مقالات
مفتي عمان يحرج ” علماء السلاطين ” وأنظمة الاستسلام العربية

مفتي عمان يحرج ” علماء السلاطين ” وأنظمة الاستسلام العربية
بقلم الدكتور كاظم ناصر
الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، المفتي العام لسلطنة عمان، الذي يشغل منصبه برتبة وزير بمرسوم سلطاني، معروف
بنزاهته وصدقه، وبمواقفه العلنية المتكررة حيال القضايا العربية والإسلامية، ودعواته المستمرة لنصرة الحق ورفض الظلم، ودعمه للشعب الفلسطيني ومقاومته للاحتلال، وإدانته للاعتداءات التي تستهدف الدول العربية والإسلامية والمدنيين والضمائر الحية.
وكان آخر نشاطاته البيان الذي نشره على صفحته بمنصة ” إكس ” الجمعة 11/9/2026 حول اشتعال الحرب مجددا في اليمن وقال فيه ” تبتلي الأمة في أيامنا هذه بفتنة عظيمة؛ فإلى جانب ما ابتليت به في فلسطين ولبنان وإيران، ها هي تبتلى في اليمن، إذ يتحارب الأخوة ويقتل بعضهم بعضا.” وانتقد رجال الدين أو الفقهاء المسلمين الذين يطوعون نصوص الدين والفتاوى لخدمة أهواء قادة الأنظمة الحاكمة وإضفاء الشرعية على أفعالهم بتحريف الدين، وتزييف الحقائق، وسلب حقوق الناس باسم الفتوى؛ ودافع عن الحوثيين وأعرب عن دعمه لهم بقوله ” وفي مثل ما آسف عليه من أمر أخوة اليمن؛ فكم تأسفت على بعض التصريحات التي أدلى بها بعض علماء المسلمين، يتكلمون في جماعة تصدت للكيان الصهيوني منذ نشأتها بكل حزم وعزم، وجاهدت بالنفس والمال من أجل تحرير المقدسات الإسلامية وتخليصها من الاحتلال وتخليص الشعب الفلسطيني المنكوب، فما كان ينبغي أن يقال ما قيل، وما كان للأمة أن تشتغل في هذا الوقت العصيب عن مواجهة هذا الاحتلال الخطير بقضايا جانبية.” وشدد على أن يبقى تحرير المقدسات الإسلامية في مقدمة أولويات علماء الأمة، ودعا إلى معالجة الخلافات بالحكمة قبل اتساعها وتفاقم تداعياتها.
وعلى النقيض من مواقف” شيوخ السلاطين ” وعلى الرغم من كونه وزيرا فإن الخليلي لم يبع ضميره وظل صادقا شاخا غير أبه ببقاء المنصب أو زواله، وأثار بيانه انتقادات من وزارة الأوقاف اليمنية، ومن العلماء اليمنيين المؤيدين للسعودية الذين اعتبروه انحيازا للحوثيين، ومن شيوخ السعودية وغيرهم من” شيوخ السلاطين ” الذين يحرمون معارضة ” ولي الأمر “، ويصدرون الفتاوى الداعمة له ولنظامه حسب الطلب، مقابل حصولهم على وظائف هامة، وامتيازات مالية واجتماعية دون اعتبار لإرادة الشعوب، وأمن وسلامة الوطن العربي.
وأصدر الشيخ الخليلي أيضا عدة بيانات رسمية تعبر عن مواقفه الصارمة المناهضة للتطبيع مع إسرائيل انتقد فيها بشدة الأنظمة العربية التي سارت أو تسعى للسير في هذا المسار، ووصف التطبيع ” بسقوط أخلاقي فادح.” ومنذ الإعلان عن الاتفاقيات الابراهيمية عام 2020 وجه نداءات متكررة للأمة الإسلامية شدد فيها على أن المسجد الأقصى المبارك والقدس هما دين في رقاب المسلمين، وأنه لا يحق لأي جهة المساومة عليهما أو التنازل عن الحقوق التاريخية مهما كانت الظروف. كما انه أدان العدوان الأمريكي الاسرائيلي الغادر على إيران ودعا المسلمين في العالم إلى الوقوف في وجهه، ودعم حزب الله، وأبدى حزنه على فقدان الشهيد حسن نصر الله، ودعا الأمة الإسلامية إلى دعم المقاومة ماديا ومعنويا مؤكدا على ضرورة ألا تفرط المقاومة بسلاحها.
يحظى الشيخ الخليلي باحترام وثقة الشعوب العربية لأنه يقدم في خطابه الديني النقدي الجماهيري نموذجا لرجل الدين الأمين المستقل الذي يتألم للآلام أمته، ويعبر بصدق وأمانه عن مواقف ذات طابع شعبي أو عقدي متسق مع قناعاته الشخصية التي تهم قضاياها دون نفاق أو مجاملة، أو اعتبار لمصالحه الشخصية. بينما يقدم ” شيوخ السلاطين “، الذين فقدوا مصداقيتهم وثقة الشعوب العربية بهم، ما يحتاجه الحكام العرب من فتاوى وتبريرات لسياساتهم وقراراتهم ومصالحهم الخاصة دون وازع من ضمير، أو حرص على مصالح ومستقبل الأمة. أي إنهم يبذلون كل جهد ممكن في الدفاع عن ” ولي الأمر “، ويتجنبون إبداء أي مواقف تخالف رغبته، ويركزون في خطابهم الديني على طاعته، وتخدير الشعوب واستسلامها لحكمه المطلق، وتبرير سياساته حتى وإن كانت تشكل خطرا على حاضر ومستقبل الأمة، والدليل الحي على ذلك هو موقفهم من ” اتفاقيات أبراهام “وأخواتها. “
…



