مقالات

من شافتسبري إلى نتنياهو: كيف وظّف المشروع الصهيوني الدين لإعادة تشكيل الشرق الأوسط؟

من شافتسبري إلى نتنياهو: كيف وظّف المشروع الصهيوني الدين لإعادة تشكيل الشرق الأوسط؟

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

لم تكن الصهيونية، في جوهرها، مجرد حركة قومية يهودية نشأت مع المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل عام 1897، بل هي مشروع سياسي واستعماري طويل الأمد، تداخلت في صياغته العقيدة الدينية بالمصالح الإمبراطورية، وتكاملت فيه الأبعاد اللاهوتية مع الحسابات الجيوسياسية للقوى الغربية. فمنذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، بدأت ملامح هذا المشروع تتشكل على يد منظري الصهيونية المسيحية في بريطانيا، قبل أن تتحول لاحقاً إلى مشروع استيطاني احتضنته الإمبراطورية البريطانية، ثم تبنته الولايات المتحدة باعتباره أحد أعمدة استراتيجيتها في الشرق الأوسط.

ويُعد اللورد شافتسبري أحد أبرز الآباء الفكريين لهذا المشروع، إذ ربط بين التفسير الإنجيلي البروتستانتي للنبوءات التوراتية وبين المصالح الاستعمارية البريطانية. فقد دعا منذ أربعينيات القرن التاسع عشر إلى توطين اليهود في فلسطين، ليس انطلاقاً من تعاطف معهم، وإنما انطلاقاً من اعتقاد ديني بأن ذلك يمهد لعودة المسيح، ومن رؤية سياسية تعتبر أن إقامة كيان يهودي في فلسطين سيخدم المصالح البريطانية ويحمي طرق التجارة إلى الهند ويُضعف الدولة العثمانية.

وفي هذا السياق، رفع شافتسبري الشعار الذي أصبح لاحقاً أحد أهم مرتكزات الدعاية الصهيونية: “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، وهو شعار أنكر وجود الشعب الفلسطيني، ومهّد لتسويق المشروع الاستيطاني أمام الرأي العام الغربي باعتباره مشروعاً حضارياً لا استعمارياً.

ولم يكن اللورد بالمرستون، وزير الخارجية البريطاني آنذاك، بعيداً عن هذا التصور، إذ شكّل مع شافتسبري الثنائي الذي وضع الأساس السياسي لأول مشروع بريطاني لتوطين اليهود في فلسطين، وهو ما تطور لاحقاً إلى وعد بلفور عام 1917، الذي منح الحركة الصهيونية غطاءً سياسياً وقانونياً لتحقيق مشروعها على الأرض الفلسطينية.

من الصهيونية المسيحية إلى الصهيونية السياسية

عندما أسس تيودور هرتزل الحركة الصهيونية السياسية، وجد أن الأرضية الفكرية والسياسية قد أصبحت مهيأة. فقد وفرت الصهيونية المسيحية الشرعية الدينية، بينما وفرت الإمبراطورية البريطانية الحماية السياسية والعسكرية، لتنشأ شراكة بين الفكر الديني والمشروع الاستعماري، وهي شراكة ما تزال آثارها حاضرة حتى اليوم.

ورغم أن عدداً كبيراً من مؤسسي الحركة الصهيونية كانوا علمانيين، فإنهم أدركوا مبكراً أهمية توظيف الخطاب الديني لإضفاء الشرعية على المشروع الاستيطاني، سواء في مخاطبة اليهود أو في كسب التأييد داخل الأوساط المسيحية الإنجيلية في الغرب.

اللوبي الصهيوني… من النفوذ إلى التأثير في القرار

ومع انتقال مركز الثقل العالمي من بريطانيا إلى الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، انتقلت رعاية المشروع الصهيوني أيضاً إلى واشنطن. وخلال العقود اللاحقة، نجحت المنظمات واللوبيات المؤيدة لإسرائيل في بناء نفوذ واسع داخل مراكز صناعة القرار الأمريكية والغربية، مستفيدة من التحالف مع التيارات الإنجيلية المحافظة، ومن شبكات ضغط سياسية وإعلامية واقتصادية مؤثرة.

ولا يمكن تفسير حجم الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الذي تحظى به إسرائيل في الولايات المتحدة والعديد من الدول الغربية بعيداً عن هذا التداخل بين الاعتبارات الاستراتيجية، والتحالفات السياسية الداخلية، وتأثير جماعات الضغط، إضافة إلى القناعة لدى قطاعات من التيار الإنجيلي بأن دعم إسرائيل يرتبط بتفسيرات دينية خاصة بنبوءات آخر الزمان.

وقد انعكس هذا النفوذ في مواقف أمريكية وغربية متكررة وفرت لإسرائيل دعماً دبلوماسياً واسعاً، وأسهمت في الحد من الضغوط الدولية عليها في كثير من المحطات، رغم تصاعد الانتقادات الدولية لسياسات الاحتلال والاستيطان.

من “الشرق الأوسط الجديد” إلى “إسرائيل الكبرى”

بعد انتهاء الحرب الباردة، بدأ المشروع الصهيوني يدخل مرحلة جديدة، لم تعد تقتصر على ضمان أمن إسرائيل، بل اتجه نحو إعادة صياغة البيئة الإقليمية بأكملها.

وفي هذا السياق، طرح شمعون بيريس في كتابه “الشرق الأوسط الجديد” رؤية تقوم على دمج إسرائيل اقتصادياً وسياسياً في المنطقة، بحيث تصبح القوة المركزية التي تقود نظاماً إقليمياً جديداً، تتراجع فيه الصراعات التقليدية لصالح شبكات من التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، ولكن وفق ميزان قوى تكون إسرائيل فيه الطرف المهيمن.

غير أن ما يجري اليوم يُظهر تحولاً واضحاً عن تلك الرؤية الاقتصادية نحو رؤية أكثر تشدداً، يقودها بنيامين نتنياهو وائتلافه اليميني الديني والقومي. فقد أعاد نتنياهو إحياء مفاهيم تستند إلى روايات توراتية وإلى أفكار وردت في كتابه “مكان تحت الشمس”، الذي يؤكد فيه أن إسرائيل ليست مجرد دولة تبحث عن الأمن، وإنما صاحبة “حق تاريخي” في الأرض، ويرفض عملياً أي انسحاب من المناطق التي يعتبرها جزءاً من “أرض إسرائيل”.

وبذلك انتقلت إسرائيل من خطاب “السلام مقابل الأمن” إلى خطاب “السلام بالقوة”، ثم إلى فرض الوقائع بالقوة، عبر توسيع الاستيطان، ومحاولات فرض السيادة على أجزاء واسعة من الضفة الغربية، والسعي إلى تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي في القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة.

صعود التطرف وتحول العقيدة إلى سياسة

لقد أدى صعود أحزاب اليمين الديني والقومي إلى انتقال الفكر التوراتي من هامش الحياة السياسية إلى مركز صناعة القرار. ولم تعد السياسات الإسرائيلية تُبنى على اعتبارات أمنية فقط، بل أصبحت تتداخل بصورة متزايدة مع رؤى أيديولوجية تعتبر أن السيطرة على كامل الأرض الممتدة بين نهر الأردن والبحر المتوسط تمثل حقاً تاريخياً ودينياً غير قابل للتفاوض.

وترافق ذلك مع استخدام غير مسبوق للقوة العسكرية، وتوسيع الاستيطان، وإضعاف فرص التسوية السياسية، بما يعكس انتقال إسرائيل إلى مرحلة جديدة تتقدم فيها العقيدة الأيديولوجية على البراغماتية السياسية.

خاتمة

إن تتبع المسار التاريخي للمشروع الصهيوني، من أفكار شافتسبري وبالمرستون، مروراً بوعد بلفور وهرتزل، وصولاً إلى نتنياهو، يكشف أن المشروع لم يكن وليد لحظة تاريخية، بل هو نتاج تفاعل طويل بين الدين والسياسة والاستعمار والمصالح الاستراتيجية.

واليوم، ومع تصاعد نفوذ اليمين الديني والقومي في إسرائيل، واستمرار الدعم الغربي لها، تتجلى ملامح مرحلة جديدة عنوانها فرض الوقائع بالقوة، والسعي إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يخدم التفوق الإسرائيلي. غير أن التجارب التاريخية تؤكد أن الأمن القائم على الاحتلال والقوة وحدهما لا يصنع استقراراً دائماً، وأن أي مشروع يتجاهل حقوق الشعوب في الحرية وتقرير المصير سيظل عرضة للمقاومة وعدم الاستقرار، مهما بلغت القوة العسكرية أو حجم الدعم الدولي الذي يحظى به.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب