فلسطين

من البيت الأحمر: عن نكبة القرية الفلسطينية…

من البيت الأحمر: عن نكبة القرية الفلسطينية…

لم يكن للفلسطينيين، ولا لقادتهم، ولا حتى لدى الصحافة الفلسطينية المحلية، أي فكرة عمّا كان يجري تداوله خلف الأبواب المغلقة في البيت الأحمر. في عام النكبة تحوّل البيت الأحمر إلى أهم وأكبر مركز تجنيد صهيوني من أجل تنفيذ النكبة…

“لا أوافقك في أننا يجب أن نجابه الأفندية وليس الفلاحين: أعداؤنا هم الفلاحون العرب”… يقول بن غوريون موبّخًا أحد الأعضاء في اللجنة التنفيذية للهستدروت من ذوي الميول اليسارية، بعد أن حرّض هذا الأخير بن غوريون، في واحدة من جلسات البيت الأحمر في تل أبيب مطلع عام 1948، على مجابهة مُلّاك الأراضي في فلسطين بدلًا من الفلاحين.

لم يكن البيت الوحيد الذي عُرف باسم “البيت الأحمر” في تل أبيب، إنما أربعة بيوت فيها عُرفت تاريخيًا بهذا الاسم، منها بيت “الشيخ مراد” أو “بيت البئر” وأحيانًا “بيت البيّارة” الشهير، الذي كان يقع في بيّارة برتقال على الطريق الواصل ما بين قرية سلمة المهجّرة ومدينة اللد، شرقيّ – جنوب مدينة يافا. بيت عربي يعود بناؤه إلى أواسط القرن التاسع عشر قبل أن يستوطنه اليهود الصهاينة بعد نحو قرنٍ على بنائه في النكبة، وما يزال بيت الشيخ مراد قائمًا في موقعه بـ”حي شفيرا” في تل أبيب، ومن سخرية القدر أن حُوِّل البيت في العقود الأخيرة إلى مركزٍ للفنون.

غير أنّ البيت الأحمر الذي نعنيه ويعنينا هنا، هو ذلك البيت – الوكر الأحمر – الذي صُمّمت بين جدرانه خطة نكبة عام 1948 وأوامر تنفيذها، وذلك منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، وبإشراف ديفيد بن غوريون شخصيًا. كانت الوثائق الصهيونية التي أُفرج عنها من درج الأرشيفات السرية في تسعينيات القرن الماضي، هي أول من قصّت علينا حكاية دور مداولات البيت الأحمر في تنظيم عملية التطهير العرقي للفلسطينيين عام النكبة. وقد نبّهنا إليه جملة ممّن يُعرفون بـ”المؤرخين الجدد”، ومن بينهم إيلان بابيه في كتابه الشهير “التطهير العرقي في فلسطين”، وآخرون بمن فيهم مؤرخون صهاينة ضمن ما سُمّي بـ”المسار التصحيحي” للرواية الإسرائيلية الرسمية.

لم يكن البيت الأحمر، في موقعه في شارع اليركون شمالي مدينة يافا – تل أبيب اليوم – مجرد بناءٍ عشوائي اختير لعقد اجتماعات القادة الصهاينة فيه، إنما لموقعه على حافة البحر المتوسط شمالي يافا المدينة تعود أهميته. إذ كان البيت بمثابة محطة بحرية أشبه بفكرة الكرنتينا، لتوجيه واستقبال السفن القادمة عبر البحر إلى البلاد، وليست أي سفن، إنما المحمّلة منها بالعتاد والسلاح تحديدًا، حيث كان البيت يقع فوق تلٍّ رملي مطلّ على البحر. يعود بناء البيت الأحمر إلى أواسط عشرينيات القرن العشرين، وقد بُني في بدايته ليكون المقر الرئيسي لمجلس العمال اليهود المحليين، ومن هنا اسمه “البيت الأحمر” لارتباطه بالحركة العمالية الاشتراكية الصهيونية. فيما ينسب آخرون تسميته إلى الصبغة الحمراء الوردية التي كانت تلوّنه وقت غروب الشمس على شاطئ يافا الشمالي. أمّا بالنسبة لنا، فإنه يمكننا اعتباره بيتًا أحمر لدوره الوظيفي – الدموي – في النكبة، وما ترتب عليها من سفحٍ لدم أبناء شعبنا في أرياف البلاد ومدنها عام 1948. كانت مهمة البيت إيواء مداولات “الحل النهائي” للتخلص من فلّاحي فلسطين.

