ما بعد أزمة هرمز: نحو استراتيجية عربية جديدة تجاه إيران؟.

ما بعد أزمة هرمز: نحو استراتيجية عربية جديدة تجاه إيران؟.
الأستاذ : علي او عمو.
كاتب من المغرب.
منذ عقود، اختارت دول عربية عديدة النظر إلى الجمهورية
الإسلامية الإيرانية باعتبارها مصدر تهديد إقليمي، انطلاقاً من
هواجس مرتبطة بما اعتبرته مشروعاً إيرانياً لتصدير الثورة
وتوسيع النفوذ في المنطقة. وبناءً على هذه الرؤية، سمحت
بعض هذه الدول للولايات المتحدة بإقامة قواعد عسكرية على
أراضيها، على أمل أن توفر لها الحماية في مواجهة ما اعتُبر
تهديداً إيرانياً.
وفي المقابل، فُرضت على إيران عقوبات أمريكية متتالية، بينما
بقي الموقف العربي في كثير من الأحيان أقرب إلى الصمت أو
القبول بالأمر الواقع.
لكن الجغرافيا لا تتغير بالسياسة. إيران دولة إقليمية وجارة
مباشرة للعالم العربي، ولا يمكن نقلها إلى مكان آخر أو إلغاء
حضورها من معادلات المنطقة. ولذلك فإن استمرار العداء معها
لا يلغي وجودها، بل قد يجعل المنطقة كلها أكثر عرضة للتوتر
والصدام.
وجاءت الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية الأخيرة على إيران لتكشف
جانباً آخر من المعادلة. فقد دخلت المنطقة في مواجهة خطيرة،
بينما لم تكن دولها العربية هي التي قررت الحرب، ولم تُستشر
بالضرورة في قراراتها الكبرى. ورغم الأهداف التي أُعلنت
للحرب، ومنها الضغط على النظام الإيراني، لم يتحقق الهدف
الأساسي المتمثل في إسقاط النظام.
ثم جاءت أزمة مضيق هرمز لتكشف هشاشة الرهان على
الحماية الخارجية. فعندما تعرضت الملاحة والطاقة والتجارة في
المنطقة للخطر، وجدت دول عربية نفسها أمام تداعيات اقتصادية
وأمنية مباشرة، رغم وجود القواعد العسكرية الأمريكية
وعلاقاتها الوثيقة بواشنطن.
والأكثر دلالة أن الولايات المتحدة، بعد التصعيد، اتجهت إلى
التفاوض مع إيران بحثاً عن مخرج سياسي، من دون أن يعني
ذلك أن دول المنطقة كانت صاحبة القرار في الحرب أو في مسار
التفاوض.
وهنا يطرح السؤال نفسه: أليس من الضروري أن تعيد الدول
العربية النظر في استراتيجيتها الإقليمية؟
إن الاعتماد الكامل على قوة خارجية لحماية المنطقة لم يمنع
الحروب، ولم يلغِ التوترات، ولم يضمن دائماً حماية المصالح
العربية عندما تتصادم حسابات القوى الكبرى مع مصالح دول
المنطقة.
لذلك، قد يكون من الضروري الانتقال من سياسة الاستعداء
والارتهان إلى سياسة الحوار والمصالح المتبادلة. وإيران، بحكم
الجغرافيا والتاريخ والثقل السياسي والعسكري، ستظل جزءاً
أساسياً من معادلة الشرق الأوسط، شئنا ذلك أم أبينا.
إن تحسين العلاقات العربية ـ الإيرانية، وفتح قنوات الحوار
المباشر، والبحث عن ترتيبات إقليمية للأمن وعدم الاعتداء
وحماية الملاحة، يمكن أن يشكل أساساً لبناء توازن جديد في
المنطقة.
فبدلاً من أن تكون المنطقة ساحة لصراع الآخرين، لماذا لا تعمل
دولها على بناء جبهة إقليمية للحوار والتعاون تحمي مصالحها
بنفسها؟.
لقد أثبتت الأزمات المتتالية أن الأمن العربي لا يمكن أن يقوم إلى
الأبد على انتظار الحماية من الخارج. أما إيران، فهي جارٌ باقٍ لا
تستطيع الحروب ولا العقوبات ولا القواعد العسكرية تغيير موقعه
على الخريطة..
ومن هنا، فإن إعادة بناء العلاقة مع إيران لا تعني بالضرورة
الاتفاق معها في كل شيء، وإنما تعني إدراك حقيقة بسيطة:
الخلاف مع الجار يمكن إدارته بالحوار، أما محاولة إلغاء الجار
من معادلات المنطقة فليست سياسة قابلة للحياة.




