مخاطر “الشرق الأوسط الجديد” وضرورة الصبر الاستراتيجي العربي

مخاطر “الشرق الأوسط الجديد” وضرورة الصبر الاستراتيجي العربي
بقلم رئيس التحرير
تدخل منطقة الشرق الأوسط مرحلة بالغة الحساسية في ظل التصعيد العسكري المتسارع المرتبط بالمواجهة مع إيران، وما يتردد في الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية عن توجهات أميركية لإعادة رسم مسار الحرب في المنطقة. فقد نقلت صحيفة يسرائيل هيوم عن مصدر سياسي أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يسعى إلى إنهاء الحرب الدائرة مع إيران خلال مهلة زمنية قصيرة لا تتجاوز أسبوعاً واحداً، منح خلالها إسرائيل فرصة لتحقيق إنجاز عسكري حاسم، في وقت تحدثت فيه الصحيفة أيضاً عن ضوء أخضر أميركي محتمل لتنفيذ غزو بري لـلبنان.
هذه المؤشرات، إن صحت، تعكس محاولة أميركية لإدارة الصراع ضمن سقف زمني محدد، في إطار استراتيجية تقوم على تحقيق مكاسب عسكرية سريعة تمهّد لمرحلة سياسية لاحقة. غير أن التجربة التاريخية في المنطقة تثبت أن الحروب نادراً ما تسير وفق الجداول الزمنية المخطط لها، وأن كل مواجهة عسكرية تحمل في طياتها احتمالات التوسع والانزلاق إلى صراعات إقليمية أوسع.
فالولايات المتحدة تنظر إلى الحرب من زاوية تتجاوز البعد العسكري المباشر، إذ تضع في حساباتها تأثير الصراع على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، خصوصاً في ظل الحديث المتزايد عن حماية الملاحة الدولية في مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط في العالم. ومن هنا تأتي الدعوات الأميركية لإشراك قوى دولية، بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي وبعض القوى الآسيوية، في ترتيبات أمنية تهدف إلى ضمان استمرار تدفق الطاقة والتجارة العالمية.
غير أن هذه الدعوات تثير تساؤلات جدية حول ما إذا كانت واشنطن تسعى فقط إلى حماية الملاحة الدولية، أم أنها تحاول عملياً تدويل الصراع مع إيران وتحويله إلى مواجهة متعددة الأطراف تخفف الكلفة السياسية والعسكرية عن الولايات المتحدة وحلفائها.
وفي المقابل، تبدو الحسابات الإسرائيلية مختلفة إلى حد بعيد. فالحكومة الإسرائيلية بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تنظر إلى التحولات الإقليمية الجارية باعتبارها فرصة لإعادة تشكيل التوازنات الاستراتيجية في المنطقة، ضمن رؤية طالما تحدث عنها قادة إسرائيليون تحت مسميات مختلفة مثل “الشرق الأوسط الجديد”.
وتتقاطع هذه الرؤية مع أطروحات اليمين الإسرائيلي المتطرف التي تروج لمفهوم “إسرائيل الكبرى”، وهي فكرة تقوم على توسيع النفوذ الإسرائيلي سياسياً وأمنياً في المنطقة، مستفيدة من حالة الانقسام العربي والصراعات الإقليمية المتعددة.
وفي هذا السياق، فإن أي تصعيد عسكري واسع، سواء في لبنان أو في ساحات أخرى، قد يخدم عملياً هذه الرؤية إذا أدى إلى إضعاف الدول المحيطة بإسرائيل وإغراق المنطقة في دوامة من الصراعات المستمرة.
أما الحديث عن غزو بري للبنان، فإنه يفتح الباب أمام سيناريو شديد الخطورة. فالتجارب السابقة تؤكد أن العمليات العسكرية الواسعة في لبنان غالباً ما تتحول إلى حروب استنزاف طويلة، وهو ما قد يؤدي إلى توسيع رقعة المواجهة وإدخال أطراف إقليمية أخرى في الصراع.
وفي خضم هذه التحولات، يبرز خطر آخر لا يقل أهمية، وهو محاولات جر المنطقة إلى صراعات طائفية ومذهبية تستنزف المجتمعات العربية وتفكك بنيتها الداخلية. فالتاريخ القريب يثبت أن الانقسامات الطائفية كانت أحد أخطر الأدوات التي استُخدمت لإضعاف الدول وتفتيت المجتمعات في الشرق الأوسط.
ومن هنا، فإن الوعي العربي يجب أن يتجه نحو رفض الانجرار إلى مثل هذه الفتن، لأن الصراعات الطائفية لا تخدم سوى المشاريع التي تسعى إلى تفكيك المنطقة وإعادة تشكيلها وفق مصالح القوى الخارجية.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الصبر الاستراتيجي للدول العربية، وخاصة دول الخليج العربي، وعدم التسرع في الانخراط في صراعات قد تتجاوز مصالحها الوطنية وأمنها القومي. فالتاريخ السياسي للمنطقة يثبت أن الحروب الكبرى غالباً ما تترك آثاراً عميقة تمتد لعقود طويلة.
إن المرحلة الراهنة تتطلب رؤية عربية أكثر تماسكاً تقوم على تحصين الجبهة الداخلية وتعزيز منظومة الأمن القومي العربي. وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة لإعادة تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك بوصفها إطاراً قانونياً وسياسياً يمكن أن يشكل أساساً لتنسيق المواقف العربية وتعزيز القدرة على مواجهة التحديات الإقليمية.
فالأمن العربي لا يمكن أن يتحقق عبر الاصطفاف في صراعات دولية أو إقليمية، بل عبر بناء منظومة تعاون عربي حقيقية تقوم على المصالح المشتركة وحماية الاستقرار الإقليمي.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام لحظة مفصلية قد تعيد رسم خريطته السياسية والاستراتيجية. وبين دعوات الحرب وتوازنات القوى الدولية، يبقى الخيار الأكثر حكمة للدول العربية هو تعزيز التضامن العربي وتحصين المجتمعات من الفتن والصراعات، والعمل على حماية الأمن القومي العربي بعيداً عن سياسات الاستنزاف والتفكيك التي لا تخدم إلا المشاريع الهادفة إلى إعادة تشكيل المنطقة على حساب استقرارها ووحدتها.




