ناقلات الظل: تحقيق بالوثائق وصور الأقمار يكشف منظومة تهريب النفط الإيراني من الإمارات إلى الحوثيين

ناقلات الظل: تحقيق بالوثائق وصور الأقمار يكشف منظومة تهريب النفط الإيراني من الإمارات إلى الحوثيين
هوية متبدلة ومالك واحد.. كيف تُدار “ناقلات الظل” الإيرانية من قلب المناطق الحرة الإماراتية؟ تحقيق لـ”عربي بوست” يكشف كيف يُعاد تدوير النفط الإيراني بعيدًا عن العقوبات.
يرصد تحقيق “عربي بوست” مسار تهريب للنفط الإيراني عبر الإمارات وصل إلى الحوثيين في اليمن، متتبعاً خيطاً بدأ بضبط الهند لثلاث ناقلات نفط تبين أنها مدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية، ليكشف من خلال تتبعها بصور الأقمار الصناعية والوثائق والبيانات الملاحية، تفاصيل عن شبكة أوسع لهذا النشاط المستمر حتى بعد الحرب التي بدأت في 28 فبراير/شباط 2026.
اعتمد التحقيق على تحليل بيانات تتبع السفن خلال فترة زمنية تمتد من مارس/آذار 2023 حتى أبريل/نيسان 2026، بالاستناد إلى إشارات نظام التعريف الآلي للسفن (AIS)، ومقارنتها بصور الأقمار الصناعية، وبيانات الغاطس، إلى جانب مراجعة سجلات الملكية والبيانات التجارية المرتبطة بالناقلات.
في السابع من فبراير/شباط 2026، أوقفت الهند ثلاث سفن مدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية، وُجّهت إليها شبهات التورط في تهريب النفط الإيراني. ما بدا في ظاهره عملية ضبط روتينية، سرعان ما تحول إلى نقطة انطلاق لمسار تتبع أوسع، قاد إلى ما هو أبعد من مجرد ثلاث سفن معزولة.
انطلق تحقيق “عربي بوست” من تتبع بيانات حركة الناقلات الثلاث عبر أنظمة AIS، ومقارنتها بصور الأقمار الصناعية، ما كشف أنماطًا غير اعتيادية في مساراتها وسلوكها التشغيلي، تشير إلى استخدام أساليب لإخفاء عمليات نقل النفط، وتدعم فرضية وجود شبكة منظمة تعمل خارج الأطر التقليدية.
ومع توسيع نطاق التحليل، قادت مراجعة سجلات الملكية والبيانات التجارية إلى كشف شبكة أوسع من السفن والشركات المرتبطة بكيانات تتخذ من الإمارات مقرًا لها، رغم اختلاف الأعلام والأسماء. ويُظهر التداخل بين الملكية المسجلة والفعلية بنية تشغيلية تعتمد على تغيير الأسماء والأعلام واستخدام شركات واجهة لتقليل قابلية التتبع.

مالك واحد وأعلام متعددة: خريطة الملكية الخفية
عند التدقيق في بيانات الملكية، يتبين أن الناقلات الثلاث رغم اختلاف أعلامها، تعود في جوهرها إلى منظومة واحدة.
الناقلة “Asphalt Star”، الحاملة للرقم البحري الدولي “IMO: 9463528″، ترفع علم دولة مالي ومسجلة في دولة بنما، لكن مراجعة بيانات الملكية على منصة “MarineTraffic” تُظهر أن المالك المستفيد هو شركة “GLORY INTERNATIONAL FZLLC” ومقرها رأس الخيمة في الإمارات.
كما تُظهر السجلات أن المالك المسجل للسفينة هو شركة “GLOBAL STAR SHIPPING LINES INC”، ويقع مقرها أيضًا في رأس الخيمة. ويظهر في سجل السفينة أنها بدلت اسمها أربع مرات خلال الفترة ما بين 2023 و2026، وهو مؤشر شائع في أساطيل الظل التي تسعى إلى إعادة تعريف هويتها الملاحية باستمرار.


السفينة الثانية “Stellar Ruby”، الحاملة للرقم البحري “IMO: 9555199″، لا تختلف كثيرًا عن سابقتها، فهي ترفع العلم الإيراني، لكن بيانات الملكية تُظهر أن المالك المستفيد هو الشركة ذاتها، “GLORY INTERNATIONAL FZLLC”، في حين تعود الملكية المسجلة لشركة “ROYAL PRINCESS SHIPPING INC”.
كما تشير البيانات إلى أن شركة ELITE SHIPPING & TRADING FZC تتولى دور المالك التجاري والمدير التقني للسفينة، مع ملاحظة أن جميع هذه الكيانات مسجلة في دولة الإمارات العربية المتحدة.

