مفهوم التثقيف والتدريب في حركة فتح

بكر أبوبكر[1]
جوهر المقال
ينطلق المقال من معادلة مركزية تجمع بين ثلاثة عناصر: الوعي + التثقيف + التدريب = الشخصية الواعية المناضلة. فالوعي الذاتي هو الأساس الذي تُبنى عليه المرجعية الفكرية، والتثقيف الذاتي يبقى -مهما بلغت جلسات التنظيم ودوراته- لا غنى عنه ولا بديل له، بينما التدريب هو الممارسة الفعلية التي تُحوّل الفكرة إلى إنجاز على الأرض.
المحاور الرئيسية
· فتح وتاريخ الفكرة: يعرض المقال كيف مارست فتح التدريب عمليًا منذ انطلاقتها عبر شعارات مثل “لتتفتح ألف زهرة في بستان الثورة” و”العمل العسكري يزرع والعمل السياسي يحصد”، مقدّمة الفعل والمبادرة على التنظير، وموزّعة هذا التدريب بين تجارب أربع كبرى: القواعد الثورية، والمعتقلات، والتنظيم في الخارج، والتنظيم في الوطن.
· المسألة الثقافية: يؤكد أن الثقافة الحركية ليست حكرًا على نخبة، بل هي زاد يومي يبني الشخصية في أبعادها الخمسة (الجسد، النفس، الروح، العاطفة، العقل)، مستشهدًا بمقاربة د. مازن صافي حول العلاقة بين القراءة الورقية وبناء الوعي.
· مكوّنات التثقيف الحركي: يفصّل سبعة محاور تشمل هدف النضال المرحلي، ثقافة النضال الجماهيرية، الرواية التاريخية، مواجهة الاحتلال، طرائق التفكير العلمية، الحياة التنظيمية الديمقراطية، وسلامة قناة التعبير عن الفكرة.
· العضو والإطار: يميّز بين الاهتمام بـ”العضو الإنسان” و الاهتمام بموقعه، معتبرًا أن الإنسان هو الهدف لا المنصب، ويشدد على أهمية الإطار التنظيمي كـ”قناة سالكة” تجمع الأعضاء وتثقفهم وتحفزهم.
· دورات الكوادر والأهداف الكبرى: يختم بربط دورأكاديمية عثمان أبوغربية بسبعة أركان لبناء الشخصية (الإدراك، الشجاعة، حرية التفكير، تقبل النقد، الانتماء، الخُلق القويم، قيم الجماعة)، مؤكدًا أن البناء الشمولي للكادر يتطلب مزجًا دائمًا بين النظري والعملي.
مقدمة
في إطار تفعيل السياق الفكري والثقافي والتعبوي داخل أي بلد، وفي التنظيمات السياسية الثورية المناضلة، ومنظماتها (الداخلية أو الحزبية مثل المرأة، الشبيبة، العمال…) تبرز فكرة التثقيف أوفكرة التربية الداخلية المرتكزة على أسس من التاريخ، تاريخ الأمة وتاريخ البلد، ومسار القضية منذ الجذورحتى الاشتباك، وآليات التصدي وفكرة الثورة والتحرير والكيانية والوحدة…الخ، والمقاومة والأشكال، ونشأة وتطور المنظمة (التنظيم السياسي) ونقد لمراحل تاريخية، واستفادة من التجارب، والاطلاع على عديد الملفات السياسية والدبلوماسية من تجارب الثورات والدول الأخرى، ومن ذات تجربة التنظيم في المجالات المختلفة وفي أبعادها الداخلية والخارجية وهو ذات الأمر الحاصل عندنا في تنظيمات (منظمات، فصائل..) العمل الوطني الفلسطيني.
إن التَّثْقيف الذَّاتيّ[2] المنصوص عليه في النظام الداخلي لفتح يعني: اعتماد المرء على نفسه في اكتساب ثقافته، خلاف من يتثقّف على أساتذة أو في مدرسة أو جامعة أو من خلال الجماعة أو أطر التنظيم السياسي عبر الجلسات الدورية واللقاءات والدرورات وهي المطلوبه أيضًا لكن لا تغني بتاتًا عن التثقيف الذاتي.
إن التمكين للعضو والكادر من خلال التثقيف هو أكثر من مجرد مفهوم؛ حيث لا يمكن تحقيقه إلا إذا شملت العملية التعليمية التربوية التثقيفية الجماعية أيضًا أساليب تعلم تشاركية وذات صِلة بالحياة اليومية والخبرات التي يعيشها الكوادر.
إن هذه المعرفة والوعي لمبادئ التنظيم والفكر والسياسة والتاريخ والرواية تعني تشجيع أي واحد فينا وتمكينه من أخذ زمام المبادرة لاحترام وحماية وتعزيز الفكر النضالي العربي الفلسطيني والدفاع عنه وتشكيل حالة جذب بالقدوة للجماهير.
ودومًا ما يثور السؤال بالأولوية فهل الأولوية تتمثل بالكم المطلوب تمثله، عبرقراءته وفهمه أوحفظه مما سبق من مواد تثقيفية كما تفعل التنظيمات الفكرانية (الأيديولوجية)؟
أم أن الأولوية لتنمية الوعي، وأبرزه الوعي الذاتي الذي هو الأصل والمقدمة اللازمة للبناء الذاتي والتطوير، وهو الأصل للتثقيف في معادلة التعبئة التنظيمية وصولًا للثبات الشخصي والجماعي ومتانة المرجعية وفتح الذهن نحو تقبل الأفكار؟ وعليه يتم امتلاك المنهجية والمرجعية.
نحن نعتقد أن معادلة ثلاثية ]التوعية والتثقيف والتدريب[ هي المعادلة الصالحة للسير في اتجاه البناء الداخلي في أي تنظيم سياسي وخاصة السياسي الثوري صاحب القضية الكبرى القضية المركزية القضية الأساسية التي تمثل عامل التماسك وعامل الجذب بين مختلف المكونات التنظيمية أو الفكرية، البنائية والهيكلية.
تمثل الوعي بالاستيعاب وبناء الوعي أولوية، ومنه تنشأ الحاجة وينشأ الحافز وتظهر جوانب الشخصية القادرة على الانتقال لمرحلة التثقيف الذاتي حتى لو قصّر المجموع (البلد،التنظيم أوالجماعة أوالإطار..) في ذلك وفي ذات الوقت فإن عملية بناء الذات عبر الوعي هي آلية يتم استخدامها لتنمية الطاقات الكامنة-الموجودة لدينا جميعًا ولكنها غير محفّزة- لدي كل منا وتسليط الضوء على مالا نكون ندركه أو أهملناه في خضم الحياة فتنشأ بالتوعية (الذاتية أو عبر التدريب من قبل مختصين ما يشعل الحافز الخارجي) وبناء الوعي وعينا الذاتي والجماعي ننشأ قادرين على التفكيروامتلاك المنهج وعلى التعلم وعلى التطوير كلّه في مسار العملية التربوية والتثقيفية.
في الجامعات المختلفة يتعلم الطلاب كيف يفكرون أو (تعلم كيف تتعلم)، ويتعلمون المهارات اللينة اللازمة لكل مسارات الحياة بأولوية تسبق المهارات الصلبة (التخصصات التي يدرسونها) لأن الأولى حياة والثانية تخصّص يخدم الحياة.
وفي ذات الوقت نستطيع بمثل هذاالوعي المتشكل أن نمتلك المنهج الفكري، والقاعدة اوالمرجعية النضالية المتينة. وعبر أن نمتن بالقراءات العميقة هذه المرجعية الفكرية وننهض بالعمل ذو الديمومة الى الأمام لنتصدى لأي مهمة أو أي مشكلة تواجهنا، أو لحل أي معضلة تصادفنا فنكون أعضاء فعّالين في حقلنا الذاتي والجماعي النضالي/الجهادي أي كان.
معادلتنا السهلة الصعبة للكادر (الإطارات الحركية بالمصطلح العربي المغاربي) للأعضاء في أي تنظيم سياسي، وخاصة الثوري النضالي تبدأ بالذات حيث تحرير الانسان مرتبط بتحرير الأرض كما رفعت ثورتنا الشعار وأصابت به.
دعني أصور الأمر بمعادلة سهلة لأقول أن:
معادلة: وعي+تثقيف+تدريب=الشخصية الواعية المناضلة.
والوعي (الذاتي) له قاعدة وله نواتج وعليه فإن
قاعدة الوعي=تبني الخلفية الفكرية/المرجعية، وتؤسس المنهج، وتمتنها فتصبح جبل الاستناد+تشكل حافزالدفع والتأثير بالذات والآخرين، ونحو التثقيف والعمل المتواصل.
أما نواتج الوعي= اكتساب آليات التعلم والتفكير والمهارات، والقيم اللازمة لدفع العربة الى الأمام+ممارسة التثقيف الذاتي والبناء المعرفي، وتحقيق الانجازات.
وفي كل هذا وفي كل المراحل لابديل عن الإيمان، ولا بديل عن المران والتدريب المتواصل. (أنظر الشكل المرفق)
وصدق المفكر علي شريعتي حينما أولى الحرث في حقل الذات اهتمامه، كما صدق المفكر مالك بن نبي حينما رأي في شروط النهضة الانسان، وصدق المفكر خالد الحسن حينما تجول بين المناهج ليضع أصبعه على منهج التفكير السياسي الواقعي، وأصاب فتح الله كولن في الجهاد الداخلي والخارجي في الذات، وأجاب المفكر المهدي المنجرة على المطلوب من الحاكم والسياسي تجاه أبناء الأمة حينما قال أنه يجب: (محاربة الامية وتعميم التعليم باللغة الوطنية لبناء إنسان عربي مثقف من المهد إلى اللحد، قادر على مواكبة المعرفة والمستجدات التقانية، وذلك بتخصيص نسبة مهمة من الناتج الوطني الإجمالي للبحث العلمي، الذي لا يمكن أن ينتعش إلا بتوفير جو من الحرية لأصحاب المواهب العلمية والتقنية لأجل الإبداع والعطاء) ضمن احترام الخصوصية الثقافية لأمتنا، وليس استنساخ الفرانكوفونية أو الانجلوساكسونية..
في آلية بناء الذات من الشخص ذاته، أو من الجهة الراعية (البلد، أوالتنظيم، أو اللجنة المختصة، أوالمؤسسة…) حثّ وتحفيز على تفعيل غير المفعل، وتعظيم ما كان مغفلًا، وتقوية مسارات الدفع الذاتي للأمام، فيتحول العضو في المجتمع أوفي التنظيم السياسي خاصة الى شخصية مؤمنة، واعية مناضلة مفكرة باحثة دومًا عن الحقيقة وبالعمل دون كلل نحقق النصر القادم بإذن الله، ولا يتم التوقف عند معضلة التثقيف أولًا أم بناء الذاتي أو تنميتها أولًا.
فتح وتاريخ الفكرية[3]
حركة فتح التي تم انشاؤها ثم انطلاقتها الأولى والثانية على مراحل وفترات، شكلّت بذلك مفهوما متدرّجا في العمل الثوري، فلم تُقدم على الفعل الثوري إلا بعد مرحلة تمهيد الأرض ومرحلة اعداد استغرقت زمنا كان لزاما عليها قطعه لغرض انضاج الفكرة ضمن منطق نضوج الثمرة التي يحتاج قطافها لتهيئة الأرض وحرثها ومن تم زراعتها وسُقياها والاعتناء بها، وهو ما أشارت له الحركة ضمن أدبياتها بعدم استباق النتيجة بعمل متسرع أو بعمل قبل أوانه. فللزراعة أوانها، والعناية لا حدود لها، وللقطاف أوالحصاد موسمه.
إن الشعار السياسي الذي ركّبته حركة فتح بمقولة (لتتفتح ألف زهرة في بستان الثورة، في بستان فتح) شعار يتقصد مزج التجارب والأفكار والقدرات.
وكان شعار العمل والمبادرة والفعل مُقدّما على التنظير مقياساً لمستوى الأداء والانجاز المتحقق على الأرض، لذلك لم تُجهد الحركة نفسها بتأليف الكتب الضخمة ذات الطابع النظري أو التنظيري، فأعطت المساحة للزهرات في بستان الثورة لتقوم عبر تلاقح التجارب وبتلاقي الأفكار والانغماس بالعمل بتحقيق الانجازات.
عاد الشعار المرتبط بالفعل والمبادرة في كل مراحل الثورة ليشكل مشعلًا محمولا باليد، فأطلقت فتح شعارها (العمل العسكري يزرع والعمل السياسي يحصد، ومجنون من يزرع ولا يحصد)، لتؤكد على المقولات الثلاثة الرئيسة منذ الانطلاقة وهي: العمل أو المبادرة أولا، ولكنه العمل المقرون بالإيمان بالله وبحتمية النصر، وبالتضحية. وهذه الثلاثية ما زالت تشكل حقيقة الحركة في سياقها النضالي الوطني.
الفعل الثوري والشعار السياسي المرتبط بتلاقي التجارب وصراع الأفكار، أو بالتجريبية والواقعية السياسية، وضمن نفس المساحة التي تتيح مثل هذا التبادل في آلية الاجتماع والحوار والنقاش والنقد مثلث تدريبًا حقيقيًا للأعضاء في الحركة، كما هو الحال بالزمن الذي استغرقته بالإعداد للانطلاقة، مرة ومرتين، ثم تصعيدها، ومن ثم رسم جدول أعمالها وفق كل مرحلة.
إن فكرة التدريب السياسي والعسكري -وان ارتبطت كما أسلفنا بالعقلية العملية والعقلية التجريبية- وفي ظل مفهومي الإتاحة والازاحة بمعنى أن تتيح للفكرة أن تعبر عن ذاتها وتستقر، أو يتم ازاحتها بالعمل، ما كان بحقيقته من حيث التجربة في قطاعات حركة فتح المختلفة (التنظيم/النقابة، والمعتقلات، والقاعدة) أن شكّل تدريبًا عمليا على ما ستكونه حركة فتح كحركة طليعية جماهيرية وحدودية، تؤمن بالعمل، وتستثمر كل الطاقات لهدف لا ثاني له وهو تحرير فلسطين.
نفهم جليّا أن التدريب عامة ما هو إلا عملية مخطط لها مسبقا ومنظّمة وانسانية ومستمرة، يقصد بها تغيير أو تطوير أو تثبيت فكرة أو قيمة او مسلك أو منهج أداء، ويقصد بها أيضا تقليص جوانب الخلل أوفجوة الأداء في المؤسسة، ومن هذا التعريف يكون التدريب التنظيمي او السياسي.
فكرة التدريب السياسي جاءت عبر الممارسة في كافة الميادين، والتدريب العسكري كان له سياقه ومجاله والذي وجد التطبيق العمل له بالميدان. ورغم (عملية) التطبيق للسياسي واستخدام أسلوب التدريب بإلقاء السبّاح بالبحر ليتعلم العوم ما هو أصل التدريب في الحركة، إلا أنه في مرحلة مبكرة من انطلاقة الحركة تنبهت لضرورة المزج بين التثقيف والتدريب النظري والعملي، فكانت المدرسة الأولى لهذا التنبيه داخل التنظيم السياسي والنقابي، وداخل المعتقل من خلال (الاجتماع التنظيمي) أو الجلسات التنظيمية مكتملة الأركان، وفي تجربة (القاعدة الفدائية) من خلال التدريب الميداني، والزج بالطاقات بأتون المعارك.
لا يمكن أن تجد كادرًا في حركة فتح سواء انطلق من التجربة التنظيمية أو النقابية، أو تجربة القاعدة العسكرية، أو تجربة المعتقلات الا ويحمل معه إرثا من الخبرات المرتبطة بالقيادة من جهة، وبالمهمة الموكلة له من جهة أخرى، وبمستوى الإنجاز المتحقق الذي هو جزء منه.
عندما تشعّب العمل في حركة فتح وتوزعت الكوادر على الميادين السياسية والاعلامية والدبلوماسية والاقتصادية والأكاديمية والاجتماعية وغيرها فإنها عادت للوطن مع دخول السلطة عام 1994 لتضع ركائز السلطة والدولة.
بقيت التجربة التنظيمية (الإطار الداخلي والنقابة والمعتقلات) هي المعبّر عن جسم التنظيم الرئيسي في مقابل الأجسام أو الأطر الأخرى التي سارت في ميادين فعل أخرى (الغربي والأمن وصامد … الخ ثم لاحقا مؤسسات السلطة).
هذه التجربة التي اهتمت ببناء الانسان أساسا من النواحي الفكرية والثقافية والمسلكية والروحية والقيَمِيّة هي ما أعطت للجسم الحركي الفضفاض حيويته، وجعلت من اتساعه رحابة وليس فوضى، وجعلت من تداخل الأفكار فيه سِعة وليس استبدادا، ومن الصراعات الداخلية مفتاحا دائما للتغيير وليس معولا للهدم.
مما لا شك فيه أننا مررنا بمراحل تاريخية عصيبة في ثورتنا وقضيتنا وحركتنا، لم يكن فيها الا أن انتكسنا أو كبونا فخرج القطار عن السكة في مراحل، والذي لطالما أعيد لسكته عبر الالتفاف حول الفكرة الجامعة والتاريخ الممتد منذ الكنعانيين حتى ياسر عرفات، وحول قيم المحبة والتضحية والايمان التي شكلت عامل التمسك الأساس للوطنية الفلسطينية التي كرستها حركتنا.
التدريب في حركة فتح تمت ممارسته بكل بساطة من خلال الفعل (ألقِ بهم بالبحر)، ومن خلال الدوريات، ومن خلال المدارس في المعتقلات، ومن خلال الاجتماعات الدورية في التنظيم والنقابة ، ومن خلال التدريب بالقدوة والتدريب بالتجربة في الجهاز والمؤسسة والمفوضية والمكتب، ومن خلال الدورات الداخلية والخارجية، وإن طغت في الحركة (العملية) على التثقيف والتدريب النظري.
القاعدة والمعتقل والتنظيم خدمت مرحلة طويلة من عمر الثورة، وعندما تسلم الثوار زمام الأمور في إدارة السلطة تداخلت العقلية “الوظيفية” مع “الثورية” وتصارعت، فكان لزاما على الوطنية الفلسطينية ان تعتني وبشكل تخصصي ببناء الذات والمجموع فيما هو التشكّل التنظيمي أو الأطر التنظيمية، وحاجاتنا لها في كسب المزيد من الأنصار للفكرة الوطنية الجامعة، وإدراج الجماهير في آليات النضال.
وكل ذلك لا يتأتى -خاصة بعد مرحلة السلطة وتوهم الكثيرين للكسب السريع- الا بالتوجه نحو ذات الانسان والمجموع، وليس فقط البناء المادي لأسس مكونات وهيا كل السلطة أو الدولة ومن هنا تكون البداية الحقيقية لفهم معنى التثقيف والتدريب في حركة فتح.
المسألة الثقافية في حركة فتح[4]
أن المسألة الثقافية لا تعني بزمرة منفصلة عن الناس، كما أنها لا تخص فئة تسير بنا الى غرف مغلقة، وليست الثقافة فعلا محدودا أو موقوفا أو مقصورا على جماعة أو شخص كما يتوهمون، بل الثقافة هي (الزاد) و (المتاع) اليومي الذي يشكل في الحياة منهجا وسبيل عيش، وفي العقل حافزا ومحركا، وفي السلوك نتيجة وفعلا ناجزًا.
ولدى السياسي، وابن التنظيم السياسي تصبح الثقافة فعلا ضروريا لأنه معني بمخاطبة مساحات واسعة ونماذج متنوعة وجماهير ذات اهتمامات وتطلعات متعددة . مهما كان جامعها (قضية) موحدة فإن احتياجاتها لا تشكل عندها أمرا ثانويا وإنما مترافقا مع نداء الواجب.
إن الثقافة الحركية تعد المكان الأول في بناء الشخصية، وتنمية الفكر الفتحوي، وتمثّل حقيقة التعبئة ومضامين المبادئ والأهداف والمنطلقات التي يجب أن تكون الهادي والمرشد لمسيرة الحركة والشعب، ولطريقة عمل الأعضاء والكوادر وفي نظرتهم للأمور، وفي استعدادهم للعطاء والبذل، وبناء الشخصية في اتجاهاتها الخمسة : الجسد والنفس والروح والعاطفة والعقل.
إن تكامل الفكرة الحركية في “فتح” تتجلى من حيث هي فكرة وطنية جامعة ، فكرة تحررية للوطن والإنسان، ومن حيث هي فكرة عقلانية تشاركية ديمقراطية بالمجتمع، ومن حيث هي فكرة بناء لا هدم للكيانية الوحدوية الجامعة ، ما يعني أنها فكرة عميقة وأصيلة متجذرة، ومن هنا يأتي دور كافة الكوادر والأطر الحركية أساسا، ويأتي داعما ومساندا لها فعل التدريب والتثقيف والدراسات عبر مؤسسة متخصصة.
يكتب د.مازن صافي[5] حول الثقافة ونجاح الرؤية ما يستحق اقتباسه: “إن الوعي المعرفي هو ركيزة كل عقل قادر أن يتجاوز الأزمات ويقود مراحل التغيير والإبداع والبناء، ولا يمكن أن يتشكل الوعي بدون القراءة، ومن هنا يعتبر الكتاب الورقي خير جليس، وخير صديق، ولا يمكن بأي حالٍ من الأحوال الاستغناء عنه بمجموعة من الأفكار المجزأة في الصفحات الالكترونية المختلفة، لأن قراءة الكتاب تعتبر فناً خاصاً وإثراءً خصباً للنفس البشرية وللعقل الواعي وللمعرفة الشمولية، ويبدأ الحوار دائما من فوق صفحات الكتاب وأنت تضع ملاحظاتك أو تناقش نقاط وردت فيه بحيث تنتهي من القراءة لتبدأ في التحليل وولادة الأفكار الجديدة وثقل قدرة الحوار مع الآخر.
إن الثقافة والوعي هي مفاتيح ماسية تقود إلى النجاح، وهي أداة إعداد الإنسان القوي في جغرافية مسؤولية وعمومية تواصله، ولا يمكن أن يكون هناك رؤية سليمة بدون ثقافة قوية، فالثقافة هي عالم المعلومات المتدفق، إن الثقافة هي التعلم وهي التعليم وهي المعرفة والفهم والاستيعاب والمتابعة والاستنهاض الذاتي، فحتى الدول الكبيرة لم تنهض إلا بالعلم والثقافة، ولا يمكن أن يتطور أي مجتمع أو تنظيم أو حركة أو إطار أو حتى مجموعة دون وجود الثقافة واستمرار التثقيف، لأنه المفتاح السحري لكل الأبواب المغلقة ولكل المسارات المعقدة، ولا يمكن لأي تنظيم أن يذهب بنجاح للمستقبل إلا بقوة المعرفة والثقافة والعلم عند أعضائه، وحين يضعف أي تنظيم ابحثوا عن الثقافة التي يتسلح بها الأعضاء فيه، فالثقافة هي الالتزام وهي القيم والمسلكيات وهي التقدم وأساس المنهج والرؤية، وما ينبثق عنها من برنامج ومبادرات وبناء، ومن واقعية القول أن أي نجاح وتطور واستمرارية سيبقى مرهونًا بكمية ونوعية الثروة الثقافية والوعي في المجتمع.”
الوطنية والتحرير والثقافة الحركية
تأخذ الوطنية عندنا معنى التخصيص والتكريس والأولوية لفلسطين، لا معنى الانعزال أوالإقليمية والانكفاء عن المحيط العربي، وهي بذلك مبدأ أو فكرة لا تنطلق من فراغ، وإنما من واقع الارتباط الحضاري العربي الإسلامي في الأفق الحضاري العالمي، العقلاني والمتفتح على تجارب الشعوب قاطبة.
وبذات الوقت فإن فكرة التحرر في حركة فتح لا تقتصر على منطق تحرير الذات والمجتمع من رواسب الجهل والتفكير السلبي ،لسبب النكبة والواقع الفاسد وغيرها، ولا تنطلق فقط من واقع الظروف الصعبة وما تحمله من مشاعراليأس والقنوط لدى البعض، و انما تبغي الى ذلك تحرير الوعي الحضاري الشمولي.
وتسعى فكرة أو مبدأ التحرر للتخلص من واقع الاحتلال الجغرافي الإسرائيلي لبلادنا عبر المقاومة الشعبية بكافة الأشكال، وليس هذا فقط ، وإنما التحرر أيضا من شِباك الغزو الثقافي-الاقتصادي الصهيوني الاستعماري لعقولنا وأرضنا ومقدراتنا في فلسطين والمنطقة العربية.
إن القدرة الحركية في “فتح” وفكرتها أيضا تتجلى في التشاركية حيث تؤمن بالعقلانية لا بالأساطير والخرافات الممزوجة بسياقات فكرية، وتؤمن بالحوار والاختلاف والديمقراطية ضمن معادلة الحرية والالتزام في داخل التنظيم، وهو ما أسس فيها للفكرالوحدوي الذي يجمع المؤتلفين والمختلفين معا في إطار الثورة و (م.ت.ف) ثم في إطار السلطة والدولة القادمة الذي وهو الفكر أو المبدأ الفتحوي الذي يرفض الإقصاء والاستعلاء ورفض الآخر.
إن حركة فتح في سعيها لأخذ دور فوق وطني-إنساني تسعي لأن يكون لها موقع في النسيج العربي والإسلامي والعالمي من حيث دعوتها الشمولية لتحرر الفكر والثقافة وارتباطها البناء بالحضاري العربي الإسلامي وإسهاماته المسيحية الشرقية، الذي يتقبل الآخر وفي نطاق تحقيق الأهداف الإنسانية الجامعة بالحرية والمساواة والعدالة والتقدم.
مكونات التثقيف الحركي والتعبئة
من الممكن أن نتعرض للثقافة وعملية التثقيف والتعبئة للشعب الفلسطيني وفي حركة فتح في سياق 7 أمور
الأول يتمثل في: سعينا الدائب لتحقيق هدف وغاية النضال الفلسطيني المرحلي المتمثل بتحقيق مشروعنا الوطني بالتحرير والعودة والدولة في سياق النضال الثوري السياسي، وفي إطار الانتماء للأمة العربية بحرنا الزاخر، ولحضارتنا العربية الاسلامية المنفتحة.
ثانيا: إن ثقافة الحركة، والثقافة الوطنية الفلسطينية عامة هي ثقافة النضال الوطني الفلسطيني وهي ثقافة البناء لمكونات الوطن، وهي ثقافة الجماهير بكل شرائحه، لأنها ثقافة مشروعنا الوطني، ولأنها ثقافة الكفاح والمقاومة بطابعها الجماهيري الشامل وليس النخبوي أو الضيق، ما يستدعي برنامجا وطنيا متكاملا لإمضاء ما أطلقنا عليه (الحرب الشعبية طويلة النفس) اليوم بصيغة المقاومة الشعبية الشاملة.
والثالث:يتمثل في بناء ونشر الفكرة والرواية التاريخية الحضارية التي تمثلنا والتي تبرز حقيقة التمايز (والتأكيد) بين إيماننا المطلق بأن أرض فلسطين (التاريخية) لنا منذ الأزل والى الأبد، وبين سعينا لحل واقعي يأخذ بالاعتبار قواعد علم السياسية وفن الممكن ومتغيرات الإقليم.
الرابع إن ثقافتنا يجب أن تكون ثقافة وعي وفهم وتصدي ومواجهة تواجه طبيعة الاحتلال الصهيوني (الاحتلالي الإحلالي الإلغائي للآخر) الذي يحاول إلغاء وجود الـشعب الفلـسطيني عبـر تزويـر الحقـائق التاريخية والسياسية وعبر التكريس للوقائع على الأرض، وعبر طمس هويته الوطنية، وتشويه صورة نضاله، وسلبه حقوقه المشروعة
أما خامسا فإن على الثقافة الفلسطينية والحركية خاصة أن تجهد في بناء أو دعم طرائق تفكير علمية عقلانية ايجابية تحفيزية ابداعية في عقول المنتمين للحركة بحيث يتمكنون من رفد الحركة بعطاءاتهم وبرامج عملهم اليومية، ولا يكونوا كما مهملا أو أرقاما في سجل العضوية بلا نفع، فدرب الثورة طويل وشاق ولا يصمد فيه إلا الرجال والنساء المؤمنون بيقين، لا تخالطه شكوك بضرورة التحدي والتضحية والنصر.
وفي ذات السياق العقلاني يتم دعم الانتماء الوطني فوق الانتماء الحزبي العصبوي الضيق ما يؤكد فكر حركة فتح الرحب الذي ينهد للحرية والحوار والديمقراطية، وهو الفكر الوحدوي الجامع، الذي يرفض التفرد أو الهيمنة أو الحصرية أو الإقصاء للآخر.
سادسا أن بناء الذات والتعبئة والتثقيف في حركة فتح يقتضي تكريس معنى الحياة التنظيمية الديمقراطية بما هي التزام وحرية، وتأكيد دور التنظيم الأساسي بتحقيق الالتحام بالجماهير بكافة فئاتها وشرائحها، وما يمتزج مع ذلك من ممارسة بث الوعي وخدمة الشعب، ما يقتضي من التنظيم بالآليات المناسبة: تكريس مبدأ الاجتماعات الدورية والدورات واللقاءات والندوات والثقافة الذاتية والجماعية للكوادر وللجماهير، ما يقتضي قيام العضو من تلقاء نفسه ببناء شخصيته بالعلم والعمل عبر التجارب والقيام بالنشاطات ، أي بالممازجة الفعلية بين النظري والتطبيقي، وبين ما يقوله ويفعله، وبين الحرية المتاحة في الإطار ومنطقة الالتزام ، وبين ما ينتقده ويقابله بمبادرة يجتاز بها الطريق النضالي الطويل، كما يتجلى دور القناة التنظيمية الواجب بالبناء الكادري والجماهيري .
سابعا: كما أن الإيمان بالفكرة لا يظهر إلا بإتباعها قولا وعملا، فإن قناة التعبير عن الفكرة والثقافة الحركية يجب أن تكون سالكة ، ويجب أن تكون مهنية ، ومتطورة بحيث تصبح هذه القناة أو الوعاء أو الإطار أداة صالحة للاستيعاب وحُسن الاتصال وممارسة القيادة والإدارة والتخطيط والنقد ودقة المتابعة والرقابة.
إن ركائز الاهتمام في الفكر الحركي لا تتمحور حول الايمان بصحة الفكرة أو الغاية أو المبدأ فقط لأن المبادئ بدون أرجل لا تنتشر ، والأفكار دون حَمَلَة مشاعل يضيئون بها طريقهم وطريق الآخرين قد تموت ، والفكرة بما هي إنسانية إن لم تخضع للتجدد والتطور والتغيير في ظل معادلة الثابت والمتغير منها فإنها مرشحة لأن يتجاوزها الزمن، وهذا التجدد أو التطور من المهم للفكرة وحملتها أن يكون ضمن قنوات سالكة.
العضو الإنسان
حَمَلةَ النور هم الأعضاء في الحركة، لذا فإن التمحور في عمل الحركة القادم يجب أن ينصبّ لما فيه خير الأعضاء ومطالب الجماهير المتغيرة في سياق العمل النضالي.
إن الاهتمام بالعضو يجب أن يكون له الأولوية على الاهتمام (بالعضو في الإطار/الموقع/المركز) بمعنى التوجه في بناء العضو الشخص المبدع لا العضو القائد فقط، من حيث تنفيذه لما هو مطلوب منه من الواجبات وما يقابله من اكتساب الحقوق التي تعني بحجم مشاركته بالإطار والمبادرة والفعل الجماهيري، وما يقابله أيضا مما يحصل عليه من مكافأة أو مردود معنوي محبّب على إنجازاته، تتمثل بالدور والمكانة والاحترام استنادا لما يقوم به العضو من فعل ضمن مقياس تنظيمي دقيق، لا من منظور تبوئه لموقع قيادي ما ، ببساطة فإن الإنسان العضو هو الهدف وليس موقعه (او منصبه)، وعليه يصبح عبء ايجاد ومتابعة دور وعمل ومهمة ونشاط لكل عضو مسألة ذاتية، ومسألة حركية معا لا غنى عنها.
الإطار أو القناة السالكة
لا يمكن أن تجري المياه بشكل سلِس إلا عبر قنوات مفتوحة، ومن هنا تأتي ضرورة الاهتمام الواجب في حركة فتح بالإطار التنظيمي-خاصة بالأطر والمكونات القاعدية- الذي يجمع الأعضاء وينسق جهودهم ويتابع نشاطاتهم ويعبئهم ويثقفهم ويحفزهم، وقبل كل ذلك يحافظ على الصِلة معهم في ظل مركزية المتابعة والقرار وديمقراطية الرأي والإبداعات .
والإطار التنظيمي إن لم يكن قادرا على حمل الأعضاء نتيجة الخلل الذي قد يقع بأحد الاتجاهين من أعلى الى أسفل أو العكس يعني إما تجميد الحِراك والفعل الكلي، أو التهرب والتكلس وظهور فكر السلبية والإحباط والسوداوية، وربما الابتعاد العدواني، ومن هنا جاءت الأهمية للمرتكزات الثلاثة في الثقافة الحركية ألا وهي (الفكرة والعضو والقناة).
ومن هنا تأتي ضرورة إنشاء قناة موازية ومتقاطعة مع الإطار التنظيمي، متقاطعة لأن عملها متداخل كليا مع عمل الإطار التنظيمي، ولكنها موازية لأنها تعمل بشكل تخصصي محدد على طول الإطار التنظيمي من أعلى الى أسفل بالتنسيق الثابت مع الأطر فيما يتعلق بالتربية والتثقيف الحركي وذلك عبر معهد أو مؤسسة (اكاديمية) متخصصة بالتدريب وإعداد الكادر والتثقيف والدراسات الحركية.[6]
وفي إطار القنوات يجب أن يتعانق الفكري والسياسي معا، كما يندمج الفني والتربوي والتثقيفي بالقلم والفرشاة ولوحة المفاتيح، بما يشمله ذلك من شعر ونثر وقصة ومنشورات ومقالات ودراسات وكتابات متعددة ورعاية الكُتاب والبحاثة والعلماء والشعراء، وكذلك دعم الفنانين الفلسطينيين بكافة المجالات أكانت نتاجاتهم لوحات فنية أو تمثلات فنية عبر الحاسوب والشابكة (الانترنت) أو دبكات أو أناشيد أوغناء أو صناعة الشرائط (الأفلام) أو فرق تمثيلية ومسرحية تعيد بعث التراث والفلكلور الوطني الفلسطيني والاهتمام به وحسن إبرازه ما هو دور وطني وفتحوي في آن واحد لا يغنينا عن عمل فرقة تراثية أو فنية مركزية جنبا إلى جنب مع بناء مراكز أو لجان ثقافية في كل الأقاليم.
الثقافة والتجارب ووسائل الاتصال الحديثة
إن العالم قد تحول اليوم من خلال وسائل الاتصال الحديثة إلى قرية كبيرة ، لا نستطيع من خلالها أن نفرض رأيا أو فكرة أو منهجا أو قرارا إمن منطلق إنن لم تكن مرتكزة على: مقدار صِحة وصوابية الفكرة وفائدتها انعكاسًا على الواقع للفرد والمجتمع، انها الفكرة المرتبطة بالغاية، وبقدرة الأعضاء على التعبير عنها وتمثلها وتطبيقها، وعلى كفاءة الإطار بآليات التدريب والاجتماع والتثقيف والتكوين التنظيمي التي إن أهملت أصبحت التجارب الحركية متناثرة وأصبح الأعضاء كل في واد.
ومن هنا وجب التأكيد على أهمية (الإطار/الوعاء/القناة) من حيث تحقيقه لاحترام الفرد لذاته ودوره وعمله الجماعي، ومن هنا التأكيد على أهمية الإطار من حيث الفرصة المتاحة له فيه للحوار والتعبير والحديث والنقد والنقاش بدلا من أن يقضي الساعات الطوال ينفّس عن غضبه لعدم إعطائه الفرصة للتعبير في وسائل التواصل الاجتماعي على الشابكة (الانترنت) مفترضا أنه بذلك يقوم بدوره الحركي وما هذا إلا لانسداد أو عدم كفاءة أو عدم فاعلية القناة من جهة، ولسبب الأسلوب القيادي غير الفاعل بافتقاده قدرة الاستيعاب والاحتضان أو بعدم تفعيله لأداة المحاسبة والمتابعة من جهة أخرى، وأيضا لضعف إيمان العضو واستهتاره بدوره الحقيقي في الإطارمن جهة ثالثة.
إن ثقافة حركة فتح يجب أن تدمج بين تجاربها الأربعة الكبرى: تجربة القواعد الثورية في الخارج وتجربة المعتقلات في الوطن، وتجربة التنظيم في الخارج مع النقابات والعمل الاجتماعي، مع تجربة التنظيم في الوطن بشقيه الشعبي الاجتماعي وشقه الثوري التنظيمي.
ولتحقيق دمج التجارب في آليات العمل التثقيفي يقتضي منا حُسن التواصل الميداني أولا عبر الاجتماعات الدورية اللازمة، وعبر اللقاءات المتواصلة، ثم بامكانيات استخدام الشابكة والتقانة العالية عبر فتح أسس التواصل الحر في الفضاء الالكتروني وما يقتضيه ذلك من إنشاء كلية أو مدارس أو معهد عبر تكوين سلسلة محاضرات حركية (ودراسات وكتيبات ونشرات ورسائل، ومنشورات) تجعل من التنوع الحيوي هدفا يدمج بين المرئي (استخدام اليوتيوب وأشباهه) والصوتي (إنشاء أو دعم الإذاعات على الشابكة=الانترنت) وتسخير الصور والرسومات والمنتديات والملتقيات والمواقع، ووسائل التواصل الاجتماعي كلها بما يحقق مضامين الفكر الفتحوي، وتحقيق حُسن الاتصال بالاتجاهين، وبناء شخوص حملة النور، خاصة في قطاع الأشبال والطلاب في الوطن والخارج.
إن أهمية استثمار وسائل التواصل الاجتماعي والشابكة لا تغني مطلقا عن ضرورة العمل الميداني بل تُكامِله وتربِطه وتعرِضه ما دامت الجهة المقصودة في تثقيفنا هي العضو، لذا هو المعنِي فردا وجماعة بنشر فكر وثقافة ومواقف وسياسات الحركة للجماهير، بكل فئاتها من فلاحين وعمال ومناضلين قدماء وموظفين وتجار، وأيضا من حيث السن من الأشبال والزهرات وصولا للشبيبة، إلى كل فئات المجتمع بمؤسساته ونقاباته المختلفة.
كما أن للشابكة (شبكة الانترنت) والعمل الجماهيري الحركي عبر الندوات واللقاءات والتنسيقات دور أساسي بتحسين شكل التوجه للمؤسسات والأحزاب والتنظيمات في المجتمعات خارج فلسطين.
ضرورة دورات الكوادر في التنظيم السياسي
تتميز دورات الكوادر عادة بالأهمية الكبيرة لدى أي تنظيم سياسي ، وهي تتمتع بالأهمية الخاصة في حركتنا حركة فتح، لأنها من أهم وسائل إعداد وبناء وتربية وتثقيف الكادر في بناء شمولي، وذلك من منطلق أن بناء الكادر في حركتنا لا يقتصر على البناء النظري أو التثقيفي أو الفكري الهام والضروري قطعا ، وإنما يجب أن يشتمل أيضا على رفع مستوى السلوك والعمل والعطاء العام لديه، بما يعزز أركان البناء في شخصيته والتي منها:
1-الإدراك للفكرة والوعي والمعرفة
2- الشجاعة وقوة الإرادة
3-الحرية والتفكير المبدع
4-تقبل النقد واحتضان الآخر
5-الانتماء والالتزام والشعور بالاعتزاز
6-الخلق القويم والضمير الحي
7-قيم الجماعة والعمل المشترك .
ودعنا نقولها بشكل آخر فإن من أهدافنا هو تدعيم بناء الشخصية الوطنية الواعية والملتزمة، وهي الشخصية المنفتحة بإكسابها طرائق تفكير ومسالك عبور ومنهج عقلي، وشخصية مناضلة تؤمن وتريد وتعطي وتنجز وتفعل وذلك بروح الفريق الواحد.
بكر أبوبكر[1]
جوهر المقال
ينطلق المقال من معادلة مركزية تجمع بين ثلاثة عناصر: الوعي + التثقيف + التدريب = الشخصية الواعية المناضلة. فالوعي الذاتي هو الأساس الذي تُبنى عليه المرجعية الفكرية، والتثقيف الذاتي يبقى -مهما بلغت جلسات التنظيم ودوراته- لا غنى عنه ولا بديل له، بينما التدريب هو الممارسة الفعلية التي تُحوّل الفكرة إلى إنجاز على الأرض.
المحاور الرئيسية
· فتح وتاريخ الفكرة: يعرض المقال كيف مارست فتح التدريب عمليًا منذ انطلاقتها عبر شعارات مثل “لتتفتح ألف زهرة في بستان الثورة” و”العمل العسكري يزرع والعمل السياسي يحصد”، مقدّمة الفعل والمبادرة على التنظير، وموزّعة هذا التدريب بين تجارب أربع كبرى: القواعد الثورية، والمعتقلات، والتنظيم في الخارج، والتنظيم في الوطن.
· المسألة الثقافية: يؤكد أن الثقافة الحركية ليست حكرًا على نخبة، بل هي زاد يومي يبني الشخصية في أبعادها الخمسة (الجسد، النفس، الروح، العاطفة، العقل)، مستشهدًا بمقاربة د. مازن صافي حول العلاقة بين القراءة الورقية وبناء الوعي.
· مكوّنات التثقيف الحركي: يفصّل سبعة محاور تشمل هدف النضال المرحلي، ثقافة النضال الجماهيرية، الرواية التاريخية، مواجهة الاحتلال، طرائق التفكير العلمية، الحياة التنظيمية الديمقراطية، وسلامة قناة التعبير عن الفكرة.
· العضو والإطار: يميّز بين الاهتمام بـ”العضو الإنسان” و الاهتمام بموقعه، معتبرًا أن الإنسان هو الهدف لا المنصب، ويشدد على أهمية الإطار التنظيمي كـ”قناة سالكة” تجمع الأعضاء وتثقفهم وتحفزهم.
· دورات الكوادر والأهداف الكبرى: يختم بربط دورأكاديمية عثمان أبوغربية بسبعة أركان لبناء الشخصية (الإدراك، الشجاعة، حرية التفكير، تقبل النقد، الانتماء، الخُلق القويم، قيم الجماعة)، مؤكدًا أن البناء الشمولي للكادر يتطلب مزجًا دائمًا بين النظري والعملي.
مقدمة
في إطار تفعيل السياق الفكري والثقافي والتعبوي داخل أي بلد، وفي التنظيمات السياسية الثورية المناضلة، ومنظماتها (الداخلية أو الحزبية مثل المرأة، الشبيبة، العمال…) تبرز فكرة التثقيف أوفكرة التربية الداخلية المرتكزة على أسس من التاريخ، تاريخ الأمة وتاريخ البلد، ومسار القضية منذ الجذورحتى الاشتباك، وآليات التصدي وفكرة الثورة والتحرير والكيانية والوحدة…الخ، والمقاومة والأشكال، ونشأة وتطور المنظمة (التنظيم السياسي) ونقد لمراحل تاريخية، واستفادة من التجارب، والاطلاع على عديد الملفات السياسية والدبلوماسية من تجارب الثورات والدول الأخرى، ومن ذات تجربة التنظيم في المجالات المختلفة وفي أبعادها الداخلية والخارجية وهو ذات الأمر الحاصل عندنا في تنظيمات (منظمات، فصائل..) العمل الوطني الفلسطيني.
إن التَّثْقيف الذَّاتيّ[2] المنصوص عليه في النظام الداخلي لفتح يعني: اعتماد المرء على نفسه في اكتساب ثقافته، خلاف من يتثقّف على أساتذة أو في مدرسة أو جامعة أو من خلال الجماعة أو أطر التنظيم السياسي عبر الجلسات الدورية واللقاءات والدرورات وهي المطلوبه أيضًا لكن لا تغني بتاتًا عن التثقيف الذاتي.
إن التمكين للعضو والكادر من خلال التثقيف هو أكثر من مجرد مفهوم؛ حيث لا يمكن تحقيقه إلا إذا شملت العملية التعليمية التربوية التثقيفية الجماعية أيضًا أساليب تعلم تشاركية وذات صِلة بالحياة اليومية والخبرات التي يعيشها الكوادر.
إن هذه المعرفة والوعي لمبادئ التنظيم والفكر والسياسة والتاريخ والرواية تعني تشجيع أي واحد فينا وتمكينه من أخذ زمام المبادرة لاحترام وحماية وتعزيز الفكر النضالي العربي الفلسطيني والدفاع عنه وتشكيل حالة جذب بالقدوة للجماهير.
ودومًا ما يثور السؤال بالأولوية فهل الأولوية تتمثل بالكم المطلوب تمثله، عبرقراءته وفهمه أوحفظه مما سبق من مواد تثقيفية كما تفعل التنظيمات الفكرانية (الأيديولوجية)؟
أم أن الأولوية لتنمية الوعي، وأبرزه الوعي الذاتي الذي هو الأصل والمقدمة اللازمة للبناء الذاتي والتطوير، وهو الأصل للتثقيف في معادلة التعبئة التنظيمية وصولًا للثبات الشخصي والجماعي ومتانة المرجعية وفتح الذهن نحو تقبل الأفكار؟ وعليه يتم امتلاك المنهجية والمرجعية.
نحن نعتقد أن معادلة ثلاثية ]التوعية والتثقيف والتدريب[ هي المعادلة الصالحة للسير في اتجاه البناء الداخلي في أي تنظيم سياسي وخاصة السياسي الثوري صاحب القضية الكبرى القضية المركزية القضية الأساسية التي تمثل عامل التماسك وعامل الجذب بين مختلف المكونات التنظيمية أو الفكرية، البنائية والهيكلية.
تمثل الوعي بالاستيعاب وبناء الوعي أولوية، ومنه تنشأ الحاجة وينشأ الحافز وتظهر جوانب الشخصية القادرة على الانتقال لمرحلة التثقيف الذاتي حتى لو قصّر المجموع (البلد،التنظيم أوالجماعة أوالإطار..) في ذلك وفي ذات الوقت فإن عملية بناء الذات عبر الوعي هي آلية يتم استخدامها لتنمية الطاقات الكامنة-الموجودة لدينا جميعًا ولكنها غير محفّزة- لدي كل منا وتسليط الضوء على مالا نكون ندركه أو أهملناه في خضم الحياة فتنشأ بالتوعية (الذاتية أو عبر التدريب من قبل مختصين ما يشعل الحافز الخارجي) وبناء الوعي وعينا الذاتي والجماعي ننشأ قادرين على التفكيروامتلاك المنهج وعلى التعلم وعلى التطوير كلّه في مسار العملية التربوية والتثقيفية.
في الجامعات المختلفة يتعلم الطلاب كيف يفكرون أو (تعلم كيف تتعلم)، ويتعلمون المهارات اللينة اللازمة لكل مسارات الحياة بأولوية تسبق المهارات الصلبة (التخصصات التي يدرسونها) لأن الأولى حياة والثانية تخصّص يخدم الحياة.
وفي ذات الوقت نستطيع بمثل هذاالوعي المتشكل أن نمتلك المنهج الفكري، والقاعدة اوالمرجعية النضالية المتينة. وعبر أن نمتن بالقراءات العميقة هذه المرجعية الفكرية وننهض بالعمل ذو الديمومة الى الأمام لنتصدى لأي مهمة أو أي مشكلة تواجهنا، أو لحل أي معضلة تصادفنا فنكون أعضاء فعّالين في حقلنا الذاتي والجماعي النضالي/الجهادي أي كان.
معادلتنا السهلة الصعبة للكادر (الإطارات الحركية بالمصطلح العربي المغاربي) للأعضاء في أي تنظيم سياسي، وخاصة الثوري النضالي تبدأ بالذات حيث تحرير الانسان مرتبط بتحرير الأرض كما رفعت ثورتنا الشعار وأصابت به.
دعني أصور الأمر بمعادلة سهلة لأقول أن:
معادلة: وعي+تثقيف+تدريب=الشخصية الواعية المناضلة.
والوعي (الذاتي) له قاعدة وله نواتج وعليه فإن
قاعدة الوعي=تبني الخلفية الفكرية/المرجعية، وتؤسس المنهج، وتمتنها فتصبح جبل الاستناد+تشكل حافزالدفع والتأثير بالذات والآخرين، ونحو التثقيف والعمل المتواصل.
أما نواتج الوعي= اكتساب آليات التعلم والتفكير والمهارات، والقيم اللازمة لدفع العربة الى الأمام+ممارسة التثقيف الذاتي والبناء المعرفي، وتحقيق الانجازات.
وفي كل هذا وفي كل المراحل لابديل عن الإيمان، ولا بديل عن المران والتدريب المتواصل. (أنظر الشكل المرفق)
وصدق المفكر علي شريعتي حينما أولى الحرث في حقل الذات اهتمامه، كما صدق المفكر مالك بن نبي حينما رأي في شروط النهضة الانسان، وصدق المفكر خالد الحسن حينما تجول بين المناهج ليضع أصبعه على منهج التفكير السياسي الواقعي، وأصاب فتح الله كولن في الجهاد الداخلي والخارجي في الذات، وأجاب المفكر المهدي المنجرة على المطلوب من الحاكم والسياسي تجاه أبناء الأمة حينما قال أنه يجب: (محاربة الامية وتعميم التعليم باللغة الوطنية لبناء إنسان عربي مثقف من المهد إلى اللحد، قادر على مواكبة المعرفة والمستجدات التقانية، وذلك بتخصيص نسبة مهمة من الناتج الوطني الإجمالي للبحث العلمي، الذي لا يمكن أن ينتعش إلا بتوفير جو من الحرية لأصحاب المواهب العلمية والتقنية لأجل الإبداع والعطاء) ضمن احترام الخصوصية الثقافية لأمتنا، وليس استنساخ الفرانكوفونية أو الانجلوساكسونية..
