الصحافه

معاريف: ترامب في “استراتيجية التورّط”.. هل يقبل الإيرانيون بسحق هويتهم القومية لصون “كرامته الشخصية”؟

معاريف: ترامب في “استراتيجية التورّط”.. هل يقبل الإيرانيون بسحق هويتهم القومية لصون “كرامته الشخصية”؟

“هذا ليس حصاراً، بل لغة”، يقول روبرت ماكنمارا، وزير الدفاع الأمريكي في فيلم “13 يوما”، فيما كان يحاول أن يشرح لرجال الجيش بأن ما تفعله الولايات المتحدة تجاه كوبا ليس موضوعاً حربياً. هذه خطوة تستهدف الحديث مع خورتشوف بلا كلمات؛ ضغط ولكن لا إغلاق، وتهديد لكن لا إذلال. هذا ما فهمه الرئيس الأمريكي جون كينيدي في 1962: لا يحسم حجم قوتك أثناء الأزمة، بل كيف تدفع الطرف الآخر لتفسير هذه القوة، وأي خطوة وعي تتخذها تجاهه.

كما أن هذا هو السبب الذي جعل كينيدي يختار كلمة “حجر” (Aquarium) وليس “حصاراً” Blockade)).

يبدو هذا كتفصيل فني، لكنه نفسياً كل القصة. “الحصار شبه إعلان حرب. أما الحجر فهو ضغط يبقي فتحة للمفاوضات. لقد عرف كينيدي بأنه إذا ما حشرت خصماً في الزاوية دون أن تبقي له مسار خروج فإنك لا تردعه بل تدفعه ليصلب مواقفه. تدفعه لأن يشعر بأنه إذا انسحب الآن فإنه لا يخسر فقط، بل يهان. والإهانة العلنية هي أحد الأمور القليلة التي يبدي البشر وكذا الزعماء استعداداً ليدفعوا عليه ثمناً لا يطاق.

إذا ما فحصنا صورة الوضع حيال إيران، بعد سبعة أسابيع من شن الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً مفاجئة، وتصفية الزعيم الأعلى علي خامنئي وحمل إيران على إغلاق مضائق هرمز، فإننا داخل منطق معاكس تماماً لمنطق كينيدي. ترامب لم يختر كلمة حجر، بل الكلمة الأكثر فظاظة ممكنة – الحصار.

في 13 نيسان، بدأت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً رسمياً على موانئ إيران. في نهاية الأسبوع، ردت إيران بإغلاق المضيق كاملاً، وأطلقت النار على ناقلات هندية، وأعلن ترامب هذا الأسبوع بأنه إذا لم تقبل إيران اقتراحه سيمحو كل محطة طاقة وكل جسر في إيران”. ثمة محاولة فاعلة وواضحة للإهانة هنا. والفرق هائل بين أزمة الصواريخ في كوبا والوضعية حيال إيران. فترامب لا يحاول إخفاء قوته بقوة رقيقة. هو يفعل العكس: يلوح بها، يكتبها بأحرف كبيرة في الشبكة، يتأكد من أن يرى الجميع انكسار إيران.

هنا تدخل إلى العمل نفسية الكلفة الجماهيرية. فكلما قيل التهديد بصوت أعلى وأمام عيون أكثر، يكون الثمن على التراجع عنه أكبر – للطرفين. لم يعد باستطاعة ترامب أن يوافق على أقل مما وعد به على الملأ، وإيران – تحت الزعيم الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، الذي لا يزال يرسخ شرعيته أمام شعب رأى زعيمه يصفى – لن يبدو كخانع أمام دولة صفّت أباه.

مفاوضات على الهوية

وعندها، تدخل الآلية الثانية إلى العمل، ولعلها الأقوى في السلوك البشري تحت الضغط: رد الفعل. فعندما يشعر الإنسان بأن أحداً ما يحاول أن يفرض عليه قراراً، فإنه لا يقاوم القرار نفسه فقط، بل يقاوم لمجرد أن أحداً يحاول أن يفرض عليه ذلك، وعندها يبدو في الغالب رد فعل مضاد يستهدف القول للعالم إن أحداً لن ينجح في فرض شيء عليه. وسيفضل أن يدفع ثمنا عالياً، وأحياناً هداماً على الشعور بسلب قدرة الاختيار منه.

عندما يشعر زعيم دولة مع نحو 90 مليون مواطن بأنه إذا قال “نعم” فلن يعتبر فقط كمن هزم بل أيضاً كمن اختار ألا يحاول، فستختلف الاعتبارات تماماً، ولن يعود حساب كلفة-منفعة. هذه مفاوضات على الهوية. وعندما تتحول المفاوضات لتصبح على الهوية، فالناس والدول مستعدون للوصول إلى أماكن هي خارج كل منطق اقتصادي أو عسكري.

وهنا يكون النقيض التام لقصة كينيدي. في 1962 كان النصر الأمريكي هادئاً. الصواريخ أخرجت من كوبا، لكن بالمقابل، وافقت الولايات المتحدة بهدوء على إخراج الصواريخ من تركيا ووعدت علناً بألا تغزو. زعيم روسيا نيكيتا خورتشوف، لم يضطر للوقوف أمام الكاميرات ليعترف بأنه استسلم. هذا بالضبط ما أتاح للتصعيد أن يتوقف.

أما الآن فالمبنى معاكس؛ فترامب يحتاج لأن يكون النصر علنياً وصاخباًومصوراً، يحتاج لأن تنثني إيران أمام العالم. لكن في اللحظة التي يعرف فيها النصر هكذا، فهي اللحظة التي يصبح فيها متعذراً أيضاً. لأن الطرف الآخر لن يمنحك إياه دون أن يهين نفسه.

في النهاية، فإن أزمات كهذه لا تحسم فقط حسب عدد الطائرات أو السفن أو الصواريخ، بل حسب مسألة حول شعور الطرف الآخر إذا بشأن بقي له سبيل للعمل دون أن يمحو نفسه. لقد فهم كينيدي بأن هناك حاجة ليس فقط لاستخدام القوة لمنع الحرب، بل أيضاً لتغليفها بحيث يستسلم الخصم دون أن يبدو كمستسلم. أما ترامب، في هذه اللحظة على الأقل، سيفعل العكس بالضبط: يبني وضعية الطريق الوحيد فيها أن تشعر بوجوب الاستمرار في إطلاق النار. هذا هو الخطر بالضبط. ليس في ما يهدد بعمله، بل بالشكل الذين أدت إليه تصريحاته للطرف الآخر أن يشعر بأن لا مفر له غير الثبات وعدم الاستسلام.

د. ليراز مرغليت

معاريف 24/4/2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب