مونديال 2026.. هكذا صادر الأثرياء لعبة الشعب والعمال في صالات كبار الشخصيات

مونديال 2026.. هكذا صادر الأثرياء لعبة الشعب والعمال في صالات كبار الشخصيات
الرباط: تواجه الوعود الرسمية للاتحاد الدولي لكرة القدم بشأن “الشمولية والسلام والوحدة” في بطولة كأس العالم 2026 تدقيقا صحافيا وحقوقيا مكثفا، إذ تظهر الوقائع الميدانية فجوة عميقة بين الخطاب التسويقي للمنظمة والواقع اللوجستي والسياسي المعاش في الدول الثلاث المستضيفة.
ففي الوقت الذي يرفع فيه الفيفا شعار “كرة القدم توحد العالم”، برزت على السطح حركة مناهضة تبنّت شعار “لا لوكالة الهجرة والجمارك في المونديال”، وهو ما يراه مراقبون وصفا أكثر صدقا لواقع البطولة من شعار الاتحاد نفسه.
وتزايدت المخاوف بشكل حاد بعدما أوضحت سلطات الهجرة الأمريكية أن الحدث لن يكون مستثنى من نهجها المتشدد في تطبيق القوانين، ورغم محاولات تود ليونز المدير السابق لوكالة الهجرة والجمارك الأمريكية تأطير مشاركة الوكالة في سياق الإجراءات الأمنية بدلا من عمليات تطبيق القانون، إلا أن هذا التمييز لا يعكس الواقع المعاش للمهاجرين والسياح الذين تساورهم مخاوف مشروعة من الاحتجاز أو الترحيل وهم في طريقهم إلى الملاعب أو مهرجانات المشجعين.
وتتهم الجمعيات المدنية الحقوقية الفيفا بالتنصل من هذه القضايا الشائكة متظاهرة بأنها مسؤولية أطراف أخرى، فانتهاكات حقوق العمّال تُرمى في ملعب أرباب العمل، ومخاوف حقوق الإنسان تُصنّف كشأن محلي، وتشديد الرقابة الحدودية ومنع التأشيرات يُعتبر مشكلة المعنيين الشخصية، ليقتصر دور الفيفا من قبل منتقديها على الحضور بكرة القدم، ومئات الرعاة، وتوقعات بعائدات تبلغ عدة مليارات من الدولارات، وجائزة سلام، مع ترك التفاصيل المعقدة للآخرين.
والنتيجة، وفق الحقوقيين دائما، هي مشهد غريب ينفصل فيه مجتمع كرة القدم عن واقع الحدود الجغرافية والسياسية، فبينما يقتصر العبور للبعض على حجز رحلة طيران وشراء تذكرة مباراة، يواجه الأغلبية مواجهة المجهول بشأن التأشيرات، والتفتيش، والتدقيق المكثف، والمقابلات المطولة، ومخاطر الاحتجاز أو الاستبعاد التام، خصوصا مع فرض الولايات المتحدة حظرا كاملا على سفر مواطني هايتي وإيران، وقيودا جزئية على دول أخرى مثل ساحل العاج والسنغال، وهي أربع دول منتخباتها مشاركة بالفعل في البطولة، ما يفرغ شعار “النسخة الأكثر شمولية” من مضمونه الفعلي.
وعلى الصعيد المالي، يواجه وصف كرة القدم بأنها “لعبة الشعب” اختبارا عسيرا، ففي كندا وحدها، يكلف المونديال دافعي الضرائب ما يقدر بنحو 1.1 مليار دولار، ما يعادل تقريبا 82 مليون دولار من التمويل الحكومي لكل مباراة، ما يجعل المشجعين مستثمرين في هذا الحدث ماديا ومعنويا على حد سواء.
ومع ذلك، قوبل هذا الاستثمار بآليات تسعير مجحفة تنتهج نظام التسعير الدينامي أو المرن الذي يسمح بتغيير أسعار التذاكر حسب حجم الطلب، لتصبح هذه النسخة الأغلى في التاريخ منذ جولة البيع الأولى، مع فرض عملية شراء مربكة فرضت على الجمهور الدخول في قرعة، والدفع لمجرد الحصول على حق الشراء لاحقا، أو الاضطرار إلى اللجوء لأسواق إعادة البيع بأسعار مضاعفة.
ويزداد الأمر سوءا بإجبار المشجعين على شراء التذاكر وفق فئات عامة للمقاعد دون معرفة موقعها الفعلي إلا بعد إتمام الشراء، ما يدفع بالمشجعين لدفع مئات الدولارات الإضافية مقابل الفئة الثانية ليجد نفسه في الصف الأخير منها، خلف حامل تذكرة الفئة الثالثة الأرخص مباشرة وبزاوية رؤية ذاتها تقريبا.
وقد أشعل هذا الأمر جدلا واسعا دفع الجماهير لإطلاق مشاريع جماعية عبر الإنترنت لمقارنة المقاعد، وتسبب في شكاوى وتحقيقات حكومية اتهمت الفيفا ببيع إمكانية الحصول على مقعد ممتاز لا المقعد نفسه، تزامنا مع اكتشاف حجب أفضل المقاعد السفلية مسبقا لصالح برنامج الضيافة الفاخر الخاص بالأثرياء، حيث توفر باقات الضيافة التي تصل لآلاف الدولارات تجربة مشاهدة منعزلة تدر أرباحا قياسية وتحرم المشجع العادي من متابعة نجومه المفضلين عن قرب، وتفرز سؤالا جوهريا حول من تنظم كأس العالم لأجله فعليا.
وتتكامل هذه الصورة الرأسمالية في التعديل المتأخر الذي أعلن فيه الفيفا منع المشجعين من إدخال سوى زجاجة مياه واحدة محكمة الإغلاق وغير قابلة لإعادة الاستخدام لأسباب أمنية، وهو إجراء جاء ملائما ومريحا جدا لشركة محلية مملوكة لأحد رعاة البطولة والتي تملك حقوق بيع المياه حصريا داخل الملاعب في الدول الثلاث.
النتيجة صورها كثيرون وكأنها مفارقة ساخرة تتجلى في كون بطولة قامت أساسا على ثقافات كروية شعبية وعمالية، أصبحت تديرها أكبر مؤسسة ترفيهية متعددة تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، وباتت بعيدة المنال عن الجماهير التي صنعت تلك الثقافة في الأصل.
وتنسحب معايير المنظمة المزدوجة على مواقفها السياسية أيضا، فوفقا لمنطق رئيس الفيفا جياني إنفانتينو، فإن السياسة لا مكان لها في كرة القدم، وهو المبدأ الذي ترفعه المنظمة لثني اللاعبين والمشجعين والنشطاء عن إقحام القضايا الخلافية، حيث قوبلت حملات التضامن مع فلسطين، والدفاع عن حقوق الإنسان، والاحتجاجات المناهضة للعنصرية، بالحجة ذاتها: “كرة القدم يجب أن توحد لا أن تفرق”.
غير أن هذا الحياد المزعوم وفق أشد معارضي رئيس الفيفا يتم تفسيره وتفصيله وفقا لمصالح المنظمة الخاصة، ففي عام 2025، منح إنفانتينو أول نسخة من “جائزة فيفا للسلام” إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مشيدا بدوره في تعزيز التعاون الدولي، في خطوة أثارت نقاشا واسعا حول حدود العلاقة بين الرياضة والسياسة، خاصة وأن ترامب مضى لاحقا بكل ثقله نحو نزاع وتصعيد عسكري مع إيران، وسيكون حاضرا في هذه البطولة لتسليم الكأس الشهيرة للفائز، والتي سيرغب غالبا في رفعها بنفسه أمام الشاشات.
وتظهر الازدواجية عند مقارنة تعامل الفيفا مع القضية الفلسطينية بنظيرتها الروسية، فبينما علّق الاتحاد مشاركة روسيا في المنافسات الدولية مباشرة بعد هجومها على أوكرانيا، ركن فجأة إلى فضائل الحياد والشمولية عندما يتعلق الأمر بفلسطين، مجهضا على مدى سنوات مطالبات الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم باتخاذ إجراءات ضد الأندية الإسرائيلية التي تنشط في المستوطنات المقامة في الضفة الغربية المحتلة، معتبرا أن الوضع القانوني والسياسي للمنطقة معقد ولم يُحسم بعد.
وقد تجسد هذا الشرخ السياسي بوضوح خلال مؤتمر الفيفا الذي انعقد في مدينة فانكوفر الكندية مطلع العام الجاري، حيث سعى إنفانتينو إلى هندسة صورة رمزية للمصالح البروتوكولية السطحية عبر جمع ممثلين فلسطينيين وإسرائيليين على منصة واحدة ومحاولة دفعهم إلى مصافحة بعضهم البعض أمام الكاميرات.
غير أن رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، جبريل الرجوب، قاوم ضغوط إنفانتينو ورفض مصافحة ممثل الاتحاد الإسرائيلي، مسببا إحراجا بالغا ومباشرا لرئيس الفيفا أمام ملايين المتابعين عبر العالم، ليؤكد مجددا أن فكرة وجود كرة القدم في مجال نقي ومعزول عن السياسة ظلت دائما أطروحة تسقط تماما أمام الواقع المعقد.
(د ب أ)



