منوعات
مقبرة طولكرم الحربية… شاهدٌ صامت على واحدة من أهم محطات التاريخ العسكري في فلسطين من معالم التاريخ القديم في طولكرم

مقبرة طولكرم الحربية… شاهدٌ صامت على واحدة من أهم محطات التاريخ العسكري في فلسطين
من معالم التاريخ القديم في طولكرم
إعداد: المحامي علي أبو حبلة والأستاذ عبد البري
وسط الحرم الجامعي لجامعة فلسطين التقنية – خضوري في مدينة طولكرم، يقف معلم تاريخي فريد من نوعه، ظل لأكثر من قرن شاهداً على أحداث جسام شهدتها فلسطين خلال الحرب العالمية الأولى، إنه مقبرة طولكرم الحربية، التي لا تمثل مجرد مكان لدفن الجنود، بل تُعد وثيقة تاريخية مفتوحة تجسد المكانة الاستراتيجية التي احتلتها مدينة طولكرم في مطلع القرن العشرين، حين كانت مركزاً عسكرياً ولوجستياً بالغ الأهمية في بلاد الشام.
وتعد المقبرة واحدة من أبرز المعالم التاريخية في محافظة طولكرم، إذ تختزن بين شواهد قبورها صفحات من تاريخ المنطقة، وتستحضر مرحلة مفصلية انتهى معها الحكم العثماني لفلسطين، وبدأت مرحلة الانتداب البريطاني، لتصبح بذلك شاهداً مادياً على التحولات السياسية والعسكرية التي غيرت وجه المنطقة.
طولكرم… مدينة استراتيجية في الحرب العالمية الأولى
في أيلول/سبتمبر عام 1918 شهدت مدينة طولكرم واحدة من أهم معارك الحملة العسكرية البريطانية في فلسطين، وذلك ضمن العمليات التي عُرفت بمعركة مجدو، والتي انتهت بانهيار الجبهة العثمانية في فلسطين.
ولم يكن اختيار طولكرم ساحةً للمعركة أمراً عابراً، فقد كانت المدينة تضم مقر قيادة الجيش العثماني الثامن، إضافة إلى محطة سكة حديد الحجاز – فرع فلسطين – التي كانت تمثل شريان الإمداد العسكري بين شمال فلسطين وجنوبها، فضلاً عن شبكة الطرق التي ربطت الساحل الفلسطيني بمرج ابن عامر والأغوار، الأمر الذي منح المدينة أهمية استراتيجية استثنائية.
وعقب انتهاء المعارك، أُنشئت مقبرة طولكرم الحربية في شهر سبتمبر 1918 لتضم الجنود الذين سقطوا خلال تلك المواجهات.
أكثر من تسعين قبراً لجنود من دول متعددة
تضم المقبرة اليوم أكثر من واحد وتسعين قبراً لجنود وضباط ينتمون إلى جيوش مختلفة شاركت في الحرب العالمية الأولى، من بينهم جنود من ألمانيا وتركيا والهند ومصر ودول أخرى كانت جزءاً من القوات المتحاربة آنذاك.
وتبرز في المقبرة أقسام منفصلة لدفن الجنود الألمان والأتراك، إلى جانب قبور جنود من الهند ومصر، وهو ما يعكس الطبيعة الدولية للحرب العالمية الأولى، ويجسد تشابك القوى العسكرية التي تقاتلت على أرض فلسطين.
ولا تقتصر أهمية المقبرة على عدد القبور، بل تمتد إلى تصميمها الهندسي الهادئ والنصب التذكاري القائم فيها، والذي يخلد ذكرى الجنود الذين قضوا في معركة طولكرم، لتبقى شاهداً على حقبة تاريخية مضطربة.
داخل جامعة خضوري
عندما تأسست كلية خضوري الزراعية عام 1930، والتي أصبحت لاحقاً جامعة فلسطين التقنية – خضوري، أصبحت المقبرة جزءاً من محيط الجامعة، لتجاور صرحاً علمياً وطنياً يعد من أقدم المؤسسات التعليمية في فلسطين.
ويمنح هذا التداخل بين التاريخ والتعليم المقبرة بعداً حضارياً خاصاً، حيث تتجاور ذاكرة الحرب مع رسالة العلم والبناء، في صورة تجسد قدرة المكان الفلسطيني على احتضان التاريخ والمستقبل معاً.
رعاية دولية مستمرة
تخضع مقبرة طولكرم الحربية لإشراف هيئة الكومنولث لمقابر الحرب، التي تتولى صيانة المقابر العسكرية التاريخية في عدد كبير من دول العالم، وتحرص على المحافظة على الموقع وفق المعايير الدولية الخاصة بالمقابر العسكرية التاريخية.
وقد حافظت المقبرة على طابعها الأصلي رغم مرور أكثر من مئة عام على إنشائها، لتبقى واحدة من أفضل المواقع التاريخية حفظاً في مدينة طولكرم.
محط اهتمام الوفود الدولية
على مدار السنوات الماضية، استقبلت المقبرة عدداً من الوفود الدبلوماسية والرسمية، ولا سيما الوفود التركية، التي اعتادت زيارة الموقع ووضع أكاليل الزهور على النصب التذكاري، تكريماً للجنود العثمانيين المدفونين فيه.
كما شهدت المقبرة زيارات لعدد من السفراء والقناصل والملحقين العسكريين والثقافيين، في تأكيد على المكانة التاريخية التي لا تزال تحظى بها، وعلى ارتباطها بالذاكرة المشتركة للدول التي شاركت في أحداث الحرب العالمية الأولى.
إرث تاريخي يستحق الحماية
تمثل مقبرة طولكرم الحربية جزءاً أصيلاً من التراث التاريخي الفلسطيني، فهي ليست مجرد مقبرة عسكرية، بل سجل مفتوح يوثق مرحلة مفصلية من تاريخ فلسطين الحديث، ويؤكد المكانة الاستراتيجية التي احتلتها مدينة طولكرم عبر العصور.
وتبرز الحاجة اليوم إلى مزيد من الاهتمام بهذا الموقع التاريخي من خلال إدراجه ضمن المسارات السياحية والثقافية، وتعزيز حضوره في الدراسات التاريخية، وإعداد برامج توثيقية تعرف الأجيال الجديدة بأهمية المدينة ودورها في الأحداث الكبرى التي شهدتها المنطقة.
إن الحفاظ على هذا المعلم لا يعني صيانة حجارة أو شواهد قبور فحسب، بل هو حفاظ على ذاكرة وطنية وإنسانية، تؤكد أن أرض فلسطين كانت وما تزال مسرحاً لأحداث صنعت تاريخ الشرق الأوسط، وأن مدينة طولكرم كانت في قلب تلك التحولات، شاهدة على الحرب، وحاضنة للسلام، وذاكرةً لا تزال تنبض بالحياة بعد أكثر من قرن من الزمان




