مقالات

مُعتَقلون بلا قضبان بقلم الدكتور وائل القيسي -العراق –

بقلم الدكتور وائل القيسي -العراق -

مُعتَقلون بلا قضبان
د.وائل القيسي
لابدّ من تأصيل نقطة بالغة الأهمية، وهي أن هذا المقال لا يطعن في القانون الوضعي بل في أولئك الذين يمتهنونه ويشرفون عليه، بدءاً من المحقق الشُرَطي والأمني والاستخباراتي، ثم القضاة والمحامين. فهم يُكيّفون المواد القانونية وفق أهوائهم ومصالحهم، سواء بالإكراه عبر التعذيب أو التلفيق، أو من خلال الإبتزاز بحياة وشرف عائلة المعتقل.
إن تهمة الإرهاب أو البعث صارت تهمة جاهزة تُلصق بأي مُتَّهَم وبكل سهولة، وهي تُستخدم ضد السنة فقط.
أما أكذوبة المخبر السري، فقد صار الحديث عنها ممجوجا وبلا قيمة بعد أن تحولت إلى ظاهرة وحالة اعتيادية، راح بسببها آلاف مؤلفة من الأبرياء السنة تحديداً لأسباب طائفية. والقليل الآخر تدفعه أسباب مصلحية كالرشاوى المادية أو التجبر والتسلط وتعويض الشعور بنقص المكانة والوجاهة الشاذة وغيرها. أما المتبقي منهم فيدفعهم خوفهم وجبنهم ورغبتهم في الحفاظ على المنصب والوظيفة ومجاراة أهل القرار والسطوة إلى الظلم والتعسف، رغم قناعاتهم التامة ببراءة السواد الأعظم من المعتقلين.
هنا لن أتحدث عن المعتقلين لأسباب جنائية أو مدنية أوفساد مادي وأخلاقي، بل عن المعتقلين لأسباب سياسية بحتة، وهي في الحقيقة أسباب طائفية بامتياز. يضاف إليهم معتقلو الرأي والتعبير والموقف، وفي كلتا الحالتين هم محسوبون على المعارضة للنظام السياسي الحالي الذي تم صنعه وتأسيسه في دولة الغزاة الأميركان ودويلة الإحتلال الإيراني.
من البديهيات المسلم بها أن أمريكا (الصهيونية) عندما قررت القضاء على النظام في العراق سنة 2003 وإنهاء وجود الدولة وهدم أبرز قواعدها وشروطها، استعانت بكل من يعارض نظام الحكم الوطني وامتداده القومي في العراق آنذاك، سواء كانوا من العلمانيين أو الإسلامويين. أما إيران فمن المؤكد أنها كانت تحتضن عملاءها من العراقيين الهاربين إليها أو من خلال خلاياها النائمة في العراق، بالإضافة إلى بعض المرتزقة المنتفعين ممن لايُحسبون على الإسلامويين.
وعند استحضار أجندة الغزاة الأميركان والمحتل الإيراني، نجد أنها تفضي إلى نتيجة واحدة، مفادها إسقاط النظام العربي القومي الذي كان يقوده الرئيس صدام حسين، والقضاء على الدولة وتفكيك شروط وجودها المتعارف عليها من (أرض وشعب وحكومة وسيادة). ولا أعتقد أن واحدة من هذه الشروط الأربع قد حافظت على وجودها الحقيقي بعد الإحتلال.
يظهر ببساطة وبما لا يقبل الشك أن كلا الطرفين الأمريكي والإيراني متفقان على النتيجة، ومختلفان في الأسلوب والوسائل.
هنا تبرز قضية ” التخلص ” من كل مواطن عراقي وطني يقاوم ويعارض التوجه الأميركي والإيراني من أجل الوصول إلى التدمير الكامل لدولة العراق. وتختلف طرق التخلص هذه بأساليبها وأوقاتها ومنهجيتها، فهي تبدأ بالتضييق والتهديد وتنتهي بالقتل والإعدام والتغييب والإعتقال الدائم حتى الموت.
وتُعد طريقة” الإعتقال ” للمعارضين من أسوأ وأخطر طرق التخلص منهم، فهي تأخذ شكل القانون في ظاهرها لكنها بالأساس هي منهج وعقيدة وقرار، لتحقيق الفناء المطلوب بحق كل عراقي مقاوم ومعارض بالفكر والعقيدة.
إن قضية المعتقلين بتهم الإرهاب المزعوم والبعث في سجون الحكومات العراقية المتعاقبة منذ 2003 وحتى يومنا هذا، والتي يُقدر فيها أعداد المعتقلين بمئات الآلاف، صارت تهدد وحدة العراق ووجوده التأريخي والحضاري، حتى أن هناك من يصفها بمحاولة تشييع كل الشعب العراقي على طريقة تَشَيُّع إيران الفارسية قبل عدة قرون، حيث تحولت إيران إلى المذهب الشيعي رسمياً في أوائل القرن السادس عشر، على يد الشاه إسماعيل الأول مؤسس الدولة الصفوية بعد أن كانت دولة سنية.
وإذا كانت أعداد المعتقلين تزيد على 400 ألف معتقل، فهذا يعني أن هناك 400 ألف عائلة وأكثر محطمة ومقهورة ومسحوقة تنتظر أدنى فرصة للإنتقام والثأر، وهو حق إنساني مشروع بالدفاع عن الوجود وحق الحياة مادامت القضية قضية ظلم وتعسف بحقهم وحق ذويهم المعتقلين. ناهيكم عن حجم المعاناة في التعامل بينها وبين الدوائر الحكومية والجهات الأمنية والميليشيات الإرهابية، بسبب فقدان الثقة والكراهية التامة بين الطرفين، بالإضافة إلى حرمان ذوي المعتقلين من الوظائف والعقود وقطع أبواب الرزق والعيش الكريم أمامهم، والمعاناة الكبيرة عند زيارة الأهالي لأبنائهم في المعتقلات، والمبالغ الكبيرة التي تتكبدها هذه العوائل المُعْدَمة اصلا، بين رشاوى تدفع للسجانين واسيادهم ومصروف السفر بين بغداد والتاجي وأبو غريب والحلة والناصرية والسليمانية والموصل وغيرها، وكذلك المبلغ الذي لابدّ لكل عائلة من توفيره لأبنائهم المعتقلين شهرياً لشراء الطعام والشراب والدواء وشراء ذمم صغار السجانين لتلبية صغائر احتياجاتهم الإنسانية.
وهناك الكثير من التفاصيل التي لن نتطرق إليها في هذاالمقال، كالذل والخسف والهوان الذي تلقاه عوائل المعتقلين، والتجاوز الأخلاقي والتحرش بالنساء، والسب والشتم الطائفي المقيت.
لقد صارت عوائل وذوو المعتقلين معتقلين أيضاً، وتحيط بهم إجراءات التشكيك بوطنيتهم وتهمة الإرهاب المكذوبة التي تلاحقهم، وحرمانهم من أبسط قواعد وحقوق المواطنة. وذنبهم الوحيد أنهم دافعوا عن وطنهم، بينما صار الخونة والعملاء والجواسيس والفاسدون والمجرمون والذيول هم من يحكم هذا الوطن.
لذلك،فإن ذوي المعتقلين صاروا معتقلين لكن بلا قضبان.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب