مقالات
مثلث الاتزان

مثلث الاتزان
محمود الجاف
الإنسان هو مشاعر وأفكار وسلوك. وحين يتعلم أن يفهم مشاعره، ويراقب أفكاره دون أن يكون أسيرًا لها، ويختار سلوكه بوعي، يصبح أكثر قدرة على صناعة السلام والتوازن في داخله.
فليس المطلوب منه أن يسيطر على كل ما يشعر به أو يفكر فيه؛ فالمشاعر تظهر، والأفكار تأتي، وليس كل ما يحدث في داخلنا خاضعًا لإرادتنا. وإنما المطلوب أن نتعلم كيف نستقبل مشاعرنا بوعي، ونفهم رسالتها، ونفحص أفكارنا قبل أن نصدقها، ثم نختار سلوكنا بدل أن نترك الانفعال يقودنا. أن يشعر الإنسان بالغضب لا يعني أن يصرخ، وأن يشعر بالخوف لا يعني أن يهرب، وأن تراوده فكرة سلبية لا يعني أنها حقيقة، وأن يشعر برغبة في فعل شيء لا يعني أنه مطالب بتنفيذها.
بين الشعور والفعل مساحة صغيرة، لكنها مساحة عظيمة؛ فيها يستطيع الإنسان أن يتوقف، ويلاحظ، ويفهم، ثم يختار.
ولهذا يمكن أن يتعلم أن يقول:
“هذا ما أشعر به، لكنه لا يحكمني.”
“هذه فكرة في ذهني، وليست بالضرورة حقيقة.”
“هذه رغبة، ويمكنني أن أختار ألا أتصرف بناءً عليها.”
ومع الممارسة، يتعلم أن ينظم مشاعره بدل أن يقمعها، ويفحص أفكاره بدل أن يصدقها تلقائيًا، ويضبط سلوكه بدل أن يتصرف تحت تأثير اللحظة. وعندما يتعلم ذلك، قد لا تتغير الحياة من حوله دائمًا، لكنه يتغير هو في طريقة مواجهتها؛ فيصبح أهدأ في انفعاله، أوعى في تفكيره، وأكثر اتزانًا في سلوكه. وعندها لا يعود السلام مجرد غياب للمشكلات، بل يصبح قدرة داخلية على مواجهتها بوعي ومرونة؛ فتغدو الحياة، رغم ما فيها من صعوبات، أكثر هدوءًا ورضًا ومعنى.




