مقالات

معارك الجثث… لكلٍّ سعره

معارك الجثث… لكلٍّ سعره

توفيق رباحي

كاتب وإعلامي من الجزائر

هناك معركة مسكوت عنها على هامش اتفاق وقف الحرب الإسرائيلية على غزة والحفلة العالمية التي تابعها العالم يوم الإثنين. هي معركة قديمة قِدَم الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، اسمها معركة الجثث.
إذا كانت معركة الأسرى قديمة هي الأخرى وقابلة للإدارة والسيطرة طالما أن السجناء يعودون أحياء مهما كانت المحنة التي يخرجون منها، فمعركة الجثث تنفرد بكونها مشحونة بالعواطف والأسى لأن ما يعود للعائلات مجرد عظام أو ما تبقّى منها، بعد انتظار طويل ومؤلم. لهذا دائما ما تكون معركة الجثث أكثر تعقيدا وإثارة للمشاعر.
لذلك أرجّح أن تكون معركة الجثث طاغية في الاتفاق الذي فرضَه الرئيس دونالد ترامب في غزة. لكن الأمانة تُحتّم القول إن القضية حاسمة لدى الإسرائيليين أكثر من الفلسطينيين. هناك أسباب وعوامل جعلتها كذلك، بعضها متجذرة في الآخر ونابعة من ذهنية فوقية إن لم أقل عنصرية، وأخرى نفسية واجتماعية وثقافية وسياسية نابعة من ظروف المجتمعات العربية والمسلمة، وسأشرح لاحقا.
قبل ذلك، لنتأمل سيل الأخبار والصور الجارف الذي تدفق على العالم يوم الإثنين. إذا جاز تقسيمه، يمكن القول إنه كان 80 في المئة عن الإسرائيليين و20 في المئة عن الفلسطينيين، رغم أن الكفة العددية هي العكس تماما.
رغم أن عدد الأحياء منهم لا يتجاوز العشرين، وعدد الأموات يقل عن خمسة وعشرين، كانت الأغلبية الساحقة من العناوين والأخبار والصور يوم الإثنين عن الرهائن الإسرائيليين في غزة، وعن ذويهم والاستعدادات السياسية واللوجستية لاستقبالهم والترحيب بهم وغير ذلك من التفاصيل السياسية والإنسانية.
عرف العالم أسماء الرهائن وأعمارهم ومتى وكيف اختُطفوا وتفاصيل أخرى، وقاتل ذووهم والمجتمع الإسرائيلي باستماتة وانضباط لاستعادتهم أحياء أو أمواتا، ولم يتركوا بابا لم يطرقوه مدعومين دعما مطلقا من الغرب بحكوماته ومؤسساته السياسية والأمنية.
في الجهة المقابلة هناك عشرات آلاف الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. بعضهم يقضون أحكاما بالمؤبد وأخرى بعشرات السنين. وهناك عدد غير معروف من المعتقلين الإداريين (موقوفون بلا تُهم وبلا محاكمات في الأفق). أغلبهم رهائن لدى الجيش الإسرائيلي، مثل الرهائن الإسرائيليين لدى حماس، مسجونون في ظروف لا تقل وحشية عن ظروف احتجاز الرهائن الإسرائيليين في غزة. لكن الأخبار لا تتوقف عند الأسرى الفلسطينيين كما تفعل مع الرهائن الإسرائيليين.. لا أسماء ولا أعمار ولا تفاصيل : متى وكيف اعتقلهم الجيش الإسرائيلي وماذا فعل بهم؟ ولا فضول عن أيّ حياة تنتظرهم بعد السجن رغم أن عددا منهم محكوم عليهم بالتوجه من بوابات السجون إلى منافٍ لم يُستشاروا بشأنها وليس لديهم فيها أحد (وغالبا سيكونون فيها فريسة للغربة وعرضة للمضايقات الأمنية والتجسس على خصوصياتهم).
من المشروع طرح السؤال عن سر هذا التمييز. الجواب يكمن في سياسة الكيل بمكيالين والنظرة الفوقية التي تحكم مقاربة الغرب (وإسرائيل جزء منه) للآخر، وخصوصا في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. فالعالم يبكي الإسرائيليين دموعا ودما، لكنه ينسى بشراً اسمهم فلسطينيون، وينتظر من ترامب زيارة إسرائيل لكن لا أحد يستغرب لماذا لا يزور غزة، لأن الراسخ في الأذهان أنه من الطبيعي أن يزور إسرائيل ولا يزورها.
ترامب، وقبله بايدن، يستقبل الرهائن المفرج عنهم وعائلاتهم في البيت الأبيض، لكن لا يخطر بباله وغيره أن يستقبل الأسرى الفلسطينيين المحرّرين.

