مسؤول في إدارة ترامب الأولى: الحرب الاقتصادية ضد إيران ستفشل كما فشلت سياسة 47 عاما من التعامل مع النظام الإسلامي

مسؤول في إدارة ترامب الأولى: الحرب الاقتصادية ضد إيران ستفشل كما فشلت سياسة 47 عاما من التعامل مع النظام الإسلامي
قال تيد سوانسون، مدير برنامج إيران في المجلس الأطلنطي والمسؤول السابق في إدارة دونالد ترامب الأولى، إن سياسة أقصى ضغط ضد إيران ستفشل، وإن سياسة الرئيس دونالد ترامب تقود الاستراتيجية الأمريكية إلى طريق مسدود.
وقال إن الجمهورية الإسلامية، وعلى مدى 47 عاما، شكلت معضلة لرؤساء الولايات المتحدة. فقد ساهمت أزمة الرهائن الإيرانية عام 1979 في إفشال مساعي جيمي كارتر لإعادة انتخابه. كما شوهت فضيحة إيران-كونترا في منتصف الثمانينيات سجل رونالد ريغان في السياسة الخارجية. وأدى الاتفاق النووي الذي أبرمه باراك أوباما مع إيران عام 2015، والمعروف باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة”، إلى وضع غير مسبوق استدعى فيه الكونغرس الأمريكي زعيما أجنبيا، هو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى واشنطن للاحتجاج عليه.
وفي شباط/فبراير، عندما شن الرئيس دونالد ترامب حربه على إيران، أعلن عزمه على كسر هذا النمط المحرج نهائيا، وبزعمه أنه، من خلال سحق إيران عسكريا وتغيير نظامها، خلافا للرؤساء السابقين الذين تحدثوا عن التهديد الإيراني، فإنه يتخذ إجراءات حاسمة للقضاء عليه. وبعد ستة أشهر، أصبح ترامب رئيسا أمريكيا آخر يواجه إهانة خطيرة تتعلق بإيران.
بعد ستة أشهر من الحرب، أصبح ترامب رئيسا أمريكيا آخر يواجه إهانة خطيرة تتعلق بإيران
وقال سوانسون إن تداعيات مغامرته هذه تهدد حظوظ حزبه في انتخابات التجديد النصفي. والآن، ربما بدافع اليأس، يحاول ترامب تضييق الخناق الاقتصادي على طهران. ولكن في ظل هذه الظروف، تشكل عملية الضغط الاقتصادي هذه تهديدا لمصداقية الولايات المتحدة، أكبر مما تشكله على الاقتصاد الإيراني.
وفي البداية، يرى الكاتب أن الحرب متعددة الأوجه التي شنها ترامب لا تعتبر خروجا عن المألوف، بل هي ذروة الاستراتيجية المعيبة نفسها التي قامت عليها السياسة الأمريكية تجاه إيران منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979. ولطالما حير النظام الإيراني الديني الإدارات الأمريكية، ويعود ذلك جزئيا إلى ازدواجيته، فهو نظام أيديولوجي ونفعي في آن واحد. وما تزال طهران متمسكة بالسمات الأساسية لأيديولوجيتها الثورية، بما في ذلك سياستها الخارجية المعادية لأمريكا وإسرائيل، لكنها تستطيع التصرف ببراغماتية عندما تقتضي الظروف ذلك، كما فعلت في عام 2015، وتطبيعها العلاقات مع السعودية عام 2023.
ومن جانب آخر، تظل علاقة إيران بالمصالح الوطنية الأمريكية ملتبسة أيضا. فالنظام يشكل تهديدا مباشرا للولايات المتحدة بسبب برنامجه النووي. ومع ذلك، تبقى إيران بالنسبة لمعظم الأمريكيين قضية ثانوية بعيدة المنال. فالحرب التي دمرت البنية التحتية الإيرانية على نطاق واسع، وشوهت اقتصاد البلاد، وأودت بحياة نخبة كاملة من القادة، فضلا عن آلاف الجنود والمدنيين، لم يكن لها أي تأثير يذكر على الولايات المتحدة سوى رفع أسعار الوقود.