في آلية بناء الذات من الشخص ذاته، أو من الجهة الراعية (البلد، أوالتنظيم، أو اللجنة المختصة، أوالمؤسسة…) حثّ وتحفيز على تفعيل غير المفعل، وتعظيم ما كان مغفلًا، وتقوية مسارات الدفع الذاتي للأمام، فيتحول العضو في المجتمع أوفي التنظيم السياسي خاصة الى شخصية مؤمنة، واعية مناضلة مفكرة باحثة دومًا عن الحقيقة وبالعمل دون كلل نحقق النصر القادم بإذن الله، ولا يتم التوقف عند معضلة التثقيف أولًا أم بناء الذاتي أو تنميتها أولًا.
فتح وتاريخ الفكرية[3]
حركة فتح التي تم انشاؤها ثم انطلاقتها الأولى والثانية على مراحل وفترات، شكلّت بذلك مفهوما متدرّجا في العمل الثوري، فلم تُقدم على الفعل الثوري إلا بعد مرحلة تمهيد الأرض ومرحلة اعداد استغرقت زمنا كان لزاما عليها قطعه لغرض انضاج الفكرة ضمن منطق نضوج الثمرة التي يحتاج قطافها لتهيئة الأرض وحرثها ومن تم زراعتها وسُقياها والاعتناء بها، وهو ما أشارت له الحركة ضمن أدبياتها بعدم استباق النتيجة بعمل متسرع أو بعمل قبل أوانه. فللزراعة أوانها، والعناية لا حدود لها، وللقطاف أوالحصاد موسمه.
إن الشعار السياسي الذي ركّبته حركة فتح بمقولة (لتتفتح ألف زهرة في بستان الثورة، في بستان فتح) شعار يتقصد مزج التجارب والأفكار والقدرات.
وكان شعار العمل والمبادرة والفعل مُقدّما على التنظير مقياساً لمستوى الأداء والانجاز المتحقق على الأرض، لذلك لم تُجهد الحركة نفسها بتأليف الكتب الضخمة ذات الطابع النظري أو التنظيري، فأعطت المساحة للزهرات في بستان الثورة لتقوم عبر تلاقح التجارب وبتلاقي الأفكار والانغماس بالعمل بتحقيق الانجازات.
عاد الشعار المرتبط بالفعل والمبادرة في كل مراحل الثورة ليشكل مشعلًا محمولا باليد، فأطلقت فتح شعارها (العمل العسكري يزرع والعمل السياسي يحصد، ومجنون من يزرع ولا يحصد)، لتؤكد على المقولات الثلاثة الرئيسة منذ الانطلاقة وهي: العمل أو المبادرة أولا، ولكنه العمل المقرون بالإيمان بالله وبحتمية النصر، وبالتضحية. وهذه الثلاثية ما زالت تشكل حقيقة الحركة في سياقها النضالي الوطني.
الفعل الثوري والشعار السياسي المرتبط بتلاقي التجارب وصراع الأفكار، أو بالتجريبية والواقعية السياسية، وضمن نفس المساحة التي تتيح مثل هذا التبادل في آلية الاجتماع والحوار والنقاش والنقد مثلث تدريبًا حقيقيًا للأعضاء في الحركة، كما هو الحال بالزمن الذي استغرقته بالإعداد للانطلاقة، مرة ومرتين، ثم تصعيدها، ومن ثم رسم جدول أعمالها وفق كل مرحلة.
إن فكرة التدريب السياسي والعسكري -وان ارتبطت كما أسلفنا بالعقلية العملية والعقلية التجريبية- وفي ظل مفهومي الإتاحة والازاحة بمعنى أن تتيح للفكرة أن تعبر عن ذاتها وتستقر، أو يتم ازاحتها بالعمل، ما كان بحقيقته من حيث التجربة في قطاعات حركة فتح المختلفة (التنظيم/النقابة، والمعتقلات، والقاعدة) أن شكّل تدريبًا عمليا على ما ستكونه حركة فتح كحركة طليعية جماهيرية وحدودية، تؤمن بالعمل، وتستثمر كل الطاقات لهدف لا ثاني له وهو تحرير فلسطين.
نفهم جليّا أن التدريب عامة ما هو إلا عملية مخطط لها مسبقا ومنظّمة وانسانية ومستمرة، يقصد بها تغيير أو تطوير أو تثبيت فكرة أو قيمة او مسلك أو منهج أداء، ويقصد بها أيضا تقليص جوانب الخلل أوفجوة الأداء في المؤسسة، ومن هذا التعريف يكون التدريب التنظيمي او السياسي.
فكرة التدريب السياسي جاءت عبر الممارسة في كافة الميادين، والتدريب العسكري كان له سياقه ومجاله والذي وجد التطبيق العمل له بالميدان. ورغم (عملية) التطبيق للسياسي واستخدام أسلوب التدريب بإلقاء السبّاح بالبحر ليتعلم العوم ما هو أصل التدريب في الحركة، إلا أنه في مرحلة مبكرة من انطلاقة الحركة تنبهت لضرورة المزج بين التثقيف والتدريب النظري والعملي، فكانت المدرسة الأولى لهذا التنبيه داخل التنظيم السياسي والنقابي، وداخل المعتقل من خلال (الاجتماع التنظيمي) أو الجلسات التنظيمية مكتملة الأركان، وفي تجربة (القاعدة الفدائية) من خلال التدريب الميداني، والزج بالطاقات بأتون المعارك.
لا يمكن أن تجد كادرًا في حركة فتح سواء انطلق من التجربة التنظيمية أو النقابية، أو تجربة القاعدة العسكرية، أو تجربة المعتقلات الا ويحمل معه إرثا من الخبرات المرتبطة بالقيادة من جهة، وبالمهمة الموكلة له من جهة أخرى، وبمستوى الإنجاز المتحقق الذي هو جزء منه.
عندما تشعّب العمل في حركة فتح وتوزعت الكوادر على الميادين السياسية والاعلامية والدبلوماسية والاقتصادية والأكاديمية والاجتماعية وغيرها فإنها عادت للوطن مع دخول السلطة عام 1994 لتضع ركائز السلطة والدولة.
بقيت التجربة التنظيمية (الإطار الداخلي والنقابة والمعتقلات) هي المعبّر عن جسم التنظيم الرئيسي في مقابل الأجسام أو الأطر الأخرى التي سارت في ميادين فعل أخرى (الغربي والأمن وصامد … الخ ثم لاحقا مؤسسات السلطة).
هذه التجربة التي اهتمت ببناء الانسان أساسا من النواحي الفكرية والثقافية والمسلكية والروحية والقيَمِيّة هي ما أعطت للجسم الحركي الفضفاض حيويته، وجعلت من اتساعه رحابة وليس فوضى، وجعلت من تداخل الأفكار فيه سِعة وليس استبدادا، ومن الصراعات الداخلية مفتاحا دائما للتغيير وليس معولا للهدم.
مما لا شك فيه أننا مررنا بمراحل تاريخية عصيبة في ثورتنا وقضيتنا وحركتنا، لم يكن فيها الا أن انتكسنا أو كبونا فخرج القطار عن السكة في مراحل، والذي لطالما أعيد لسكته عبر الالتفاف حول الفكرة الجامعة والتاريخ الممتد منذ الكنعانيين حتى ياسر عرفات، وحول قيم المحبة والتضحية والايمان التي شكلت عامل التمسك الأساس للوطنية الفلسطينية التي كرستها حركتنا.
التدريب في حركة فتح تمت ممارسته بكل بساطة من خلال الفعل (ألقِ بهم بالبحر)، ومن خلال الدوريات، ومن خلال المدارس في المعتقلات، ومن خلال الاجتماعات الدورية في التنظيم والنقابة ، ومن خلال التدريب بالقدوة والتدريب بالتجربة في الجهاز والمؤسسة والمفوضية والمكتب، ومن خلال الدورات الداخلية والخارجية، وإن طغت في الحركة (العملية) على التثقيف والتدريب النظري.
القاعدة والمعتقل والتنظيم خدمت مرحلة طويلة من عمر الثورة، وعندما تسلم الثوار زمام الأمور في إدارة السلطة تداخلت العقلية “الوظيفية” مع “الثورية” وتصارعت، فكان لزاما على الوطنية الفلسطينية ان تعتني وبشكل تخصصي ببناء الذات والمجموع فيما هو التشكّل التنظيمي أو الأطر التنظيمية، وحاجاتنا لها في كسب المزيد من الأنصار للفكرة الوطنية الجامعة، وإدراج الجماهير في آليات النضال.
وكل ذلك لا يتأتى -خاصة بعد مرحلة السلطة وتوهم الكثيرين للكسب السريع- الا بالتوجه نحو ذات الانسان والمجموع، وليس فقط البناء المادي لأسس مكونات وهيا كل السلطة أو الدولة ومن هنا تكون البداية الحقيقية لفهم معنى التثقيف والتدريب في حركة فتح.
المسألة الثقافية في حركة فتح[4]
أن المسألة الثقافية لا تعني بزمرة منفصلة عن الناس، كما أنها لا تخص فئة تسير بنا الى غرف مغلقة، وليست الثقافة فعلا محدودا أو موقوفا أو مقصورا على جماعة أو شخص كما يتوهمون، بل الثقافة هي (الزاد) و (المتاع) اليومي الذي يشكل في الحياة منهجا وسبيل عيش، وفي العقل حافزا ومحركا، وفي السلوك نتيجة وفعلا ناجزًا.
ولدى السياسي، وابن التنظيم السياسي تصبح الثقافة فعلا ضروريا لأنه معني بمخاطبة مساحات واسعة ونماذج متنوعة وجماهير ذات اهتمامات وتطلعات متعددة . مهما كان جامعها (قضية) موحدة فإن احتياجاتها لا تشكل عندها أمرا ثانويا وإنما مترافقا مع نداء الواجب.
إن الثقافة الحركية تعد المكان الأول في بناء الشخصية، وتنمية الفكر الفتحوي، وتمثّل حقيقة التعبئة ومضامين المبادئ والأهداف والمنطلقات التي يجب أن تكون الهادي والمرشد لمسيرة الحركة والشعب، ولطريقة عمل الأعضاء والكوادر وفي نظرتهم للأمور، وفي استعدادهم للعطاء والبذل، وبناء الشخصية في اتجاهاتها الخمسة : الجسد والنفس والروح والعاطفة والعقل.
إن تكامل الفكرة الحركية في “فتح” تتجلى من حيث هي فكرة وطنية جامعة ، فكرة تحررية للوطن والإنسان، ومن حيث هي فكرة عقلانية تشاركية ديمقراطية بالمجتمع، ومن حيث هي فكرة بناء لا هدم للكيانية الوحدوية الجامعة ، ما يعني أنها فكرة عميقة وأصيلة متجذرة، ومن هنا يأتي دور كافة الكوادر والأطر الحركية أساسا، ويأتي داعما ومساندا لها فعل التدريب والتثقيف والدراسات عبر مؤسسة متخصصة.
يكتب د.مازن صافي[5] حول الثقافة ونجاح الرؤية ما يستحق اقتباسه: “إن الوعي المعرفي هو ركيزة كل عقل قادر أن يتجاوز الأزمات ويقود مراحل التغيير والإبداع والبناء، ولا يمكن أن يتشكل الوعي بدون القراءة، ومن هنا يعتبر الكتاب الورقي خير جليس، وخير صديق، ولا يمكن بأي حالٍ من الأحوال الاستغناء عنه بمجموعة من الأفكار المجزأة في الصفحات الالكترونية المختلفة، لأن قراءة الكتاب تعتبر فناً خاصاً وإثراءً خصباً للنفس البشرية وللعقل الواعي وللمعرفة الشمولية، ويبدأ الحوار دائما من فوق صفحات الكتاب وأنت تضع ملاحظاتك أو تناقش نقاط وردت فيه بحيث تنتهي من القراءة لتبدأ في التحليل وولادة الأفكار الجديدة وثقل قدرة الحوار مع الآخر.
إن الثقافة والوعي هي مفاتيح ماسية تقود إلى النجاح، وهي أداة إعداد الإنسان القوي في جغرافية مسؤولية وعمومية تواصله، ولا يمكن أن يكون هناك رؤية سليمة بدون ثقافة قوية، فالثقافة هي عالم المعلومات المتدفق، إن الثقافة هي التعلم وهي التعليم وهي المعرفة والفهم والاستيعاب والمتابعة والاستنهاض الذاتي، فحتى الدول الكبيرة لم تنهض إلا بالعلم والثقافة، ولا يمكن أن يتطور أي مجتمع أو تنظيم أو حركة أو إطار أو حتى مجموعة دون وجود الثقافة واستمرار التثقيف، لأنه المفتاح السحري لكل الأبواب المغلقة ولكل المسارات المعقدة، ولا يمكن لأي تنظيم أن يذهب بنجاح للمستقبل إلا بقوة المعرفة والثقافة والعلم عند أعضائه، وحين يضعف أي تنظيم ابحثوا عن الثقافة التي يتسلح بها الأعضاء فيه، فالثقافة هي الالتزام وهي القيم والمسلكيات وهي التقدم وأساس المنهج والرؤية، وما ينبثق عنها من برنامج ومبادرات وبناء، ومن واقعية القول أن أي نجاح وتطور واستمرارية سيبقى مرهونًا بكمية ونوعية الثروة الثقافية والوعي في المجتمع.”
الوطنية والتحرير والثقافة الحركية
تأخذ الوطنية عندنا معنى التخصيص والتكريس والأولوية لفلسطين، لا معنى الانعزال أوالإقليمية والانكفاء عن المحيط العربي، وهي بذلك مبدأ أو فكرة لا تنطلق من فراغ، وإنما من واقع الارتباط الحضاري العربي الإسلامي في الأفق الحضاري العالمي، العقلاني والمتفتح على تجارب الشعوب قاطبة.
وبذات الوقت فإن فكرة التحرر في حركة فتح لا تقتصر على منطق تحرير الذات والمجتمع من رواسب الجهل والتفكير السلبي ،لسبب النكبة والواقع الفاسد وغيرها، ولا تنطلق فقط من واقع الظروف الصعبة وما تحمله من مشاعراليأس والقنوط لدى البعض، و انما تبغي الى ذلك تحرير الوعي الحضاري الشمولي.
وتسعى فكرة أو مبدأ التحرر للتخلص من واقع الاحتلال الجغرافي الإسرائيلي لبلادنا عبر المقاومة الشعبية بكافة الأشكال، وليس هذا فقط ، وإنما التحرر أيضا من شِباك الغزو الثقافي-الاقتصادي الصهيوني الاستعماري لعقولنا وأرضنا ومقدراتنا في فلسطين والمنطقة العربية.
إن القدرة الحركية في “فتح” وفكرتها أيضا تتجلى في التشاركية حيث تؤمن بالعقلانية لا بالأساطير والخرافات الممزوجة بسياقات فكرية، وتؤمن بالحوار والاختلاف والديمقراطية ضمن معادلة الحرية والالتزام في داخل التنظيم، وهو ما أسس فيها للفكرالوحدوي الذي يجمع المؤتلفين والمختلفين معا في إطار الثورة و (م.ت.ف) ثم في إطار السلطة والدولة القادمة الذي وهو الفكر أو المبدأ الفتحوي الذي يرفض الإقصاء والاستعلاء ورفض الآخر.
إن حركة فتح في سعيها لأخذ دور فوق وطني-إنساني تسعي لأن يكون لها موقع في النسيج العربي والإسلامي والعالمي من حيث دعوتها الشمولية لتحرر الفكر والثقافة وارتباطها البناء بالحضاري العربي الإسلامي وإسهاماته المسيحية الشرقية، الذي يتقبل الآخر وفي نطاق تحقيق الأهداف الإنسانية الجامعة بالحرية والمساواة والعدالة والتقدم.
مكونات التثقيف الحركي والتعبئة
من الممكن أن نتعرض للثقافة وعملية التثقيف والتعبئة للشعب الفلسطيني وفي حركة فتح في سياق 7 أمور
الأول يتمثل في: سعينا الدائب لتحقيق هدف وغاية النضال الفلسطيني المرحلي المتمثل بتحقيق مشروعنا الوطني بالتحرير والعودة والدولة في سياق النضال الثوري السياسي، وفي إطار الانتماء للأمة العربية بحرنا الزاخر، ولحضارتنا العربية الاسلامية المنفتحة.
ثانيا: إن ثقافة الحركة، والثقافة الوطنية الفلسطينية عامة هي ثقافة النضال الوطني الفلسطيني وهي ثقافة البناء لمكونات الوطن، وهي ثقافة الجماهير بكل شرائحه، لأنها ثقافة مشروعنا الوطني، ولأنها ثقافة الكفاح والمقاومة بطابعها الجماهيري الشامل وليس النخبوي أو الضيق، ما يستدعي برنامجا وطنيا متكاملا لإمضاء ما أطلقنا عليه (الحرب الشعبية طويلة النفس) اليوم بصيغة المقاومة الشعبية الشاملة.
والثالث:يتمثل في بناء ونشر الفكرة والرواية التاريخية الحضارية التي تمثلنا والتي تبرز حقيقة التمايز (والتأكيد) بين إيماننا المطلق بأن أرض فلسطين (التاريخية) لنا منذ الأزل والى الأبد، وبين سعينا لحل واقعي يأخذ بالاعتبار قواعد علم السياسية وفن الممكن ومتغيرات الإقليم.
الرابع إن ثقافتنا يجب أن تكون ثقافة وعي وفهم وتصدي ومواجهة تواجه طبيعة الاحتلال الصهيوني (الاحتلالي الإحلالي الإلغائي للآخر) الذي يحاول إلغاء وجود الـشعب الفلـسطيني عبـر تزويـر الحقـائق التاريخية والسياسية وعبر التكريس للوقائع على الأرض، وعبر طمس هويته الوطنية، وتشويه صورة نضاله، وسلبه حقوقه المشروعة
أما خامسا فإن على الثقافة الفلسطينية والحركية خاصة أن تجهد في بناء أو دعم طرائق تفكير علمية عقلانية ايجابية تحفيزية ابداعية في عقول المنتمين للحركة بحيث يتمكنون من رفد الحركة بعطاءاتهم وبرامج عملهم اليومية، ولا يكونوا كما مهملا أو أرقاما في سجل العضوية بلا نفع، فدرب الثورة طويل وشاق ولا يصمد فيه إلا الرجال والنساء المؤمنون بيقين، لا تخالطه شكوك بضرورة التحدي والتضحية والنصر.
وفي ذات السياق العقلاني يتم دعم الانتماء الوطني فوق الانتماء الحزبي العصبوي الضيق ما يؤكد فكر حركة فتح الرحب الذي ينهد للحرية والحوار والديمقراطية، وهو الفكر الوحدوي الجامع، الذي يرفض التفرد أو الهيمنة أو الحصرية أو الإقصاء للآخر.
سادسا أن بناء الذات والتعبئة والتثقيف في حركة فتح يقتضي تكريس معنى الحياة التنظيمية الديمقراطية بما هي التزام وحرية، وتأكيد دور التنظيم الأساسي بتحقيق الالتحام بالجماهير بكافة فئاتها وشرائحها، وما يمتزج مع ذلك من ممارسة بث الوعي وخدمة الشعب، ما يقتضي من التنظيم بالآليات المناسبة: تكريس مبدأ الاجتماعات الدورية والدورات واللقاءات والندوات والثقافة الذاتية والجماعية للكوادر وللجماهير، ما يقتضي قيام العضو من تلقاء نفسه ببناء شخصيته بالعلم والعمل عبر التجارب والقيام بالنشاطات ، أي بالممازجة الفعلية بين النظري والتطبيقي، وبين ما يقوله ويفعله، وبين الحرية المتاحة في الإطار ومنطقة الالتزام ، وبين ما ينتقده ويقابله بمبادرة يجتاز بها الطريق النضالي الطويل، كما يتجلى دور القناة التنظيمية الواجب بالبناء الكادري والجماهيري .
سابعا: كما أن الإيمان بالفكرة لا يظهر إلا بإتباعها قولا وعملا، فإن قناة التعبير عن الفكرة والثقافة الحركية يجب أن تكون سالكة ، ويجب أن تكون مهنية ، ومتطورة بحيث تصبح هذه القناة أو الوعاء أو الإطار أداة صالحة للاستيعاب وحُسن الاتصال وممارسة القيادة والإدارة والتخطيط والنقد ودقة المتابعة والرقابة.
