فلسطين

مرضى غزة بين تعقيدات الإجلاء و«التنسيق».. من يضمن أولوية العلاج؟

أسئلة مشروعة حول قوائم السفر والشفافية ومزاعم دفع مبالغ باهظة للخروج عبر رفح

مرضى غزة بين تعقيدات الإجلاء و«التنسيق».. من يضمن أولوية العلاج؟

أسئلة مشروعة حول قوائم السفر والشفافية ومزاعم دفع مبالغ باهظة للخروج عبر رفح

 

إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة

 

في غزة، لا تقتصر مأساة المرضى على نقص الأدوية وتدمير المستشفيات، بل تمتد إلى الطريق المؤدي للعلاج خارج القطاع. فحين يصبح العلاج المتخصص متاحاً في مصر أو دول أخرى، بينما يبقى المريض بانتظار الإجلاء، تتحول إجراءات السفر والموافقات والقوائم إلى مسألة حياة أو موت.

وتكشف بيانات منظمة الصحة العالمية حجم الأزمة؛ إذ أشارت في مارس 2026 إلى أن أكثر من 18,500 مريض في غزة بحاجة إلى رعاية طبية غير متوفرة محلياً، فيما أُجلي أكثر من 11 ألف مريض حتى 23 فبراير 2026 بمساعدة المنظمة. كما استؤنفت عمليات الإجلاء الطبي عبر معبر رفح في فبراير، لكن الاحتياجات بقيت أكبر بكثير من القدرة على الاستجابة.

الطفلة زمردة مع والدها المريض في مستشفى الشفاء

 

المشكلة هنا لا تتعلق فقط بعدد من يغادرون، وإنما بالسؤال الأهم: كيف تحدد أولوية من يغادر؟

 

الإجلاء الطبي يمر بسلسلة من الإجراءات والتنسيقات والموافقات، تشمل الجهات الصحية المختصة ومنظمة الصحة العالمية والجهات المعنية بالمعبر والموافقات الأمنية. وفي ظل هذه التعقيدات، يصبح من حق الرأي العام معرفة المعايير التي تحدد أولوية المرضى، خصوصاً أصحاب الحالات الحرجة ومرضى السرطان والأمراض المزمنة والجرحى الذين يحتاجون إلى تدخلات عاجلة.

الشاب حمادة مصاب بشلل نصفي يتمسك بأوراقه الطبية على أمل فتح المعابر ومغادرة غزة لتلقي العلاج

«التنسيق».. حين يصبح المال جزءاً من معادلة الخروج

خلال الحرب، وثقت تحقيقات صحفية دولية ظاهرة «التنسيق» للخروج من غزة، وتحدثت عن دفع مبالغ مالية كبيرة لوسطاء مقابل المساعدة في إجراءات المغادرة عبر رفح، ووصلت بعض المبالغ المتداولة في مراحل سابقة إلى آلاف الدولارات، بل وأكثر من عشرة آلاف دولار في بعض الحالات.

 

هذه الوقائع السابقة لا تثبت بالضرورة وجود الآلية ذاتها في ملف الإجلاء الطبي الحالي، لكنها تجعل الادعاءات المتداولة حول دفع مبالغ مقابل إدراج أسماء المرضى أو تسريع خروجهم بحاجة إلى تحقيق جدي.

 

وتتحدث إفادات متداولة عن مبالغ تصل إلى 30 ألف دولار للشخص الواحد. وهذا رقم بالغ الخطورة إذا ثبت، لكنه يظل ادعاءً يحتاج إلى وثائق وشهادات وتحقيق مستقل، ولا يجوز تحويله إلى حقيقة ثابتة قبل التحقق منه.

 

والأسئلة هنا واضحة: من يطلب هذه الأموال؟ لمن تُدفع؟ من يدرج الأسماء؟ وهل يرتبط الدفع فعلاً بفرصة المغادرة؟

 

من يراجع قوائم المرضى؟

مؤتمر صحفي لوزارة الصحة بقطاع غزة أمام ركام المباني المحيطة بمجمع الشفاء الطبي

تحتاج عملية الإجلاء إلى نظام شفاف يحدد بوضوح: من يرشح الحالات، ومن يصنف درجة خطورتها، ومن يحدد المرافقين، ومن يراجع القوائم، ومن يوافق عليها، وما أسباب رفض أو تأخير بعض الحالات.

إن وجود سجل موحد وآلية تدقيق مستقلة يمكن أن يحد من الواسطة والتلاعب والازدواجية، ويحفظ في الوقت نفسه خصوصية المرضى.

كما أن دور منظمة الصحة العالمية في دعم الإجلاء لا يعفي من المطالبة بالشفافية حول الإجراءات والمعايير، ولا سيما أعداد الحالات المرشحة، ومن تمت الموافقة عليهم، ومن غادروا فعلياً، وأسباب عدم خروج الحالات الأخرى.

وتبرز كذلك مسؤولية وزارة الصحة الفلسطينية في متابعة الحالات المحولة للعلاج خارج القطاع، وتعزيز التنسيق الصحي المؤسسي، بما يضمن أن تكون الأولوية الطبية هي المعيار الأول بعيداً عن الانقسام السياسي.

 

الاحتلال عائق رئيسي.. لكنه ليس كل الأسئلة

أكثر من 20.000 مريض يواجهون خطر الموت بسبب حرمانهم من السفر لتلقي العلاج في الخارج

لا يمكن تجاهل القيود والموافقات الأمنية الإسرائيلية وتأثيرها المباشر على حركة المرضى، وهي عامل رئيسي في تأخير عمليات الإجلاء.

لكن ذلك لا يلغي ضرورة التدقيق في بقية حلقات العملية. فالمريض يحتاج إلى مسار واضح يبدأ بالتشخيص والتحويل الطبي وينتهي بوصوله الآمن إلى المستشفى.

وإذا ثبت وجود وساطة مالية غير مشروعة، فإن الأمر يتجاوز المخالفة الإدارية إلى استغلال مأساة إنسانية. وإذا لم تثبت هذه الادعاءات، فإن التحقيق الشفاف يضع حداً للشائعات.

 

المطلوب.. الشفافية قبل فوات الأوان

 

ملف الإجلاء الطبي عبر رفح يحتاج إلى مراجعة مستقلة وشفافة للقوائم والإجراءات، ونظام موحد لترتيب الحالات وفق درجة الخطورة، وآلية واضحة للشكاوى، ونشر بيانات إجمالية للرأي العام حول المرضى المرشحين والمغادرين والمتعذر سفرهم وأسباب ذلك.

 

إن حق المريض في العلاج لا ينبغي أن يرتبط بالقدرة المالية أو الواسطة أو العلاقات الشخصية.

 

فحين تكون الحياة هي موضوع القرار، يجب أن يكون المعيار واضحاً: الحاجة الطبية أولاً، والشفافية للجميع، ولا مكان لأي استغلال مالي على حساب حياة المرضى.

أما مزاعم دفع عشرات آلاف الدولارات، فتبقى بحاجة إلى تحقيق مستقل يتتبع الأموال والقوائم والمراسلات والشهادات، ويضع النتائج أمام الرأي العام.

فالمريض في غزة لا يحتاج إلى واسطة للوصول إلى العلاج؛ يحتاج إلى نظام عادل يضع حياته أولاً.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب