معطيات: اليمين والاستيطان يعززان حضورهما في التربية العسكرية الإسرائيلية

معطيات: اليمين والاستيطان يعززان حضورهما في التربية العسكرية الإسرائيلية
بيانات الجيش الإسرائيلي تكشف عن ارتفاع كبير في استعانته بمؤسسات مرتبطة باليمين والاستيطان لتقديم أنشطة تثقيفية للجنود والضباط، مقابل تراجع أنشطة مؤسسات تُعنى بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وسط تساؤلات بشأن التوجهات السياسية التي تحكم منظومة “التثقيف العسكري”.
سجّل الجيش الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة ارتفاعًا حادًا في عدد الأنشطة التعليمية والتوجيهية التي تنظمها مؤسسات مدنية مرتبطة باليمين الإسرائيلي، وتُعنى بالهوية اليهودية وتاريخ الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، بالتزامن مع تراجع ملحوظ في الاستعانة بمؤسسات متخصصة بالديمقراطية والتسامح وحقوق الإنسان، في تحول يثير تساؤلات بشأن التوجهات السياسية التي باتت تؤثر في “توعية” الجنود والضباط الإسرائيليين.
وتكشف بيانات رسمية قدّمها الجيش الإسرائيلي في آب/ أغسطس الماضي، استجابة لطلب بموجب قانون حرية المعلومات تقدمت به منظمة “عاد كان”، عن تغيرات واسعة في توزيع “الأنشطة التثقيفية” بين نحو 110 مؤسسات خارجية خلال الأعوام 2021–2025. وتُظهر البيانات اتساع حضور مؤسسات مرتبطة باليمين والاستيطان، رغم تأكيد الجيش التزامه بالطابع الرسمي غير الحزبي في أنشطته التربوية والتثقيفية.
وسُجّلت الزيادة الأكبر في أنشطة معهد “إسرائيل من الداخل” (يسرائيل مبفنيم)، العامل ضمن شركة السياحة والإرشاد “Israel-2GO”، التي يرأسها ناشط سابق في حزب “الصهيونية الدينية”. ففي عام 2022، لم يطلب الجيش أي نشاط من المعهد، قبل أن يستعين به لتنظيم نشاط واحد فقط عام 2023، ثم قفز العدد إلى 303 أنشطة عام 2024، وصولًا إلى 742 نشاطًا في عام 2025، أي أكثر من ضعف العدد المسجل في العام السابق.
وتقدّم الشركة جولات تعليمية ودورات في أنحاء البلاد، تتناول الصهيونية والهوية اليهودية والتراث والقيادة والروح القتالية، إلى جانب جولات دينية في القدس المحتلة وحائط البراق، وزيارات للأحياء الحريدية وبني براك، فضلًا عن جولات في الضفة الغربية المحتلة تشمل مواقع تراثية بزعم ارتباطها بـ”التراث اليهودي”.
ولا تقتصر هذه الأنشطة على الجنود في الخدمة الإلزامية، إذ تُظهر البيانات أن 98 نشاطًا من أصل 742 نشاطًا نُظمت خلال عام 2025 كانت مخصصة لضباط برتبة رائد فما فوق، و83 نشاطًا لضباط حتى رتبة نقيب، فيما خُصص 561 نشاطًا للجنود وضباط الصف. وبذلك امتد نشاط المعهد إلى المستويات القيادية المسؤولة عن تثقيف الجنود والمساهمة في تشكيل تصوراتهم العسكرية.
ويقف خلف الشركة يوسف شبايزر، وهو مرشد سياحي وباحث في التاريخ والآثار، وعضو سابق في مجلس بلدية القدس. وكان شبايزر عضوًا في قائمة “يمينا” التي قادها نفتالي بينيت وأيليت شاكيد، قبل أن يخوض في آب/ أغسطس 2022 الانتخابات التمهيدية لحزب “الصهيونية الدينية” برئاسة بتسلئيل سموتريتش.
وشارك شبايزر خلال الحملة الانتخابية في فعاليات إلى جانب سموتريتش، الذي أعلن دعمه لترشحه ودعا إلى دفعه نحو موقع متقدم في القائمة. ولاحقًا، خاض حزبا “الصهيونية الدينية” و”عوتسما يهوديت” الانتخابات ضمن قائمة مشتركة.
وتعكس تصريحات شبايزر العلنية مواقفه السياسية، إذ هاجم البناء الفلسطيني في المنطقة الواقعة بين بيت لحم والخليل والكتلة الاستيطانية “غوش عتصيون”، واصفًا إياه بأنه “استيلاء البناء العربي غير القانوني الذي يخنق المستوطنات”.
ارتفاع كبير في أنشطة مؤسسات الاستيطان
ولا يقتصر هذا التوجه على معهد “إسرائيل من الداخل”، إذ تكشف البيانات عن زيادات كبيرة في أنشطة مؤسسات تعمل داخل المستوطنات أو تُعنى بتاريخ الاستيطان والتراث اليهودي.
فقد ارتفع عدد الأنشطة التي طلبها الجيش من مؤسسة “مدراشت شومرون”، العاملة في مستوطنة “شافي شومرون” والمتخصصة بالجولات المتعلقة بالتوراة والتاريخ وتراث الاستيطان، من 19 نشاطًا عام 2021 إلى 278 نشاطًا عام 2025، أي نحو 15 ضعفًا.
