مشروع قانون لإلغائه رسمياً: إسرائيل تبحث عن قبر لـ«أوسلو»

مشروع قانون لإلغائه رسمياً: إسرائيل تبحث عن قبر لـ«أوسلو»
تبحث الحكومة الإسرائيلية إلغاء «اتفاق أوسلو» عبر مشروع قانون يناقَش داخل «الكنيست». وتأتي هذه الخطوة بعد سنوات من تقويض «الاتفاق» عملياً عبر الاستيطان والسياسات الأمنية، فيما يعكس هذا المشروع توجهاً لتصفية «حلّ الدولتين» نهائياً.
رام الله | لم يعُد الحديث الإسرائيلي عن إلغاء «اتفاق أوسلو» مجرّد مزايدات انتخابية أو خطاب دعائي لأحزاب اليمين المتطرف، بل تحوّل إلى مسار سياسي وتشريعي تسعى حكومة الاحتلال إلى تكريسه قانونياً، وذلك بعد عقود من عمل الحكومات المتعاقبة – بصورة ممنهجة – على تفكيك الأسس التي قام عليها الاتفاق، وتقويضه بسلسلة من الإجراءات السياسية والأمنية والاستيطانية، وصولاً إلى مرحلة باتت ترى فيها أن «أوسلو» لم يعُد يخدم مصالحها، وأنه أصبح عبئاً تتطلّع إلى التخلّص منه. وفي هذا الإطار، بدأت اللجنة الوزارية الإسرائيلية للتشريعات، أمس، مناقشة مشروع قانون يقضي بإلغاء «اتفاق أوسلو» ومنع إقامة دولة فلسطينية. ويأتي هذا بالتزامن مع انطلاق الدورة الصيفية والأخيرة لـ«الكنيست»، وترقّب قرار رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، بشأن موعد الانتخابات المقبلة، فضلاً عن مسابقة الائتلاف الحكومي الزمن للدفع بسلسلة قوانين يعتبرها معسكر اليمين أساسية.
وكانت نائبة رئيس «الكنيست»، ليمور سون هار ميليخ، تقدّمت بمشروع القانون المطروح للتداول، معتبرة أن اتفاقية «أوسلو لم تحقّق السلام»، بل أدّت إلى «تصاعد العنف والإرهاب»، وأن الوقت قد حان لما وصفته بـ«التصحيح الوطني» بإلغاء الاتفاق الذي نعتَته بـ«المشؤوم»، داعية إلى تشجيع الاستيطان في المناطق المصنّفة (أ) و(ب) وفق «أوسلو». لكن، وبعد بدء المداولات حول المشروع، وجّه نتنياهو بتأجيل مناقشته إلى «موعد آخر»؛ وبحسب صحيفة «يسرائيل هيوم»، قال رئيس «جهاز الأمن القومي الإسرائيلي»، جيل رايخ، خلال الاجتماع: «نطلب التأجيل لإجراء دراسة متأنّية من قِبل فريق العمل» وذلك بطلب من نتنياهو، وهو ما أيّده وزير العدل، ياريف ليفين، موضحاً أن تأييده لفكرة التأجيل ليس اعتراضاً مبدئياً على مشروع القانون، قائلاً: «في النهاية، هناك رئيس وزراء مُطّلع على أمور لا أطّلع عليها. المناقشة مؤجّلة إلى حين موافقة رئيس الوزراء». ومن جانبه، نبّه سكرتير مجلس الوزراء، يوسي فوكس، إلى أن «علينا أن ندرك أن التعاون مع الأميركيين ضروري»، في ما يتعلّق بمثل هذا القانون.
أمّا وزير الأمن القومي المتطرف، إيتمار بن غفير، فعارض فكرة التأجيل، قائلاً: «لدينا فرصة نادرة يتّفق عليها معظم أعضاء الائتلاف (…) الجميع يفهم حماقة اتفاقية أوسلو»، زاعماً أن «السلطة الفلسطينية تدعم الإرهاب وتدعو إليه». وأضاف: «أجرينا تغييرات ولكن يمكن القيام بالمزيد. من الأفضل الدفع أكثر قدماً، وأعتقد أن هذه فرصة».
ورغم أن مشروع القانون لا يزال بحاجة إلى مناقشة ومصادقة رسمية، فإن سياسات الحكومة اليمينية الحالية تعكس، عملياً، توجهاً متسارعاً نحو إنهاء أيّ إمكانية لإقامة دولة فلسطينية، خصوصاً مع وجود شخصيات من مثل بن غفير، ووزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، اللذين لا يخفيان نيّتهما وعملهما على ضمّ الضفة الغربية المحتلّة، وتوسيع الاستيطان، وفرض «السيادة الإسرائيلية» على الأراضي الفلسطينية، وتشجيع الهجرة الفلسطينية القسرية.
