فلسطين
مخيمات طولكرم بين مطرقة الاحتلال وسندان القانون الدولي

مخيمات طولكرم بين مطرقة الاحتلال وسندان القانون الدولي
مخطط إسرائيلي قديم–جديد لاستهداف المخيمات الفلسطينية وإعادة هندسة الضفة الغربية
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
لم تعد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وفي مقدمتها مخيما طولكرم ونور شمس، مجرد ساحات لعمليات عسكرية متكررة، بل تحولت إلى محور رئيسي في استراتيجية إسرائيلية آخذة في الاتساع تستهدف إعادة تشكيل الواقع الأمني والديموغرافي والجغرافي في الضفة الغربية. فقرارات هدم عشرات المنازل، واستمرار تجريف البنية التحتية، وإجبار آلاف المواطنين على مغادرة مساكنهم، تمثل حلقة جديدة في سياسة تتجاوز الاعتبارات الأمنية المعلنة لتطال مستقبل المخيمات الفلسطينية باعتبارها رمزاً لقضية اللاجئين وحق العودة.
وتكشف الوقائع الميدانية، إلى جانب التصريحات الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين خلال الأشهر الماضية، عن توجه يقوم على تغيير طبيعة المخيمات الفلسطينية ومنع عودتها إلى ما كانت عليه، مع الإبقاء على حرية الحركة العسكرية داخلها وإعادة تصميمها بما يتوافق مع الرؤية الأمنية الإسرائيلية. ويرى مراقبون أن هذه السياسة لا تنفصل عن المشروع الأوسع للحكومة الإسرائيلية الهادف إلى تكريس السيطرة على الضفة الغربية، وتوسيع الاستيطان، وفرض وقائع جديدة تصعب إزالتها في أي تسوية سياسية مستقبلية.
إن استهداف المخيمات الفلسطينية ليس سياسة مستحدثة، بل يعود إلى عقود مضت، إذ ظلت هذه المخيمات تمثل في الوعي الإسرائيلي عنواناً لقضية اللاجئين الفلسطينيين، وشاهداً حياً على نكبة عام 1948، وهو ما جعلها هدفاً لمحاولات متكررة لتقليص دورها السياسي والوطني والإنساني. واليوم تعود هذه السياسة بصورة أكثر وضوحاً وتنظيماً، مستفيدة من الحرب الدائرة في المنطقة والانشغال الدولي بأزمات متعددة.
وفي هذا الإطار، فإن ما يجري في مخيمي طولكرم ونور شمس لا يبدو معزولاً عن بقية محافظات الضفة الغربية، بل يمثل، وفق العديد من المحللين، نموذجاً قد يمتد إلى مخيمات أخرى، بما فيها مخيمات القدس، مثل مخيم شعفاط، إضافة إلى مخيمات بلاطة، وعسكر، وقلنديا، والأمعري، والدهيشة، والعروب، والفوار وغيرها، في إطار سياسة تقوم على إعادة تشكيل البيئة العمرانية للمخيمات، وفتح محاور عسكرية دائمة، وتقليص الكثافة السكانية فيها، بما يغير طبيعتها التاريخية والاجتماعية.
ويعزز هذه المخاوف إعلان الجيش الإسرائيلي خلال الأشهر الأخيرة عن تعزيز انتشاره في الضفة الغربية والدفع بقوات إضافية إلى مناطق مختلفة، في ظل استمرار العمليات العسكرية الواسعة في شمال الضفة. ويُنظر إلى هذه التعزيزات باعتبارها مؤشراً على استعداد المؤسسة العسكرية لتوسيع نطاق عملياتها إذا ما اتخذت القيادة السياسية قراراً بذلك، وهو ما يثير قلقاً واسعاً من انتقال نموذج جنين وطولكرم إلى مناطق أخرى من الضفة الغربية.
سياسياً، تبدو هذه الإجراءات جزءاً من مشروع أوسع لإعادة رسم الخريطة الديموغرافية والجغرافية للضفة الغربية، من خلال الجمع بين التوسع الاستيطاني، ومصادرة الأراضي، وتشديد السيطرة العسكرية، وإضعاف المخيمات الفلسطينية باعتبارها أحد أبرز رموز قضية اللاجئين. كما أنها تتزامن مع تصاعد الخطاب السياسي داخل الحكومة الإسرائيلية الرافض لإقامة دولة فلسطينية، والداعي إلى فرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة الغربية.
أما قانونياً، فإن عمليات الهدم الواسعة تثير مسؤولية دولة الاحتلال بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني. فالمادة (53) من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر تدمير الممتلكات الخاصة إلا إذا فرضت ذلك ضرورة عسكرية حتمية، كما يعتبر نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التدمير واسع النطاق للممتلكات دون مبرر عسكري مشروع من الأفعال التي قد ترقى إلى جرائم حرب متى توافرت أركانها القانونية. كذلك تحظر المواثيق الدولية العقوبات الجماعية والتهجير القسري، وتؤكد حق المدنيين في السكن والحماية من الحرمان التعسفي من ممتلكاتهم.
وتزداد خطورة المشهد عندما يقترن تدمير المنازل بإجبار السكان على مغادرتها، وما يترتب على ذلك من نزوح داخلي واسع، الأمر الذي ينذر بتحولات ديموغرافية قد تكون لها آثار بعيدة المدى على مستقبل الضفة الغربية، وعلى فرص الوصول إلى حل سياسي عادل ودائم.
وفي المقابل، يقف المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على حماية قواعد القانون الدولي. فالدول الأطراف في اتفاقيات جنيف لا يقتصر التزامها على احترام الاتفاقيات، بل يمتد إلى ضمان احترامها، بما يستوجب اتخاذ خطوات عملية لوقف عمليات الهدم، وتأمين الحماية للمدنيين، وإرسال بعثات دولية لتقصي الحقائق، ودعم آليات المساءلة أمام القضاء الدولي.
إن ما يجري اليوم في مخيمات طولكرم ونور شمس لا يمثل قضية محلية تخص محافظة بعينها، بل يشكل منعطفاً خطيراً في الصراع على الأرض والهوية والذاكرة الوطنية الفلسطينية. وإذا ما استمرت هذه السياسة واتسعت لتشمل بقية مخيمات الضفة الغربية والقدس، فإن المنطقة ستكون أمام مرحلة جديدة من إعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية بالقوة العسكرية، في ظل استمرار مشروع الضم والتوسع الاستيطاني.
إن حماية المخيمات الفلسطينية لم تعد مسؤولية الفلسطينيين وحدهم، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لفاعلية منظومة القانون الدولي ومصداقية المجتمع الدولي في حماية المدنيين الواقعين تحت الاحتلال. فإما أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته القانونية والأخلاقية، وإما أن تتحول مخيمات الضفة الغربية إلى عنوان جديد لسياسة فرض الوقائع بالقوة، بما يهدد مستقبل القضية الفلسطينية والاستقرار الإقليمي بأسره.