إن ركائز الاهتمام في الفكر الحركي لا تتمحور حول الايمان بصحة الفكرة أو الغاية أو المبدأ فقط لأن المبادئ بدون أرجل لا تنتشر ، والأفكار دون حَمَلَة مشاعل يضيئون بها طريقهم وطريق الآخرين قد تموت ، والفكرة بما هي إنسانية إن لم تخضع للتجدد والتطور والتغيير في ظل معادلة الثابت والمتغير منها فإنها مرشحة لأن يتجاوزها الزمن، وهذا التجدد أو التطور من المهم للفكرة وحملتها أن يكون ضمن قنوات سالكة.
العضو الإنسان
حَمَلةَ النور هم الأعضاء في الحركة، لذا فإن التمحور في عمل الحركة القادم يجب أن ينصبّ لما فيه خير الأعضاء ومطالب الجماهير المتغيرة في سياق العمل النضالي.
إن الاهتمام بالعضو يجب أن يكون له الأولوية على الاهتمام (بالعضو في الإطار/الموقع/المركز) بمعنى التوجه في بناء العضو الشخص المبدع لا العضو القائد فقط، من حيث تنفيذه لما هو مطلوب منه من الواجبات وما يقابله من اكتساب الحقوق التي تعني بحجم مشاركته بالإطار والمبادرة والفعل الجماهيري، وما يقابله أيضا مما يحصل عليه من مكافأة أو مردود معنوي محبّب على إنجازاته، تتمثل بالدور والمكانة والاحترام استنادا لما يقوم به العضو من فعل ضمن مقياس تنظيمي دقيق، لا من منظور تبوئه لموقع قيادي ما ، ببساطة فإن الإنسان العضو هو الهدف وليس موقعه (او منصبه)، وعليه يصبح عبء ايجاد ومتابعة دور وعمل ومهمة ونشاط لكل عضو مسألة ذاتية، ومسألة حركية معا لا غنى عنها.
الإطار أو القناة السالكة
لا يمكن أن تجري المياه بشكل سلِس إلا عبر قنوات مفتوحة، ومن هنا تأتي ضرورة الاهتمام الواجب في حركة فتح بالإطار التنظيمي-خاصة بالأطر والمكونات القاعدية- الذي يجمع الأعضاء وينسق جهودهم ويتابع نشاطاتهم ويعبئهم ويثقفهم ويحفزهم، وقبل كل ذلك يحافظ على الصِلة معهم في ظل مركزية المتابعة والقرار وديمقراطية الرأي والإبداعات .
والإطار التنظيمي إن لم يكن قادرا على حمل الأعضاء نتيجة الخلل الذي قد يقع بأحد الاتجاهين من أعلى الى أسفل أو العكس يعني إما تجميد الحِراك والفعل الكلي، أو التهرب والتكلس وظهور فكر السلبية والإحباط والسوداوية، وربما الابتعاد العدواني، ومن هنا جاءت الأهمية للمرتكزات الثلاثة في الثقافة الحركية ألا وهي (الفكرة والعضو والقناة).
ومن هنا تأتي ضرورة إنشاء قناة موازية ومتقاطعة مع الإطار التنظيمي، متقاطعة لأن عملها متداخل كليا مع عمل الإطار التنظيمي، ولكنها موازية لأنها تعمل بشكل تخصصي محدد على طول الإطار التنظيمي من أعلى الى أسفل بالتنسيق الثابت مع الأطر فيما يتعلق بالتربية والتثقيف الحركي وذلك عبر معهد أو مؤسسة (اكاديمية) متخصصة بالتدريب وإعداد الكادر والتثقيف والدراسات الحركية.[6]
وفي إطار القنوات يجب أن يتعانق الفكري والسياسي معا، كما يندمج الفني والتربوي والتثقيفي بالقلم والفرشاة ولوحة المفاتيح، بما يشمله ذلك من شعر ونثر وقصة ومنشورات ومقالات ودراسات وكتابات متعددة ورعاية الكُتاب والبحاثة والعلماء والشعراء، وكذلك دعم الفنانين الفلسطينيين بكافة المجالات أكانت نتاجاتهم لوحات فنية أو تمثلات فنية عبر الحاسوب والشابكة (الانترنت) أو دبكات أو أناشيد أوغناء أو صناعة الشرائط (الأفلام) أو فرق تمثيلية ومسرحية تعيد بعث التراث والفلكلور الوطني الفلسطيني والاهتمام به وحسن إبرازه ما هو دور وطني وفتحوي في آن واحد لا يغنينا عن عمل فرقة تراثية أو فنية مركزية جنبا إلى جنب مع بناء مراكز أو لجان ثقافية في كل الأقاليم.
الثقافة والتجارب ووسائل الاتصال الحديثة
إن العالم قد تحول اليوم من خلال وسائل الاتصال الحديثة إلى قرية كبيرة ، لا نستطيع من خلالها أن نفرض رأيا أو فكرة أو منهجا أو قرارا إمن منطلق إنن لم تكن مرتكزة على: مقدار صِحة وصوابية الفكرة وفائدتها انعكاسًا على الواقع للفرد والمجتمع، انها الفكرة المرتبطة بالغاية، وبقدرة الأعضاء على التعبير عنها وتمثلها وتطبيقها، وعلى كفاءة الإطار بآليات التدريب والاجتماع والتثقيف والتكوين التنظيمي التي إن أهملت أصبحت التجارب الحركية متناثرة وأصبح الأعضاء كل في واد.
ومن هنا وجب التأكيد على أهمية (الإطار/الوعاء/القناة) من حيث تحقيقه لاحترام الفرد لذاته ودوره وعمله الجماعي، ومن هنا التأكيد على أهمية الإطار من حيث الفرصة المتاحة له فيه للحوار والتعبير والحديث والنقد والنقاش بدلا من أن يقضي الساعات الطوال ينفّس عن غضبه لعدم إعطائه الفرصة للتعبير في وسائل التواصل الاجتماعي على الشابكة (الانترنت) مفترضا أنه بذلك يقوم بدوره الحركي وما هذا إلا لانسداد أو عدم كفاءة أو عدم فاعلية القناة من جهة، ولسبب الأسلوب القيادي غير الفاعل بافتقاده قدرة الاستيعاب والاحتضان أو بعدم تفعيله لأداة المحاسبة والمتابعة من جهة أخرى، وأيضا لضعف إيمان العضو واستهتاره بدوره الحقيقي في الإطارمن جهة ثالثة.
إن ثقافة حركة فتح يجب أن تدمج بين تجاربها الأربعة الكبرى: تجربة القواعد الثورية في الخارج وتجربة المعتقلات في الوطن، وتجربة التنظيم في الخارج مع النقابات والعمل الاجتماعي، مع تجربة التنظيم في الوطن بشقيه الشعبي الاجتماعي وشقه الثوري التنظيمي.
ولتحقيق دمج التجارب في آليات العمل التثقيفي يقتضي منا حُسن التواصل الميداني أولا عبر الاجتماعات الدورية اللازمة، وعبر اللقاءات المتواصلة، ثم بامكانيات استخدام الشابكة والتقانة العالية عبر فتح أسس التواصل الحر في الفضاء الالكتروني وما يقتضيه ذلك من إنشاء كلية أو مدارس أو معهد عبر تكوين سلسلة محاضرات حركية (ودراسات وكتيبات ونشرات ورسائل، ومنشورات) تجعل من التنوع الحيوي هدفا يدمج بين المرئي (استخدام اليوتيوب وأشباهه) والصوتي (إنشاء أو دعم الإذاعات على الشابكة=الانترنت) وتسخير الصور والرسومات والمنتديات والملتقيات والمواقع، ووسائل التواصل الاجتماعي كلها بما يحقق مضامين الفكر الفتحوي، وتحقيق حُسن الاتصال بالاتجاهين، وبناء شخوص حملة النور، خاصة في قطاع الأشبال والطلاب في الوطن والخارج.
إن أهمية استثمار وسائل التواصل الاجتماعي والشابكة لا تغني مطلقا عن ضرورة العمل الميداني بل تُكامِله وتربِطه وتعرِضه ما دامت الجهة المقصودة في تثقيفنا هي العضو، لذا هو المعنِي فردا وجماعة بنشر فكر وثقافة ومواقف وسياسات الحركة للجماهير، بكل فئاتها من فلاحين وعمال ومناضلين قدماء وموظفين وتجار، وأيضا من حيث السن من الأشبال والزهرات وصولا للشبيبة، إلى كل فئات المجتمع بمؤسساته ونقاباته المختلفة.
كما أن للشابكة (شبكة الانترنت) والعمل الجماهيري الحركي عبر الندوات واللقاءات والتنسيقات دور أساسي بتحسين شكل التوجه للمؤسسات والأحزاب والتنظيمات في المجتمعات خارج فلسطين.
ضرورة دورات الكوادر في التنظيم السياسي
تتميز دورات الكوادر عادة بالأهمية الكبيرة لدى أي تنظيم سياسي ، وهي تتمتع بالأهمية الخاصة في حركتنا حركة فتح، لأنها من أهم وسائل إعداد وبناء وتربية وتثقيف الكادر في بناء شمولي، وذلك من منطلق أن بناء الكادر في حركتنا لا يقتصر على البناء النظري أو التثقيفي أو الفكري الهام والضروري قطعا ، وإنما يجب أن يشتمل أيضا على رفع مستوى السلوك والعمل والعطاء العام لديه، بما يعزز أركان البناء في شخصيته والتي منها:
1-الإدراك للفكرة والوعي والمعرفة
2- الشجاعة وقوة الإرادة
3-الحرية والتفكير المبدع
4-تقبل النقد واحتضان الآخر
5-الانتماء والالتزام والشعور بالاعتزاز
6-الخلق القويم والضمير الحي
7-قيم الجماعة والعمل المشترك .
ودعنا نقولها بشكل آخر فإن من أهدافنا هو تدعيم بناء الشخصية الوطنية الواعية والملتزمة، وهي الشخصية المنفتحة بإكسابها طرائق تفكير ومسالك عبور ومنهج عقلي، وشخصية مناضلة تؤمن وتريد وتعطي وتنجز وتفعل وذلك بروح الفريق الواحد.



