موقف عربي متقدم في مواجهة شرعنه الضم

موقف عربي متقدم في مواجهة شرعنه الضم
بقلم: رئيس التحرير
في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، جاءت اللهجة السعودية حاسمة وواضحة في ردّها على التصريحات المنسوبة إلى السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، والتي فُهم منها قبول أو تبرير لسيطرة إسرائيلية تتجاوز حدود الشرعية الدولية. لم يكن البيان السعودي مجرّد رد دبلوماسي عابر، بل إعلان موقف سياسي واستراتيجي متكامل يعيد تثبيت معادلة القانون الدولي في مواجهة محاولات فرض الأمر الواقع.
المملكة العربية السعودية، وهي تؤكد رفضها القاطع لأي مساس بسيادة الدول أو إعادة تعريف لحدودها خارج إطار القانون الدولي، لم تتحرك بدافع ظرفي، بل من منطلق ثابت يرتكز إلى ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه الجوهرية، وفي مقدمتها عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
المطالبة السعودية لوزارة الخارجية في الولايات المتحدة الأمريكية بتوضيح موقفها الرسمي عكست إدراكًا دقيقًا لخطورة ترك مثل هذه التصريحات دون ضبط أو تفسير، خشية أن تتحول إلى مؤشرات سياسية تمس توازنات المنطقة. فالرياض، بحكم ثقلها العربي والإسلامي والدولي، تدرك أن الكلمات في السياسة ليست عابرة، وأن أي انزلاق لغوي قد يفتح الباب أمام تحولات استراتيجية خطيرة.
تقاطع سعودي–أردني–مصري في الدفاع عن الثوابت ، فالموقف السعودي جاء متقاطعًا مع الموقف الأردني الثابت، الذي يؤكد باستمرار أن لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة، وأن أي إجراءات أحادية في الضفة الغربية أو القدس الشرقية تُعد باطلة ولاغية قانونًا. الأردن، بوصفه صاحب الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، ينظر إلى أي طرح يمس الوضع القانوني للمدينة باعتباره تهديدًا مباشرًا للاستقرار الإقليمي وللشرعية الدولية.
كما يتناغم الموقف مع الرؤية المصرية التي تشدد على ضرورة وقف الحرب، ومنع التهجير القسري، والعودة إلى مسار سياسي يفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. القاهرة والرياض وعمان تشكل معًا مثلث ثقل عربي يؤكد أن الأمن الإقليمي لا يتحقق بالقوة، بل بالتسوية العادلة.
في السياق الأوسع، يندرج الموقف السعودي ضمن إجماع عربي وإسلامي يرفض أي محاولة لإعادة إنتاج مشاريع الضم أو شرعنة الاحتلال. هذا الإجماع يستند إلى قرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها القرار 242 والقرار 338، وإلى الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في تموز/يوليو 2024، الذي أكد عدم قانونية استمرار الاحتلال.
إن إعادة التأكيد على إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ليس تكرارًا لشعار سياسي، بل تثبيت لإطار قانوني معترف به دوليًا، ويشكّل جوهر مبادرة السلام العربية التي ما تزال تمثل العرض العربي الشامل لتحقيق السلام.
قراءة استراتيجية – منع الانزلاق نحو الفوضى ، خاصة في ظل الطرح الذي يلوّح بقبول سيطرة إسرائيلية أوسع من حدود 1967 لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يقوّض مبدأ استقرار الحدود في الإقليم بأسره. وأي تهميش للقانون الدولي يفتح الباب أمام قوى أخرى لاعتماد منطق القوة، بما يهدد الأمن والسلم الدوليين.
من هنا، فإن الرسالة السعودية لا تُقرأ في إطار دفاع عن قضية بعينها فقط، بل كتحرك استباقي لحماية بنية النظام الإقليمي من التفكك، ومنع العودة إلى منطق الغلبة الذي أثبت تاريخ المنطقة أنه لا ينتج سوى دورات متعاقبة من العنف.
إن التقاطع السعودي–الأردني–المصري، المدعوم بإجماع عربي وإسلامي، يعكس لحظة نضج سياسي تُدرك أن المرحلة تتطلب وحدة موقف وصلابة خطاب. فالقضية الفلسطينية ليست ملفًا تفاوضيًا فحسب، بل ركيزة من ركائز الأمن القومي العربي.
وفي هذا السياق، فإن الرسالة واضحة:– لا مساس بسيادة الدول.لا شرعنة للاحتلال أو الضم.لا سلام دون تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة.
إن ما صدر عن الرياض يشكّل إعادة تثبيت لمرجعية القانون الدولي في مواجهة محاولات فرض الوقائع بالقوة، ويؤكد أن المنطقة، رغم كل تعقيداتها، ما زالت تمتلك بوصلة سياسية تستند إلى الشرعية والعدالة، لا إلى موازين القوة العابرة.
وهي رسالة ينبغي أن تُقرأ في العواصم كافة، باعتبارها دفاعًا عن الاستقرار الإقليمي، وعن نظام دولي يقوم على القواعد لا على الإملاءات.