قليلون يعرفون أن في إسرائيل مقابر تسمى «مقابر الأرقام» تَدفُن فيها السلطات ما لا يقل عن 720 فلسطينيا من الضفة الغربية وحدها. في هذه المقابر تمنح السلطات القبورَ أرقاما وتحتفظ بهويات الموتى في ملفات سرية، والهدف حرمان العائلات من معرفة على أيّ قبر تصلي وتترحم

اليهودي الإسرائيلي دائما أهم من الفلسطيني وأولى: يقتلُ شاب فلسطيني يهوديا فيتصدر الخبرُ الصحف ووسائل الإعلام الدولية.
يقتل الجيش الإسرائيلي 20 فلسطينيا فلا تجد للجريمة أثراً إلا في أسفل الصفحات الداخلية، إنْ وُجدت.
في المجتمع الإسرائيلي، وبحكم نشأة إسرائيل على أنقاض الهولوكوست والمظلمة التاريخية، تكرَّس في المخيال الجمعي أن المطلوب فعل المستحيل لحماية الفرد حيّاً وتأمين كرامته ميتا. كما تكرّست أهمية تقديس الذين يخدمون إسرائيل ويُضحّون من أجلها. لهذا لا نستغرب عندما نسمع إسرائيل تطالب برفات الجاسوس إيلي كوهين الذين أعدمته سوريا قبل 60 عاما وبمقتنياته الخاصة الصغيرة. والأمر ذاته تكرر في حالة الجندي جلعاد شاليط الذي استرجعته إسرائيل من الأسر لدى حماس مقابل أكثر من 1000 سجين فلسطيني في خريف 2011 بعد مفاوضات مضنية ووساطات دولية.
بينما تغلب لدى الفلسطينيين ثقافة نابعة من معتقدات متجذرة في مجتمعات الشرق الأوسط، يطغى عليها الاستسلام للقدرية والماورائيات. كل ذلك مدفوع بالعجز وقلة الحيلة فتسمع كلاما من قبيل لا أحد يموت قبل أجله، وإكرام الميت دفنه، والتحقيق لن يعيد الميّت إلى أهله، وتشريح الجثة حرام.
تتشارك الحكومات والأفراد هذا الخلل، لكن المسؤولية الأكبر تقع على الحكومات لأنها بإهمالها وتراخيها عن صون حياة وكرامة مواطنيها، أحياءً وأمواتا، تشجع الناس على الاستسلام والتسليم بالعجز.
لهذا لا يمكن تخيّل عائلة أو جهة فلسطينية (وعربية) تطالب برفات أسير قتلته إسرائيل أو توفي لديها قبل 60 عاما. ولهذا أيضا قليلون يعرفون أن في إسرائيل مقابر تسمى «مقابر الأرقام» تَدفُن فيها السلطات ما لا يقل عن 720 فلسطينيا من الضفة الغربية وحدها. في هذه المقابر تمنح السلطات القبورَ أرقاما وتحتفظ بهويات الموتى في ملفات سرية، والهدف حرمان العائلات من معرفة على أيّ قبر تصلي وتترحم. كما يرد في وسائل إعلام إسرائيلية أن إسرائيل تحتفظ بما لا يقل عن 1500 جثة لفلسطينيين من غزة.
أستبعد أن أيّ جهة فلسطينية شعبية أو رسمية تكرّس وقتها وجهدها لـ«مقابر الأرقام» أو موضوع الجثث ككل. وأستبعد أكثر أن تكلف أيّ جهة دولية عناء الضغط على إسرائيل لفتح هذا الملف أمام العائلات والجهات المهتمة به.
في إسرائيل يتحدث خبراء عملوا مع عائلات أسرى إسرائيليين ومتوفين في الأسر عن أن كابوس العائلات لا ينتهي إلا بمعرفة ماذا حدث لذويهم ثم دفنهم.
في المقابل، تتحمل العائلات الفلسطينية، وبحكم الثقافة الاجتماعية المتفشية وغياب الدعم الرسمي والسياسي المنظم (الدعم الشعبي موجود بشكل أو بآخر) العيش مع ألم الفقدان وغياب الجثة والقبر، وهو ألم عظيم ينخر روح الإنسان في صمت إلى آخر رمق.
منذ بداية الحرب على غزة نشر الجيش الإسرائيلي فرقا متخصصة مهمتها البحث عن كل ما من شأنه أن يحيل لوفاة أحد الرهائن، ووفّر لها الموارد المطلوبة. وبعد نهاية الحرب أرى من الصعب أن تتوفر في غزة فرق ترافق العائلات في رحلة الحزن، وأخرى تبحث عن الجثث تحت الأنقاض بطرق علمية عصرية، أو تضغط على إسرائيل لإعادة ما تخبئ من جثث فلسطينية.

كاتب صحافي جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب