
من المسؤول عن حماية المدنيين الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي؟
قُصرة نموذجاً
بقلم رئيس التحرير
تطرح الأحداث الجارية في بلدة قُصرة جنوب شرقي نابلس سؤالاً يتجاوز حدود الحادث الأمني العابر: من يتحمل المسؤولية القانونية عن حماية المدنيين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة؟ فالتقارير المتداولة تتحدث عن حصار منازل فلسطينية في منطقة «رأس العين»، وإغلاق الطرق، وقطع المياه والكهرباء، وعرقلة وصول الإمدادات والمسعفين، بالتزامن مع وجود قوات الاحتلال الإسرائيلي وتصاعد اعتداءات المستوطنين.
الإجابة في القانون الدولي واضحة: إسرائيل، بوصفها القوة القائمة بالاحتلال، تتحمل المسؤولية الأساسية والمباشرة عن حماية السكان المدنيين الواقعين تحت سيطرتها الفعلية.
فالقانون الدولي الإنساني، ولا سيما لوائح لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، لا يمنح الاحتلال سيادة على الأرض، وإنما يرتب عليه التزامات تجاه السكان. وتنص المادة 43 من لوائح لاهاي على واجب القوة المحتلة اتخاذ جميع التدابير اللازمة لإعادة النظام والحياة العامة وضمانهما. كما تكفل المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة للأشخاص المحميين الاحترام والحماية، ولا سيما من أعمال العنف أو التهديد بها.
وهنا تبرز مسؤولية إسرائيل ليس فقط عن أفعال قواتها، وإنما أيضاً عن منع اعتداءات المستوطنين والتحقيق فيها وملاحقة مرتكبيها. فوجود المستوطنين لا ينشئ لهم أي سلطة قانونية على السكان الفلسطينيين، ولا يعفي القوة القائمة بالاحتلال من واجب الحماية.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو/تموز 2024 أن إسرائيل ملزمة بموجب القانون الدولي الإنساني بحماية السكان الفلسطينيين، وتناولت بصورة مباشرة مسألة عنف المستوطنين، معتبرة أن الفشل في منع أو معاقبة الهجمات على حياة الفلسطينيين وسلامتهم الجسدية يتعارض مع الالتزامات الدولية. كما خلصت المحكمة إلى عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وطالبت بإنهائه، ووقف النشاط الاستيطاني الجديد وإخلاء المستوطنين من الأرض المحتلة.
وفي حالة قُصرة، تزداد المسؤولية القانونية خطورة إذا ثبت أن القوات الإسرائيلية وفرت الحماية للمستوطنين أثناء حصار المنازل، أو منعت وصول الإسعاف والمساعدات، أو أخلت السكان من منازلهم بدلاً من وقف المعتدين. فهنا لا نتحدث فقط عن تقاعس في توفير الحماية، وإنما قد نكون أمام أفعال مباشرة منسوبة إلى أجهزة الدولة، الأمر الذي يستوجب التحقيق والمساءلة وفقاً للقانون الدولي.
كما أن قطع المياه والكهرباء ومنع وصول الغذاء والدواء والخدمات الطبية لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد إجراء أمني؛ إذ تفرض اتفاقية جنيف الرابعة التزامات على القوة القائمة بالاحتلال لضمان الإمدادات الأساسية والرعاية الطبية للسكان المدنيين.
والأخطر هو أن تتحول هذه الممارسات إلى وسيلة لدفع السكان إلى مغادرة أرضهم. فالمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر النقل القسري للسكان المحميين من الأراضي المحتلة، كما تحظر على دولة الاحتلال نقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها.
ومن هنا فإن قُصرة ليست مجرد حادث محلي، بل نموذج لاختبار جدية النظام القانوني الدولي. فحين تتكرر الاعتداءات، وإغلاق الطرق، والحصار، ومصادرة الأرض، وإقامة البؤر الاستيطانية، ثم يُدفع السكان تدريجياً إلى الرحيل، فإننا أمام مسار قد يؤدي إلى تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي بالقوة.
المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بالإدانة السياسية، وإنما توثيق الوقائع والأدلة، وتحديد المسؤوليات، ومساءلة مرتكبي الانتهاكات، وتفعيل آليات القانون الدولي.
إن حماية المدنيين ليست منّة من سلطة الاحتلال، بل التزام قانوني. وإذا كانت القوة القائمة بالاحتلال تملك القدرة على وقف الاعتداء، فإنها تملك المسؤولية القانونية عن منع وقوعه. أما حين يتحول وجود القوة العسكرية من أداة لحماية المدنيين إلى أداة لحماية المعتدين وفرض نتائج اعتداءاتهم، فإن الأمر يتجاوز الإخفاق الأمني إلى مساس جوهري بقواعد القانون الدولي الإنساني وبالحماية التي يفترض أن يتمتع بها المدنيون تحت الاحتلال.

