبح أداة إخفاء. لا يمكن بناء دولة حديثة بعقلية ترى في السلطة امتدادًا للقبيلة. ولا يمكن لمثقّف لم يتحرر من انتمائه الأولي أن يُنتج وعيًا يتجاوز هذا الانتماء. لأن الفكر، في هذه الحالة، لا يقود الواقع، بل يتبعه. يبرّر ما هو قائم، بدل أن يطرح ما يجب أن يكون.
الديمقراطية ليست شعارًا يُرفع، بل بنية ذهنية تُبنى. تبدأ من الاعتراف بأن الفرد هو أساس السياسة، وأن القانون فوق الجميع، وأن السلطة ليست ملكًا لأحد. وكل خطاب يتجاهل هذه الأسس، مهما استخدم من مفردات براقة، هو مجرد إعادة إنتاج لنفس الأزمة بلغة مختلفة. لهذا، حين أسمع مثقّفا يتحدث عن الديمقراطية ويفتخر بوجود أبناء قبيلته في السلطة، لا أرى تناقضًا فقط، بل أرى حدودًا صارخة للوعي. أرى عقلًا لم يغادر القبيلة، بل حملها معه إلى داخل الدولة، ثم أقنع نفسه أنه بذلك أصبح حديثًا. وفي الحقيقة، هو لم يفعل سوى شيء واحد: منح التخلّف اسمًا جديدًا.
-كاتب من جنوب السودان