ولمعالجة هذه الازدواجية، غالبا ما استخدمت الولايات المتحدة استراتيجية الضغط كأداة رئيسية لاحتواء إيران، وقد استندت هذه الاستراتيجية إلى ركيزتين: إثبات وجود تهديد عسكري ذي مصداقية، والانخراط في تعاون اقتصادي. ولكن بدلا من حل المفارقات المحيرة التي تطرحها الجمهورية الإسلامية، لم يسفر هذا النهج إلا عن تعميقها، لا سيما مع سعي ترامب إلى تكثيف استراتيجية الضغط.
وتابع سوانسون قائلا إن المفارقة في حرب ترامب الفاشلة على إيران، ومفاوضاته المتقطعة لإنهاء الحرب، تتمثل في أنها أضعفت بشدة قدرة واشنطن على الضغط على طهران، بحيث لن تتمكن أي إدارة مستقبلية من العودة إلى الاستراتيجيات الأمريكية التقليدية. وربما كان هذا هو الجانب الإيجابي الوحيد لحرب ألحقت خسائر فادحة بالذخائر الأمريكية والاقتصاد العالمي. فبإمكان هذه الحرب، بل يجب عليها، أن تجبر على مراجعة شاملة لاستراتيجية فاشلة استمرت 47 عاما، وأن تغير نهج واشنطن إلى الأبد.
وأشار الكاتب إلى ما كتبه وزير الخارجية السابق هنري كيسنجر عام 2006 في صحيفة “واشنطن بوست”، ودعوته قادة إيران “أن يقرروا ما إذا كانوا يمثلون أمة أم قضية”. وجادل كيسنجر بأن على إيران الاختيار بين إعطاء الأولوية للاستقرار ورفاهية شعبها، من خلال الانخراط بعقلانية مع الدول الأخرى، أو الاستمرار في الانجراف وراء الطموحات الثورية والأيديولوجية التي ميزت الثورة الإيرانية عام 1979.
تظل علاقة إيران بالمصالح الوطنية الأمريكية ملتبسة أيضا. فالنظام يشكل تهديدا مباشرا للولايات المتحدة بسبب برنامجه النووي. ومع ذلك، تبقى إيران بالنسبة لمعظم الأمريكيين قضية ثانوية بعيدة المنال
وقد عكست هذه الفكرة السياسة الأمريكية تجاه إيران على مدى ما يقارب الخمسين عاما، حيث سعت واشنطن إلى دفع إيران للتخلي عن جذورها الثورية، وهدفت سياستها إلى تحقيق هذا الهدف. وقد حاولت باستمرار احتواء نفوذ إيران باستخدام مزيج من الجزرة ومزيد من العصي. وكان التهديد بالغزو الأمريكي هو أقوى أساليب الترهيب. ولهذا سعى النظام الإيراني طويلا لتجنب الصدام المباشر مع الولايات المتحدة، ويعد النفور من الحرب المباشرة مع الولايات المتحدة أحد أسباب تطوير إيران لشبكة ميليشياتها الوكيلة. فقد أدركت أنها لن تستطيع كسب صراع مباشر، لذا سعت إلى تحقيق مكاسب في أماكن أخرى.
لكن حرب هذا العام علمت النظام ثلاثة دروس جديدة. فقد تعلم أنه قادر على الصمود أمام غارات جوية أمريكية وإسرائيلية مكثفة. كما اكتشفت طهران أن الولايات المتحدة لا ترغب في إرسال قوات برية إلى أراضيها. فقد أظهرت حرب هذا العام أن تغيير النظام في إيران لا يمكن تحقيقه دون غزو بري، لكن حتى أكثر صانعي السياسة الأمريكيين تشددا لم يوصوا بذلك علنا، مما يظهر لطهران أن قدرة واشنطن على هزيمتها عسكريا محدودة في الواقع.
وأخيرا، راهنت إيران على قدرتها على الصمود أمام الولايات المتحدة في صراع استنزاف، وقد أثبت هذا الرهان صوابه حتى الآن.