يبدو أن فرص تمرير مشروع القانون قد تتأثّر بضيق الوقت المتبقّي من عمر الحكومة الحالية
مع ذلك، يبدو أن فرص تمرير مشروع قانون إلغاء «أوسلو»، الذي يعدّ تتويجاً لمسار بدأ فعلياً منذ سنوات، قد تتأثّر بضيق الوقت المتبقّي من عمر الحكومة الحالية. إذ أوردت صحيفتا «يديعوت أحرونوت» و«هآرتس» أن أحد الاعتبارات الرئيسة التي تحكم موقف نتنياهو من موعد الانتخابات، يتمثّل في رغبته في استكمال عدد من القوانين والتعيينات قبل التوجّه إلى صناديق الاقتراع، وذلك بهدف تقديم ما يعتبره «إنجازات» لجمهوره وأنصاره. ووفقاً للتقديرات المتداولة داخل الائتلاف، فإن إجراء انتخابات مبكرة في أيلول المقبل قد يعني حلّ «الكنيست» مطلع حزيران، ما سيمنع الحكومة فعلياً من تمرير قوانين أو تعيينات مثيرة للجدل، في حين أن تأجيلها إلى تشرين الأول قد يمنح الائتلاف وقتاً إضافياً لاستكمال التشريعات حتى نهاية تموز.
وبمعزل عن ما سيؤول إليه المشروع المتعلّق بالاتفاقية الموقّعة مع «منظمة التحرير الفلسطينية»، تُظهر قراءة سريعة لأحداث العقود الثلاثة الماضية أن الاتفاق لم يبقَ منه سوى التوقيعات والصور التي التُقطت في حديقة «البيت الأبيض» في أثناء توقيعه في 13 أيلول عام 1993، والذي جاء استكمالاً لتفاهمات «مؤتمر مدريد». وإذ روّجت المنظمة آنذاك للاتفاق على أنه بداية لمسار سياسي يقود إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلّة، وذلك بعد مرحلة انتقالية تستمرّ خمس سنوات، وتفضي لاحقاً إلى مناقشة قضايا الوضع النهائي وحلّها، فإن إسرائيل استغلّت «أوسلو» في الواقع لتوفير بيئة أمنية مستقرّة لها، متّكلةً على وجود سلطة فلسطينية في إدارة الشؤون المدنية للفلسطينيين، محتفظةً في المقابل بالسيطرة الفعلية على الأرض والحدود والمعابر والموارد والمياه والأجواء، ومستخدمةً المفاوضات كغطاء لتوسيع المشروع الاستيطاني وترسيخ ما يصفه الصهاينة بـ«يهودا والسامرة».
وهكذا، نجحت إسرائيل في نسف جوهر الاتفاق، موسّعةً سيطرتها على الأراضي الفلسطينية بصورة غير مسبوقة، ومكثّفةً الاستيطان بدلاً من تجميده، علماً أن عدد المستوطنين في الضفة الغربية تضاعف من نحو 200 ألف عند توقيع الاتفاق إلى ما يقارب مليون مستوطن حالياً، فيما تحولت الضفة إلى ما يشبه الجزر المعزولة والمحاصَرة بالحواجز والمستوطنات والطرق الالتفافية. ورغم أن إسرائيل جعلت من «أوسلو»، طيلة عقود، غطاءً لإدارة الاحتلال وليس لإنهائه، لطالما رفضت السلطة الفلسطينية جميع الملاحظات والشواهد والانتقادات التي وُجّهت إليها جراء تمسّكها بالاتفاق.
وعلى مرّ السنوات الماضية، نظرت السلطة إلى العلاقة مع إسرائيل باعتبارها ورقة قوة يمكن استخدامها عبر التلويح بوقف «التنسيق الأمني»، أو تعليق الاعتراف بالكيان، أو إعادة النظر في الاتفاقيات الموقّعة. غير أن الواقع أظهر أن الاحتلال لم يكترث يوماً لذلك التلويح، لا بل إن إسرائيل حوّلت «أوسلو» إلى أداة ضغط بيدها، تستخدمها متى شاءت لابتزاز السلطة سياسياً ومالياً وأمنياً، وهي فعلت ذلك بكلّ سياساتها وقراراتها، في وقت واصلت فيه التحرك بوتيرة متسارعة لتقويض الاتفاق تدريجياً، إلى أن وصلت اليوم إلى مرحلة التفكير في إلغائه رسمياً.
وفي المحصلة، فإن الاتفاق الذي تمسّكت به السلطة الفلسطينية بدأب، من دون تطبيق أيّ من القرارات الملزمة التي اتخذها المجلسان «الوطني» و«المركزي» لـ«منظمة التحرير» – بشأن وقف «التنسيق الأمني» وسحب الاعتراف بإسرائيل والانفكاك الاقتصادي عنها -، والتي بقيت حبيسة الأدراج رغم المطالبات الشعبية والسياسية بتطبيقها، يبدو أن إسرائيل باتت قريبة من التخلّص منه، بعدما لم تتمسك به يوماً أصلاً.




