مخطّط التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى: مشروع تغيير الوضع القائم وتداعياته السياسية والقانونية

مخطّط التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى: مشروع تغيير الوضع القائم وتداعياته السياسية والقانونية
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
مقدمة
يشكّل ملف التقسيم الزماني والمكاني لـ المسجد الأقصى أحد أكثر الملفات حساسية وخطورة في الصراع الدائر على مدينة القدس، لما يحمله من مساس مباشر بالوضع التاريخي والقانوني القائم (Status Quo)، ومحاولة فرض وقائع جديدة بالقوة داخل أحد أهم المقدسات الإسلامية.
ويأتي هذا الطرح في سياق سياسي وأمني متصاعد، يستحضر تجربة تقسيم الحرم الإبراهيمي عقب مجزرة الحرم الإبراهيمي، بوصفها النموذج الأخطر الذي جرى فيه تحويل مكان عبادة إلى مساحة مقسّمة زمانياً ومكانياً تحت السيطرة الإسرائيلية.
أولاً: ماهية التقسيم الزماني والمكاني
يقوم المخطط على محورين رئيسيين:
1. التقسيم الزماني:
ويعني توزيع أوقات الاستخدام داخل المسجد الأقصى بين المسلمين والمستوطنين، بما يشمل:
تخصيص فترات يومية لاقتحامات المستوطنين وأداء الطقوس التلمودية.
إفراغ المسجد من المصلين المسلمين خلال تلك الفترات.
توسيع نطاق السيطرة ليشمل أياماً كاملة خلال الأعياد اليهودية، بما قد يصل إلى عشرات أو مئات الأيام سنوياً وفق الطروحات المتداولة.
2. التقسيم المكاني:
ويهدف إلى:
فرض مناطق محددة داخل ساحات الأقصى لطقوس يهودية منظمة.
تقليص الوجود الإسلامي في الساحات الخارجية.
محاولة فرض وقائع تقسيم وظيفي داخل الحرم بما يمهد لتغيير هويته الدينية والتاريخية.
ثانياً: الخلفية التاريخية للمشروع
تعود بدايات محاولات تغيير الوضع القائم إلى ما بعد عام 1967، عقب احتلال القدس الشرقية، حيث شكّل اقتحام الجنرال مردخاي غور للمسجد الأقصى نقطة تحول رمزية في التعامل مع المكان.
وتتابعت التطورات عبر مراحل متعددة، أبرزها:
قرارات قضائية إسرائيلية منذ سبعينيات القرن الماضي سمحت لليهود بأداء طقوس داخل الحرم.
صعود جماعات دينية قومية تدعو إلى “إعادة بناء الهيكل”.
اقتحامات متكررة من جماعات استيطانية منظمة.
كما مثّل اقتحام أرييل شارون للمسجد الأقصى عام 2000 شرارة اندلاع انتفاضة الأقصى، وما تبعها من تغييرات أمنية عميقة في إدارة الدخول إلى المسجد.
ثالثاً: مضامين المقترحات المطروحة
تشير وثائق ومقترحات سياسية ودينية إلى محاولات تنظيم الوجود اليهودي داخل الأقصى، عبر:
تنظيم صلوات فردية وجماعية داخل ساحاته.
تحديد مناطق مخصصة داخل الحرم لأداء الطقوس.
إدخال أدوات دينية يهودية إلى باحات المسجد.
إنشاء إدارة رسمية عبر وزارة الأديان الإسرائيلية.
تقليص صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس.
وقد برزت شخصيات سياسية ودينية مثل موشيه فيجلين في تبني ودعم مشاريع قوانين تسعى إلى تقنين هذه الإجراءات وتحويلها إلى واقع قانوني.
رابعاً: تجربة الحرم الإبراهيمي كنموذج
يمثل ما جرى في الحرم الإبراهيمي نموذجاً عملياً لما يمكن أن يواجهه المسجد الأقصى، حيث:
تم تقسيم الحرم زمانياً ومكانياً بعد أحداث دامية.
فُرضت قيود على دخول المسلمين في مناسبات دينية.
جرى تحويل أجزاء من المكان إلى مساحة مخصصة للعبادة اليهودية.
ويُخشى أن يُعاد إنتاج هذا النموذج في القدس ولكن على نطاق أكثر حساسية وتعقيداً.
خامساً: الأبعاد السياسية والاستراتيجية
يحمل مشروع التقسيم أبعاداً تتجاوز الجانب الديني، ويمكن تلخيصها في:
تثبيت السيادة الإسرائيلية على القدس الشرقية بشكل تدريجي.
إعادة صياغة الهوية التاريخية والدينية للمسجد الأقصى.
خلق واقع ميداني يصعّب أي تسوية سياسية مستقبلية.
تغذية خطاب ديني متطرف قد يقود إلى توتر إقليمي واسع.
كما يعكس تصاعد نفوذ التيارات الدينية القومية داخل المشهد السياسي الإسرائيلي، وعلى رأسها أحزاب مثل الليكود، اتجاهاً نحو مزيد من التشدد في التعامل مع ملف المقدسات.
سادساً: الموقف القانوني الدولي
من منظور القانون الدولي، يثير هذا المسار إشكاليات جوهرية، أبرزها:
مخالفة قواعد حماية الأماكن الدينية في الأراضي المحتلة.
انتهاك التزامات دولة الاحتلال وفق اتفاقيات جنيف.
المساس بالوضع التاريخي والقانوني القائم المعترف به دولياً.
تقويض دور الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية في القدس.
كما تؤكد تقارير منظمة اليونسكو على ضرورة الحفاظ على الهوية الإسلامية والتاريخية للمسجد الأقصى دون تغيير أو تدخل.
سابعاً: الواقع الميداني والمؤشرات
على أرض الواقع، تشير المعطيات إلى:
تصاعد أعداد اقتحامات المستوطنين.
تشديد القيود على دخول المصلين المسلمين.
توفير حماية أمنية لطقوس دينية يهودية داخل الحرم.
محاولات تقليص دور الوجود الإسلامي اليومي في المسجد.
هذه المؤشرات تعكس انتقال المشروع من إطار الطرح الفكري إلى التطبيق التدريجي على الأرض.
خاتمة
إن مخطط التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى يمثل محاولة استراتيجية لإعادة هندسة أحد أهم الرموز الدينية والتاريخية في العالم الإسلامي، بما يحمله ذلك من تداعيات سياسية ودينية وأمنية بالغة الخطورة.
وفي حال استمرار هذا المسار دون تدخل دولي فاعل، فإن تجربة الحرم الإبراهيمي قد تتحول من نموذج محلي محدود إلى مقدمة لمشهد أكثر اتساعاً في القدس، بما قد يفتح الباب أمام تصعيد ديني وسياسي تتجاوز تداعياته حدود الجغرافيا الفلسطينية.
وعليه، يبقى الحفاظ على الوضع القائم في المسجد الأقصى مسؤولية قانونية وتاريخية تقع على عاتق المجتمع الدولي، باعتباره الضمانة الأخيرة لمنع انزلاق الصراع نحو مزيد من التوتر والانفجار.
المحامي علي أبو حبلة