الإعداد للقرى

تعود قصة البيت الأحمر مع فلّاحي البلاد إلى عام 1933، أي قبل عام النكبة بـ15 عامًا، عندما تلقّى الصندوق القومي اليهودي “الكيرن كييمت” رسالة من شاب تخرّج حديثًا من الجامعة العبرية في القدس، ويعمل موظفًا في الدائرة التعليمية التابعة للوكالة اليهودية، يُدعى بن تسيون لوريا. وقد تضمنت رسالته فكرة مفادها أن يعمل الصندوق القومي اليهودي على إعداد سجل مفصّل للقرى العربية في فلسطين الانتدابية، من أجل التخلص من سكانها، بما يخدم “عمليات تحرير الأرض”.

التقط الصندوق “الكيرن كييمت” الفكرة بجدية، وباشر في إعداد مسّاح أراضٍ محترف يعمل في دائرة رسم الخرائط التابعة لسلطات الانتداب البريطاني. اقترح المسّاح القيام بمسح فوتوغرافي جوي للقرى، ثم استدعى مصورين محترفين للانضمام إلى المبادرة، وكان كلّ من يتسحاق شيفر ومارغو ساديه، زوجة يتسحاق ساديه قائد البالماح، هما من أوكلت إليهما مهمة تحميض أفلام الصور الملتقطة للقرى في مختبرٍ أقاماه في منزل مارغو في تل أبيب، وبعيدًا عن أعين سلطات الانتداب. في مقابل ذلك، كان فريق من المستعربين الصهاينة يعمل على إعداد ملفات تتضمن معلومات استخبارية مفصلة عن قرى الفلاحين.

في أواخر الثلاثينيات، مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، كان أرشيف ملفات القرى الفلسطينية قد اكتمل تقريبًا، يتضمن صورًا فوتوغرافية ومعلومات مفصلة عن موقع كل قرية، وطرق الوصول إليها، ونوعية أراضيها، وينابيع الماء، ومصادر المعيشة الرئيسة، وتركيبة القرية الاجتماعية والاقتصادية، والانتماءات الدينية للسكان، وأعمار الرجال فيها، وكذلك أسماء المخاتير ووجهاء القرية وعلاقاتها بالقرى المحيطة بها. فضلًا عن مؤشر يحدد درجة عداء القرية للمشروع الصهيوني بناءً على مدى مشاركة أبنائها في الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939)، إذ أُعدّت قوائم بأسماء الذين شاركوا في الثورة في كل قرية، ومعلومات عن أحوال عوائل الشهداء الذين قضوا بنيران سلطات الانتداب البريطاني أثناء قمعها الثورة.

وخلال سنوات الحرب ما بين 1939-1945، كان البيت الأحمر قد تحوّل إلى مركز أمني بريطاني ومقر اعتقال وتحقيق استخباراتي. وبعد انتهاء الحرب، وتحديدًا في عام 1947، نقلت “دائرة رسم الخرائط” الصهيونية مقرها من منزل مارغو ساديه إلى مقر قيادة الهاغانا والبلماح في البيت الأحمر. ليصبح هذا الأخير مقرًا لقيادة العصابات الصهيونية، وفي أواخر ذلك العام ومطلع عام 1948، كانت ملفات دائرة رسم الخرائط مفتوحة على طاولة أمام مجموعة من 11 رجلًا من القادة الصهاينة، وعلى رأسهم بن غوريون، داخل البيت الأحمر.

سياسات الميزان

كان مصطلح الـ”ميزان” أكثر ما جرى تداوله داخل البيت الأحمر في الأسابيع الأخيرة من عام 1947، وبعد صدور قرار التقسيم تحديدًا. كانت مداولات البيت الأحمر أشبه بحلقات دراسية أو “مُدارسات” أشار إليها كلّ من إيلان بابيه في كتابه، ومؤخرًا في كتاب “كيف ضاعت فلسطين؟” لأسعد طه بناءً على وثائق بريطانية. كانت الحلقات الدراسية لبن غوريون ورفاقه في البيت الأحمر متصلة بالميزان الديمغرافي بين العرب واليهود في فلسطين، حيث كان هذا الميزان حتى نهاية عام 1947 يميل في غير صالح تحقيق أغلبية يهودية، إذ كان لدى بن غوريون ورفاقه تصور يقول إن قيام دولة يهودية أو دولة بأغلبية يهودية غير ممكن إلا بطرد أكبر عدد ممكن من السكان العرب. ممّا تنسف معه مداولات البيت الأحمر كل ما ادعته الرواية الصهيونية الرسمية عن “فرار” فلاحي فلسطين خوفًا أو بـ”أوامر” من الحكّام العرب مع دخول جيش الإنقاذ إلى البلاد. لقد أُعدّت خطة ممنهجة منذ ما قبل عام النكبة بسنوات تقوم على أن “الفلسطينيين يجب أن يرحلوا…”.

كانت مدارسات (الحلقات الدراسية) البيت الأحمر قد خلصت، قبل حلول آذار/مارس 1948، إلى طبيعة الأساليب التي يجب اتباعها تجاه القرى العربية في فلسطين لإخلاء سكانها منها: “إثارة رعب واسع النطاق، محاصرة وقصف قرى ومراكز سكانية، حرق منازل وأملاك وبضائع، طرد، هدم بيوت ومنشآت، وأخيرًا زرع ألغام وسط الأنقاض لمنع السكان المطرودين من العودة إلى منازلهم”. كل ذلك كان قد أُعدّ مسبقًا في البيت الأحمر.

لم يولد هذا التصور الدموي لتدمير قرى الفلاحين العرب من واقع الحرب خلال أحداث النكبة كما تدّعي الرواية الصهيونية، إنما هو تصميم ممنهج له خرائط ومعجم أسماء وُضعت على طاولة البيت الأحمر، تكثّفت بما يُعرف بالخطة “دالت” الشهيرة عن طرد الفلسطينيين عام النكبة. وقد سبقتها حرفيًا “بروفات” لمهاجمة قرى عربية منذ كانون الأول/ديسمبر 1947 بإشراف البيت الأحمر، مثلما حدث لقريتي “دير أيوب” في قضاء الرملة، و”بيت عفا” في قضاء غزة، حيث اختيرت القريتان لأنهما غير محصنتين أمنيًا وعسكريًا وفق تصور البيت الأحمر عنهما.

هوجمت دير أيوب ثلاث مرات ليلًا من قبل سرية صهيونية مؤلفة من عشرين مسلحًا، من أواخر عام 1947، قبل أن تتم مهاجمتها وإخلاؤها في نيسان/أبريل 1948. وكذلك هوجمت بيت عفا التي تمكن سكانها من صد الهجوم الصهيوني الاختباري. ثم اختُبرت قرى أخرى في مناطق مختلفة من الريف الفلسطيني، منها قرى في الجليل الشرقي، مثل: “الخصاص” و”جاحولا” في منطقة الحولة. وقد هاجم الصهاينة قرية الخصاص فعلًا في سواد ليل 18 كانون الأول/ديسمبر 1947، ونسفوا بيوت القرية وقتلوا من أهلها 15 فلاحًا، من بينهم 5 أطفال.

كانت جلسة الأربعاء الأسبوعية هي جلسة مدارسات البيت الأحمر الأساس، وقد توفّر لإيلان بابيه محضر وُجد في أرشيف الهاغاناه لجلسة الأربعاء الأول من كانون الثاني/يناير 1948، والتي حضّ فيها الزعيم الصهيوني دافيد بن غوريون على المصادقة على خطة تقضي بترحيل الفلاحين الفلسطينيين من قراهم “الترانسفير”. وفي شباط/فبراير 1948، قرر بن غوريون توسيع الهيئة الاستشارية في البيت الأحمر، ليضيف إليها ممثلي المنظمات الصهيونية المسؤولة عن التجنيد وشراء الأسلحة، مما يثبت ذلك الرابط ما بين السياسي والعسكري في مداولات البيت الأحمر عن النكبة.

أخيرًا

لم يكن للفلسطينيين، ولا لقادتهم، ولا حتى لدى الصحافة الفلسطينية المحلية، أي فكرة عمّا كان يجري تداوله خلف الأبواب المغلقة في البيت الأحمر. في عام النكبة تحوّل البيت الأحمر إلى أهم وأكبر مركز تجنيد صهيوني من أجل تنفيذ النكبة. بعد النكبة وقيام الدولة العبرية وحل المنظمات العسكرية الصهيونية وتأسيس جيش الاحتلال، نُقلت مقرات قوات الأمن والعسكر الصهيونية من البيت الأحمر، وأصبح هذا الأخير مقرًا لوزارة الخارجية الإسرائيلية، وفي ستينيات القرن الماضي صار يُطلق على البيت الأحمر اسم “بيت الوحدة أو الاتحاد” بعد اتحاد مقر الكيبوتسات فيه. في السبعينيات اتُّخذ قرار هدم البيت الأحمر، مثلما اتُّخذ منه قرار هدم وسلب وطن كامل في النكبة، وفي موقعه يقوم اليوم فندق شيرتون الشهير في تل أبيب.

عرب 48

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب