منها الجزائر وتونس وموريتانيا… إسرائيل تفرض قيودا على أطقم الخطوط الفرنسية وفق جنسياتهم والأخيرة تمتثل

منها الجزائر وتونس وموريتانيا… إسرائيل تفرض قيودا على أطقم الخطوط الفرنسية وفق جنسياتهم والأخيرة تمتثل
باريس- : كشف موقع ميديابارت الاستقصائي الفرنسي، استنادًا إلى مذكرة داخلية اطّلع عليها، أن شركة الخطوط الجوية الفرنسية (Air France) أبلغت أطقمها بتوجيه إسرائيلي جديد يقضي بمنع أفراد أطقم الطيران الذين يحملون جنسيات دول معينة من دخول المجال الجوي الإسرائيلي أو التحليق فوقه، وذلك عقب “محاولة هجوم إرهابي”.
جاء في المذكرة الداخلية التي حصل عليها موقع ميديابارت: “تشير الدولة الإسرائيلية إلى أنه لا يجوز لأي فرد من أفراد طاقم الطائرة يدخل المجال الجوي الإسرائيلي أن يحمل جنسية، أو جنسية مزدوجة، لدولة لا تربطها علاقات دبلوماسية رسمية بدولة إسرائيل”.
أوضح الموقع أن الوثيقة الداخلية أُرسلت مساء يوم الجمعة 9 أكتوبر، بعد أيام من المناقشات على أعلى المستويات داخل الخطوط الجوية الفرنسية، وفي وقت بدأت فيه تساؤلات الموظفين تتزايد بإلحاح. وبدأت القصة بطلب من بنيامين نتنياهو، الذي كلّف وزارة النقل بمراجعة “الإجراءات الأمنية” المتعلقة بالرحلات الدولية المتجهة إلى إسرائيل، وذلك بعد محاولة مساعد طيار عُماني اختطاف طائرة تابعة لشركة “فلاي دبي” في 30 سبتمبر، بهدف تحطيمها في مطار تل أبيب. وقد تمكن ركاب الطائرة من السيطرة على المهاجم في اللحظات الأخيرة.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي قد صرّح عبر قناة “فوكس نيوز” الأميركية المحافظة قائلًا: “لدينا قيود تمنع توظيف طيارين من دول لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل”، لكنه تساءل عن كيفية تطبيق هذا الحظر عمليًا، مضيفًا: “هناك ثغرة في هذا الجانب: كيف يمكن إجراء عملية تدقيق مسبق للطيارين؟”.
ويبدو أن الإجابة قد وُجدت أخيرًا، من خلال مطالبة شركات الطيران بالقيام بهذه المهمة نيابة عن السلطات الإسرائيلية. وهكذا امتثلت الخطوط الجوية الفرنسية. ففي رسالتها الموقعة من مدير العمليات والمسؤول عن عمليات أطقم الضيافة الجوية، كتبت الشركة: “أصدرت وزارة النقل الإسرائيلية مؤخرًا توجيهًا أمنيًا جديدًا، يسري مفعوله فورًا على جميع الرحلات التجارية التي تحلّق فوق المجال الجوي الإسرائيلي والمتجهة إلى مطار إسرائيلي”؛ قبل أن ترفق قائمة تضم 31 “دولة معنية”، قالت إن إسرائيل تتولى تحديثها باستمرار.
تشمل هذه القائمة كلاً من الجزائر والسعودية وجيبوتي والعراق والكويت ولبنان وليبيا وموريتانيا وعمان وقطر والسودان وسوريا وتونس واليمن، بالإضافة إلى إندونيسيا وباكستان ومالي والنيجر، وغيرها.
ورغم أن الخطوط الجوية الفرنسية لم تنص صراحة على أنها ستستبعد بنفسها أفراد أطقم الطيران من مواطني هذه الدول أو حاملي جنسيتها المزدوجة من تلك الرحلات، فإن العبارة التالية في المذكرة تبدو حاسمة: “إن عدم الامتثال لهذا التوجيه قد يعرّض الخطوط الجوية الفرنسية والموظف لعقوبات محتملة”. بعد ذلك، بدت الخطوط الجوية الفرنسية وكأنها تمنح موظفيها حرية الاختيار، حيث تقول: “كل طيار أو فرد من أفراد طاقم الضيافة الجوية يطلب ذلك، ستتم إزالته من جدول إحدى الرحلات المتجهة إلى تل أبيب، دون أن يُطلب منه تقديم أي مبرر”.
ردا على استفسارات “ميديابارت”، لم تقدم الشركة الفرنسية تفاصيل إضافية، واكتفت بالقول إنها “ملزمة بالامتثال لقواعد الدخول التي تفرضها سلطات البلدان التي تخدمها، سواء فيما يتعلق بعملائها أو بأفراد طواقمها”.
تابع الموقع معتبرا أن هذه القاعدة الجديدة تُرسخ تمييزاً بين الموظفين على أساس الجنسية، حيث أصبح بإمكان طيار فرنسي تشغيل رحلة إلى تل أبيب، بينما يمنع طيار فرنسي- جزائري من القيام بالمهمة نفسها.
وقال أحد الطيارين، طالبًا عدم الكشف عن هويته: “إنها عملية قلب كاملة للمسؤوليات. فالخطوط الجوية الفرنسية ستسمح، كما لو أنها تقدم خدمة، لأصحاب الجنسيات المزدوجة المعنيين بالانسحاب من هذه الرحلات دون إبداء أسباب. وقريبًا سيُطلب منا أن نشكرهم على ذلك!”. ويشعر الموظف بمرارة أكبر لأن هذا الخيار متاح أصلًا، حيث إنه يحق لأي فرد من أفراد طاقم الطيران رفض تشغيل رحلة إلى تل أبيب استنادًا إلى حقه في الانسحاب من العمل عند وجود خطر جسيم ووشيك، وهو ما يمكن الاستناد إليه عمليًا، بما في ذلك لأسباب سياسية، دون الحاجة إلى تقديم تبريرات إضافية.
بحسب معلومات “ميديابارت”، كانت الخطوط الجوية الفرنسية تعتزم في البداية الامتثال للتعليمات الإسرائيلية بصورة أكثر وضوحًا. ففي صباح يوم الجمعة، كانت الشركة تفكر في مطالبة أفراد أطقم الطيران بـ”الإبلاغ عن أنفسهم” إذا كانوا “معنيين بالتعميم”. وكان من شأن ذلك أن يؤدي إلى جمع بيانات عن جنسيات الموظفين، لأغراض تثير تساؤلات بشأن مدى توافقها مع اللائحة العامة لحماية البيانات (RGPD) والحق في عدم التعرض للتمييز.
في بيان تم توزيعه على أعضائه، أعلن اتحاد “ألتر” (Alter)، الذي يمثل أطقم القيادة الفنية في الخطوط الجوية الفرنسية، أنه تمكّن من إقناع الإدارة بالتراجع عن ما وصفه بـ”إخضاع أطقم الطيران للتدقيق”. وكتب الاتحاد أن “دراسة الجنسية الأصلية أو الجنسية المزدوجة” تُشبه “التمييز القائم على الجنسية”. وشدد البيان على أن “أي دولة، مهما كانت، لا يجوز لها أن تتعاقد من الباطن مع جهة أخرى لتحميلها مسؤولية تنفيذ سياستها التمييزية”، مضيفًا: “لهذا الغرض، توجد التأشيرات”. كما أكد اتحاد “ألتر” في تصريح لـ”ميديابارت” صباح السبت، أنه “إذا كانت بعض إدارات الشركة قد فكرت في فرض التزام بالإبلاغ على أفراد أطقم الطيران المعنيين بالتعميم، فإننا نرحب بأن الحوار الاجتماعي الجيد أتاح رفض هذا الخيار غير المقبول إطلاقًا بالنسبة إلى اتحاد ألتر”.
مع ذلك، لم يعبّر ممثلو الموظفين عن “رضاهم الكامل عن التعليمات الصادرة”، مؤكدين أن “فرد طاقم الطيران، ولا سيما إذا كان من المتضررين من هذا الإجراء التمييزي، لا ينبغي أن يُضطر إلى اتخاذ إجراء من أجل الانسحاب من رحلة، حتى لو لم يكن مطالبًا بتقديم أي مبرر”.
وقال طيار آخر، مؤيدًا هذا الموقف: “هذا لا يعني سوى التمييز الذاتي، وهو أمر فاضح بما يكفي، في رأيي، لإدانته علنًا. ففي أي لحظة، لا يبدو أن الخطوط الجوية الفرنسية فكرت في رفض تطبيق هذا التوجيه”.
من جانبها، أكدت كلارا غاندان، المحامية المتخصصة في مكافحة التمييز، لـ”ميديابارت”، أن الوضع “يشكّل تمييزًا” وفقًا لقانون العمل. وأضافت أن “السؤال المطروح هو ما إذا كان هذا التمييز متناسبًا، ولا سيما فيما يتعلق بسلامة الطيارين. وينبغي النظر في الطابع العام والمطلق لهذا الإجراء، وكذلك في التجاوزات المحتملة”. واختتمت المحامية تساؤلاتها بالقول: “ماذا ستفعل الخطوط الجوية الفرنسية إذا طلبت إسرائيل غدًا استبعاد طيارين استنادًا إلى معايير أخرى، مثل الدين؟”.
“القدس العربي”