كذلك ارتفع عدد الأنشطة التي نُظمت عبر “بيت سيفر سديه كفار عتصيون”، وهو مركز للدراسات والجولات الميدانية، من 32 نشاطًا إلى 227 نشاطًا خلال الفترة نفسها. وسجلت جمعية “درخي أفوت”، المعنية بالتراث اليهودي الإسرائيلي، ارتفاعًا من ثلاثة أنشطة فقط عام 2021 إلى 356 نشاطًا عام 2025، بزيادة تجاوزت مئة ضعف.
وارتفعت أنشطة ما يسمى بـ”صندوق تراث حائط المبكى” من 42 إلى 413 نشاطًا، فيما زادت الأنشطة التي طلبها الجيش من جمعية “مدينة داود”، المرتبطة باليمين الإسرائيلي والعاملة في مجالي الآثار والسياحة بالقدس، من 84 إلى 366 نشاطًا.
وشمل التوسع أيضًا مؤسسة “مدراشت تابور”، التي ارتفع عدد أنشطتها من 171 عام 2021 إلى 424 عام 2025، بينها 152 نشاطًا مخصصًا لضباط برتبة رائد فما فوق.
ويرأس المؤسسة عميت دري، المقرب من وزير شؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي. وتربط الرجلين علاقة صداقة وثيقة، وقد خلف دري شيكلي في إدارة المؤسسة بعد دخول الأخير الحياة السياسية.
وكان موقع “ذي ماركر” قد كشف عام 2023 عن تخصيص نحو 1.5 مليون شيكل من أموال وزارة شؤون الشتات لمؤسسة “مدراشت تابور”، عبر شركة “أصوات إسرائيل”، لتمويل مشروع دعائي يحمل اسم “ديبلوأكت”.
تراجع مؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان
وتبرز الفوارق بصورة أوضح عند مقارنة التوسع في أنشطة المؤسسات المرتبطة باليمين مع حجم استعانة الجيش بمؤسسات تُعنى بالديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان.
ففي عام 2021، طلب الجيش تنظيم 24 نشاطًا في “مركز يتسحاق رابين”، وارتفع العدد إلى 68 عام 2022، ثم إلى 90 عام 2023، قبل أن يتراجع إلى 56 نشاطًا عام 2024، وهو تراجع عزاه المركز جزئيًا إلى الظروف الأمنية، ليصل إلى 63 نشاطًا عام 2025.
وفي المقابل، طلب الجيش خلال عام 2025 نحو ستة أنشطة من “صندوق تراث حائط المبكى” مقابل كل نشاط في مركز رابين، ونحو ستة أنشطة من جمعية “مدينة داود”، وأربعة أنشطة من “مدراشت شومرون”.
أما معهد “إسرائيل من الداخل”، فبلغ عدد الأنشطة التي طلبها الجيش منه خلال العام نفسه نحو 12 ضعف عدد الأنشطة المطلوبة من مركز رابين. وفي هذا السياق، صدرت مؤخرًا تعليمات لقادة في الجيش بعدم تنظيم جولات في مركز رابين، خشية تفسيرها بوصفها تدخلًا سياسيًا خلال فترة الانتخابات.
وأظهرت البيانات تراجعًا أكبر في التعامل مع مؤسسات متخصصة بالديمقراطية وحقوق الإنسان. فقد سجّل “المعهد الإسرائيلي للديمقراطية”، نشاطًا واحدًا عام 2021، مقابل عدم تسجيل أي نشاط له عام 2025. كذلك تراجع عدد الأنشطة التي طلبها الجيش من “مركز كرامة الإنسان” من 27 نشاطًا إلى نشاط واحد خلال الفترة نفسها.
ومع ذلك، لم يشمل التراجع جميع المؤسسات ذات التوجهات الليبرالية والتعددية، إذ ارتفعت أنشطة منظمة “بينا”، التي تُعنى بالتراث اليهودي من منظور ليبرالي، من 81 نشاطًا عام 2021 إلى 125 نشاطًا عام 2025. كذلك سجلت مؤسسة “بيت بيرل” ارتفاعًا من عدم وجود أي طلبات عام 2021 إلى 280 نشاطًا خلال عام 2025.
وفي رده على المعطيات التي أوردتها صحيفة “هآرتس”، قال الجيش الإسرائيلي إن “جميع هيئات الجيش تعمل وفقًا لروحه وقيمه، وتُدار جميع الأنشطة التثقيفية بقيادة القادة العسكريين، الذين يمكنهم، وفقًا لتقديراتهم، الاستعانة بجهات خارجية”.
وأضاف أن “التعاقدات تُجرى عبر وزارة الأمن مع مؤسسات تعليمية تستطيع، بحكم خبرتها، دعم قادة الجيش من خلال الجولات والمحاضرات وغيرها من الأنشطة”.
وقال إن “جميع المؤسسات تعمل وفق معايير تمت المصادقة عليها مسبقًا، وتخضع لإشراف سلاح التربية والشباب من حيث أخلاقيات الأنشطة التثقيفية، كما تلتزم بالسياسة العسكرية المتعلقة بمشاركة جهات خارجية في تقديم هذه الأنشطة”. واعتبر أن “حجم التعاقد مع مؤسسة معينة لا يشكل مؤشرًا كافيًا على مدى تناول موضوع تثقيفي معين في الجيش عمومًا”.




