مقالات
ما بعد طوفان الأقصى المتغيرات الدولية وإلغاء وظائف المشاريع الدينية الغيبية الحلقة الأولى (1/ 2) في 23/ 02/ 2024 حسن خليل غريب
حسن خليل غريب

ما بعد طوفان الأقصى المتغيرات الدولية وإلغاء وظائف المشاريع الدينية الغيبية
الحلقة الأولى (1/ 2)
في 23/ 02/ 2024 حسن خليل غريب
تمهيد: إلغاء وظيفة المشروع التلمودي مقدمة لإلغاء وظيفة مشروع ولاية الفقيه
-أولاً: تمهيد أيديولوجي وتاريخي منذ تأسيس نظام ولاية الفقيه حتى الآن.
-ثانياً: مشروع ولاية الفقيه يسير بالعكس من التشريعات الأممية.
-ثالثاً: المقاربة بين المشروع الغيبي الإيراني وبين المتغيرات الحديثة والراهنة على الصعيد العربي والدولي.
1-السير بالعكس من التيارات الأممية في بناء الدولة الحديثة.
2-السير بالعكس من تيارات بناء الدولة العربية المدنية الحديثة.
3-ميليشيات نظام ولاية الفقيه تسير بالعكس من مرحلة الاستثمار بالتنمية البشرية.
أ-المتغيرات الدولية باعتبار المنطقة العربية ساحة للاستثمار الاقتصادي.
بـ-الدول الغربية ومتغيرات الدور الوظيفي للكيان الصهيوني والنظام الإيراني.
جـ-النظام العربي الرسمي الخليجي، والتحولات الاستراتيجية السياسية والاقتصادية.
مشروعان إلغائيان غيبيان، المشروع التوراتي اليهودي ومشروع ولاية الفقيه الشيعي، رسمت الإمبريالية الأميركية لهما وظائف عليهما أن يؤديانها لتنفيذ استراتيجيتها العسكرية التوسعية. وبعد إثبات فشل المشروع الأول خاصة بعد عملية طوفان الأقصى، فاجأ الغرب العالم بأنه يفتح الفرصة أمام الحلول السياسية بإعطاء الفلسطينيين دولة قابلة للحياة، وهذا يعني تغيير الوظيفة العسكرية للعدو الصهيوني التي كان مُعدَّاً لها منذ مؤتمر كامبل بانرمان في العام 1905. وإذا كانت متغيرات المواقف الغربية أصبحت بغاية من الوضوح تجاه وظيفة المشروع التلمودي الصهيوني. فإن المواقف ليست واضحة حتى الآن، تجاه وظيفة المشروع الغيبي الإيراني. وهذا الغموض يدفعنا إلى تحليل ما سوف ترسو عليه المواقف منه في المستقبل القريب.
-أولاً: تمهيد أيديولوجي وتاريخي منذ تأسيس نظام ولاية الفقيه حتى الآن:
أنجزتُ، في العام 1989، صياغة البحث عن نظرية (ولاية الفقيه) في الجزء الأول من كتابي (نحو تاريخ فكري سياسي لشيعة لبنان)، وقمت بنشره ورقياً في العام 2000. ولذلك سوف أمهد لهذا المقال ببعض نتائج البحث في الفصل الأول من الجزء الأول، التي أوجزها بالتالي:
(أغرقت نظرية ولاية الفقيه نفسها في إضفاء صفات على الوالي الفقيه، .. وتحميله مسؤوليات مطلقة يعجز عن حملها إمام معصوم). ولهذا فإن ما جاءت نظرية ولاية الفقيه لتتجاوزه من استحالة نظرية (الانتظار الغيبي للإمام المعصوم)، واستبدلته بجواز انتقال صلاحياته إلى (الولي الفقيه العادل!)، تكون بذلك قد نزلت (من الغيبية إلى أرض الواقع، فإذا بها تعمل على الارتفاع بالواقع إلى مستوى الغيبية المستحيلة).