وإلى جانب الخوف من المواجهة العسكرية، كان الإكراه الاقتصادي الركيزة التاريخية الثانية لاستراتيجية الضغط الأمريكية. وقد كان لبعض العقوبات، كتلك المصممة لتقييد قدرة طهران على بيع النفط، أثر بالغ على الاقتصاد الإيراني، إلا أنها فشلت في الغالب في إحداث التغييرات السياسية التي صممت من أجلها. فبعد اقتحام السفارة الأمريكية في طهران عام 1979، وتبني الخميني للأمر، فرض كارتر سلسلة من الإجراءات العقابية، بما في ذلك حظر الاستثمار. وفي عام 1996، وسع الكونغرس نهج الضغط الاقتصادي بقانون العقوبات على إيران، الذي حد حتى من قدرة غير الأمريكيين على الاستثمار في قطاع الطاقة الإيراني. وفي عام 2012، استهدف الكونغرس، وكذلك الاتحاد الأوروبي، عائدات النفط الإيرانية وبنكها المركزي، ما أدى إلى خفض صادرات النفط الإيرانية إلى النصف تقريبا بين عشية وضحاها.
وفي عام 2025، عندما تم تفعيل ما يسمى بشرط الإعادة، تم الترويج لاستراتيجية “الضغط الأقصى” التي انتهجتها إدارة ترامب الأولى في البداية كآلية لضمان اتفاق نووي أفضل. ولكن بعد فشل هذا المسعى، أصبح فرض العقوبات على إيران غاية في حد ذاته. واليوم، تستهدف أكثر من 3,000 عقوبة أمريكية جميع جوانب الحكومة والاقتصاد الإيرانيين تقريبا.
وهذه العقوبات معقدة ومتداخلة عمدا، ما يجعل رفعها صعبا. إلا أن العديد منها يحمل طابعا رمزيا. فمع مرور الوقت، أصبح الضغط الاقتصادي، ولا سيما العقوبات، سياسة سهلة للحكومة الأمريكية، حتى وإن لم يكن للعديد من هذه التحركات أثر ملموس، لأنها بدت وكأنها تظهر أن واشنطن تتخذ إجراء، ونادرا ما يتحمل الأمريكيون أي تكاليف مباشرة.
وفي الحرب الحالية، صعد ترامب الضغط الاقتصادي إلى ذروته بفرض حصار على الموانئ الإيرانية. إلا أن الحرب فرضت في نهاية المطاف عواقبها على الشعب الأمريكي عندما أغلقت إيران مضيق هرمز واستهدفت البنية التحتية للطاقة في الخليج، ما أدى إلى إلحاق أضرار جسيمة بشحنات الطاقة العالمية.
وفرض ترامب يوم الإثنين حصارا ثانيا وحملة ضغط أوسع نطاقا تهدف إلى كبح ما تبقى من تجارة إيران، والتي يروج لها على وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها “أقسى عملية اقتصادية شنت على الإطلاق ضد أي دولة”. لا شك أن هذه الحملة ستضر بإيران واقتصادها، لكنها ستفشل حتما في إجبار طهران على الاستسلام. فبدلا من الاستسلام للضغوط، يشير التاريخ الحديث إلى أن إيران ستستخدم برنامجها الصاروخي وبرنامجها للطائرات المسيرة لفرض تكاليف اقتصادية باهظة على الاقتصاد العالمي، سواء في مضيق هرمز أو ضد دول الخليج، لتغيير حسابات ترامب للمخاطر مرة أخرى.
تعتقد الجمهورية الإسلامية أنها قادرة على الصمود أمام إرادة الولايات المتحدة في ممارسة الضغط الاقتصادي، تماما كما هي قادرة على الصمود أمام الضغط العسكري الأمريكي. وستؤدي الحرب الفاشلة والحصار، فضلا عن نهج ترامب في المفاوضات هذا العام، إلى تغيير جدوى الضغط الاقتصادي بشكل دائم.
وبغض النظر عن كيفية انتهاء هذه الحرب، لن تتمكن الولايات المتحدة من العودة إلى الاستراتيجية التي حكمت علاقاتها مع إيران طوال 47 عاما.
لكن أحسن ما يمكن لواشنطن فعله في هذه المرحلة هو التوقف عن التصرف دون تفكير، ويحتاج صناع السياسة الأمريكيون إلى التمعن أكثر في دروس الماضي. صحيح أن الضغط العسكري والاقتصادي قد أثر في بعض الأحيان على عملية صنع القرار الإيراني، إلا أن الضغط لم يضعف الجمهورية الإسلامية، ولم يجعل الولايات المتحدة أكثر أمانا، ولم يغير حياة الإيرانيين العاديين للأفضل، بل على العكس، من المرجح أن استراتيجية الضغط الأمريكية قد زادت من معاناة المدنيين الإيرانيين.
– “القدس العربي”:




