من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل

من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل
بقلم رئيس التحرير
في اللحظات التاريخية الفاصلة، لا تواجه الشعوب خطر الهزيمة عندما تتعرض للضغوط الخارجية فحسب، بل عندما تعجز عن تطوير أدواتها الوطنية لمواجهة تلك الضغوط. والقضية الفلسطينية تقف اليوم أمام واحدة من أكثر المراحل تعقيداً وخطورة منذ عقود، في ظل حرب مفتوحة على الأرض والهوية والرواية السياسية، ومحاولات متسارعة لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بما يخدم رؤية إسرائيلية تسعى إلى حسم الصراع من طرف واحد، عبر تكريس الاحتلال، وتوسيع الاستيطان، وتقويض فرص قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الصراعات الكبرى لا تُحسم فقط بموازين القوة العسكرية، بل بقدرة الأطراف على بناء رؤية استراتيجية طويلة المدى، وإيجاد مؤسسات قادرة على استشراف المستقبل وصناعة القرار. وإسرائيل، رغم أزماتها الداخلية المتفاقمة، تعمل وفق خطط استراتيجية متراكمة تستهدف إعادة هندسة الجغرافيا والديمغرافيا والواقع السياسي الفلسطيني، بينما ما زال الأداء الفلسطيني في كثير من الأحيان أسير إدارة الأزمات اليومية وردود الأفعال على التطورات المتلاحقة.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الفلسطينيين اليوم لا يقتصر على مواجهة الاحتلال وسياساته، بل يمتد إلى ضرورة إعادة بناء منظومة وطنية قادرة على الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق صناعة المستقبل. فالمشروع الوطني الفلسطيني بحاجة إلى عقل استراتيجي جماعي يربط بين السياسة والقانون والاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا، ويحول الخبرات والكفاءات الفلسطينية في الوطن والشتات إلى قوة فكرية ومؤسسية داعمة لصانع القرار.
إن المرحلة الراهنة تفرض مراجعة وطنية شاملة لمسار العمل السياسي، وتستلزم الانتقال من سياسة الانتظار والتكيف مع المتغيرات إلى سياسة المبادرة والتأثير فيها. كما تفرض إعادة الاعتبار لمفهوم التخطيط الاستراتيجي باعتباره أحد أهم عناصر الصمود الوطني، جنباً إلى جنب مع الوحدة الوطنية، وتعزيز مكانة منظمة التحرير الفلسطينية، وتدويل القضية الفلسطينية قانونياً وسياسياً، وبناء اقتصاد ومجتمع قادرين على مواجهة التحديات.
إن حماية المشروع الوطني الفلسطيني لم تعد مسؤولية القيادة السياسية وحدها، بل مسؤولية وطنية جماعية تتطلب تضافر الجهد السياسي والفكري والأكاديمي والمجتمعي. فالشعوب التي تمتلك رؤية واضحة للمستقبل ومؤسسات قادرة على التخطيط له تستطيع تحويل التحديات إلى فرص، أما الشعوب التي تكتفي بردود الأفعال فإنها تبقى رهينة للأحداث وصانعيها.
ومن هنا، فإن بناء مجلس وطني استراتيجي للتخطيط والسياسات العامة لم يعد ترفاً تنظيمياً أو خياراً مؤجلاً، بل أصبح ضرورة وطنية ملحة لضمان حماية المشروع الوطني الفلسطيني، وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني، والانتقال بالقضية من مرحلة الدفاع عن الوجود إلى مرحلة صناعة المستقبل وتحقيق أهداف الحرية والاستقلال وتقرير المصير.