بعد أن بدأت الثورة الشعبية في إيران ضد نظام الشاه، وانخراط رجال الدين الشيعة فيها. كانت هناك فرصة استثمرها الخميني لكي يشرِّع فيها استلام رجال الدين الشيعة للسلطة السياسية. وكان ذلك معسور الحصول عليه بسبب مخالفتها لنظرية الشيعة الإثني عشرية، والتي تحرِّم انخراط الشيعة في أية سلطة سياسية قبل ظهور (الإمام المهدي المنتظر).
وبسبب هذا الهدف، استفاد الخميني من مصدرين، وهما:
-الأول: تجربة الدولة الصفوية التي تعود إلى العام 1501، التي أجازت أن يتسلم فيها السلطة السياسية شيعي، ويتولى فيها فقيه شيعي السلطة الدينية.
-والثاني: إقرار حزب الدعوة في العراق في العام 1958، بالتجربة الصفوية.
لذلك أقدم الخميني على الدعوة لنظرية ولاية الفقيه التي فصَّلها في كتابه (الحكومة الإسلامية).
بزعمه أنه يناصر المظلومين أينما وجدوا في هذا العالم، عمل نظام الملالي في إيران، على إخفاء أطماعه التوسعية السياسية والجغرافية، تحت ستار مشروع ديني مذهبي غيبي، فاعتمد نظرية ولاية الفقيه لحكم نظام (الجمهورية الإسلامية في إيران)، التي تأسست في العام 1979. ووجد تأييداً واسعاً لدعوته، ليس بين صفوف الشيعة فحسب، بل بين حركات الإسلامي السياسي السنية أيضاً. ويعود التقاؤهما إلى عدائهما المشترك لقيام الدولة العلمانية لأنها كما يزعمون (لا تحكم بشرع الله، وعندهما معاً أنه لا حاكم غير الله). ولذلك عملا من أجل إسقاط ما يزعمان أنها (الدول الكافرة)، التي بإسقاطها تنفتح الأبواب أمام كل منهما لتنفيذ مشروعه الخاص حسب رؤيته لشكل الخلافة الإسلامية.
ولهذا، وتسويقاً لمشروعه السياسي في تصديره إلى خارج إيران تحت ستار (مظلومية الشيعة) تاريخياً، اعتمد أسلوب بناء (أحصنة طروادة) الخشبية للتسلل إلى البيئات الاجتماعية العربية الحاضنة للجماهير الطائفية الشيعية. وقد أحسن النظام استغلال تلك الجماهير، خاصة التي يشدُّها الدخول إلى الجنَّة بشفاعة آل بيت الرسول كوسيلة واحدة ووحيدة.
ولو ارتضى النظام أن يطبِّق معتقداته على الأرض الإيرانية لما واجه الاعتراض عليه، وذلك من أبواب حق الشعوب في السيادة على أراضيها. ولكن هذا الحق تجاوز حدوده عندما راح يصدر عقيدته إلى الشعوب الأخرى متدخلاً بشؤونها الداخلية بواسطة تلك (الأحصنة)، التي تحوَّلت لاحقاً إلى ميليشيات عسكرية، وصلت في بعض مراحلها الراهنة إلى دويلات داخل الدولة.
ولذلك، تاريخياً بنى النظام الإيراني استراتيجيته التوسعية على تلك الوسائل منذ وصوله إلى حكم إيران في العام 1979. واستخدمها جواز مرور للتدخل بشؤون الدول (هو يأمر، وهي تنفِّذ، لأن للولي الفقيه في إيران سلطة الأمر والنهي) كما تنص عليها فتاوى الخميني، وهو ما يتناقض مع التشريعات الأممية ودساتير الدول. ولكي يغطي على تدخله لاحقاً، وخاصة في مرحلة (طوفان الأقصى)، التي يشتبك فيها بواسطة ميليشياته مع حليفه الأميركي للحصول على حصته من خرائط ترسيم مستقبل منطقة الشرق الأوسط، وبنوع من الخداع راح ينأى بنفسه عن دور الآمر تارة، ويفخر على بأنه مسيطر على الدول حيثما أسس ميليشيا تابعة لأوامره تارة أخرى. وبين النفي والاعتراف أدرك العالم أن النظام الإيراني من دون ريب ضالع بالتدخل في شؤون الدول الأخرى بشكل فعلي ولم يعد نفيه ينطلي على أحد.
-ثانياً: مشروع ولاية الفقيه يسير بالعكس من التشريعات الأممية:
مثله كمثل المشاريع الاستعمارية، أو الدينية المتعصبة، وقف نظام ولاية الفقيه ضد التشريعات الأممية التي تعترف بـ(حق الدول بتقرير مصيرها). وأجاز لنفسه حرية التدخل بشؤون الدول الأخرى تحت مبدأ (مساعدة المظلومين في العالم)، وترجمة لتلك (الحرية) وضع خطة استراتيجية لـ(تصدير ثورته) إلى خارج إيران.
بدأ بتنفيذ مشروعه بعد وصول الخميني إلى الحكم في العام 1979، وانطلق في محاولته الأولى من العراق بتحريض الشيعة العراقيين للثورة في الداخل والقيام بعمليات تخريب واغتيالات لبعض المسؤولين العراقيين من جهة، وبدأ أولى اعتداءاته العسكرية على العراق في شهر أيلول من العام 1980، من جهة أخرى. وبسبب تلك الاعتداءات أشتعلت حرب بين البلدين دامت ثماني سنوات انتهت بتدمير للدولتين الجارتين، وسقوط الملايين من الضحايا. واستمر في رفضه قرارات مجلس الأمن الداعية إلى وقف إطلاق النار، وامتناعه عن الالتزام بها، إلى أن اضطُرَّ لـ(تجرُّع السُم) في نهاية الأمر والقبول بوقف إطلاق النار في 8/ 8/ 1988.
لم تحدَّ تجربة الحرب الفاشلة من طموحاته، بل كمن النظام الإيراني، بعد فشل عدوانه العسكري، إلى أن حانت له الفرصة ثانية في العدوان الأميركي على العراق واحتلاله في العام 2003. حينذاك انتهز الفرصة، وقام بمشاركة (الشيطان الأكبر) بالاحتلال وأحياناً بإدارة الاحتلال، وكانت فرصته الذهبية عندما ألحقت المقاومة الوطنية العراقية الهزيمة العسكرية بجيوش الاحتلال وإرغامها على الانسحاب من العراق في العام 2011. وهكذا، وبالاتفاق مع (الشيطان الأكبر) آلت إدارة (العملية السياسية) التي شكَّلها الاحتلال الأميركي للنظام بكل تفاصيلها. وهنا، وتوظيفاً لبعض الحقائق التاريخية في التحليل، نعيد التذكير ببعضها.
-الحقيقة الأولى: عند الإعداد للحرب العدوانية على العراق، ردَّاً على سؤال: (من أين ستقوم أميركا بتمويل الحرب؟)، أجاب دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأميركي: (سنقوم بتمويلها من ثروات العراق).
-الحقيقة الثانية: قال دونالد ترامب، الرئيس الأميركي الأسبق، (إن النظام الإيراني استولى على ثروات العراق ولم يدفع دولاراً واحداً، ولم يدفع قطرة دم واحدة، بينما أميركا دفعت المال والدم وخرجت بصفر من تلك الثروات).
حقائق مُرَّة عانت منها أميركا، وحقائق أثلجت صدور الملالي في إيران، فقد أتتهم الفرصة الذهبية، وراحوا يموِّلون مشروعهم الغيبي من ثروات العراق التي من دونها ما كانت لهم القدرة على (احتلال أربع عواصم عربية)، توَّجوها بتسخير القضية الفلسطينية في عملية (طوفان الأقصى) بوسائل إعلامية شعبوية من جهة، واستفاد (الملاك الإيراني) من (الشيطان الأكبر الأميركي) أيما استفادة من جهة أخرى.
لم يكن استغلال الشيطان الأكبر الوجه الشاذ الأول في تحالفات النظام الإيراني، بل بالإضافة إلى استغلال (أحصنة طروادة العرب)، بل راح يستغل المحور الدولي الشرقي -روسيا والصين- لحاجتهم المرحلية إلى خدماته أيضاً.