أما السفينة الثالثة “Chiltern” المعروفة أيضًا باسم “Al Jafzia”، والحاملة للرقم البحري الدولي “IMO: 9171498″، ترفع علم دولة نيكاراغوا، لكن بيانات الملكية تؤكد مرة أخرى أن المالك المستفيد هو شركة “GLORY INTERNATIONAL” أيضًا.
وتظهر السجلات أن المالك المسجل هو شركة “CHIL 1 SHIPPING LINES INC”، بينما المدير التجاري والمشغل هما شركة “MILLENNIUM SHIPS MANAGEMENT & OPERATION FZE”، وجميع هذه المؤسسات تتخذ من الإمارات مقرًا لها.


هذا التشابه الكبير بين الناقلات الثلاث لا يتعلق فقط بالاسم أو العلم أو نوعية العقوبات، بل يكشف عن بنية ملكية متماثلة، تتخذ من الإمارات قاعدة تشغيلية وتجارية، وتستخدم تعدد الأعلام وتغيُّر الأسماء وتوزيع الملكيات المسجلة بين أكثر من شركة لتقليل قابلية التتبع.
وهو ما يدفع إلى الاستنتاج بأن التحقيق لا يتعلق بثلاث ناقلات منفصلة بقدر ما يتعلق بشبكة واحدة، تتوزع واجهاتها القانونية والإدارية بين شركات مختلفة لكنها تعمل ضمن منظومة مصالح واحدة.
تفكيك أنماط التلاعب في شبكة نقل النفط
قبل الغوص في تفاصيل المسارات البحرية لهذه الناقلات، لا تكشف البيانات عن تحركات عشوائية أو مخالفات منفصلة، بل عن سلوك متكرر يتبع منطقًا واحدًا: إخفاء مصدر النفط ومسار نقله وإعادة تدويره داخل شبكة معقدة. فالتدقيق في إشارات التتبع، وبيانات الغاطس، وصور الأقمار الصناعية، لا يُظهر فقط ما حدث، بل يكشف كيف تم ذلك عبر مجموعة من الأساليب التقنية المتداخلة.
النقل من سفينة إلى سفينة في عرض البحر
قبل أن تتحرك الناقلة Chiltern نحو الساحل الغربي للهند حيث أوقفها خفر السواحل الهندي، لم تكن رحلتها خطًا ملاحيًا عاديًا، بل سبقتها واحدة من أكثر الإشارات وضوحًا على الانخراط في شبكة نقل نفط خاضعة للعقوبات: عملية نقل مباشر في عرض البحر.
ففي 29 ديسمبر 2025، وبالعودة إلى بيانات التتبع الملاحية على منصة MarineTraffic، رُصدت تحركات غير اعتيادية قبالة ميناء خورفكان في الإمارات. أظهرت البيانات اقتراب السفينة Global Dominance (رقم IMO: 9672301) من الناقلة Chiltern حتى تقلصت المسافة بينهما إلى 17 مترًا فقط، وهو اقتراب لا يحدث في الملاحة الطبيعية إلا في سياق عمليات منسقة.

في الساعة 03:43 بالتوقيت العالمي، سجّل النظام بداية عملية نقل سوائل بين السفينتين، بينما كانتا تتحركان في الاتجاه نفسه وبسرعة منخفضة متطابقة تقريبًا. هذا النمط — الاقتران الحركي المتزامن مع المسافة الضيقة — يُعد من المؤشرات التقنية المعتمدة في تحليل OSINT البحري على حدوث عملية نقل نفطي مباشر بين سفينتين.
استمرت العملية نحو ثلاث ساعات كاملة، حتى الساعة 06:28، قبل أن تنفصل السفينتان، كلٌ في مساره.
هذا النوع من العمليات، المعروف باسم Ship-to-Ship Transfer (STS)، يُستخدم بشكل واسع داخل ما يُعرف بـ”أسطول الظل”، إذ يسمح بنقل النفط دون المرور عبر الموانئ، وبالتالي دون تسجيل رسمي أو خضوع لرقابة جمركية.
اللافت أن السفينة Global Dominance نفسها مدرجة على قوائس العقوبات الأمريكية بتهمة نقل النفط الإيراني، ما يربط العملية بسياق أوسع يتجاوز مجرد حادثة منفردة، ليضعها ضمن شبكة منظمة.

ولا يقتصر نمط STS على هذه الواقعة. ففي حالة الناقلة Asphalt Star (Glory Star 1)، يظهر النمط نفسه لكن بصيغة أكثر تعقيدًا تعتمد على تعدد الوسطاء.
خلال توقفها قبالة خورفكان في أكتوبر 2023، رُصد اقتراب قارب يُدعى Baraka 1 منها، حيث التصق بها وتوقف بمحاذاتها، دون الكشف عن رقمه البحري، ثم غادر. وتكرر هذا السلوك ثلاث مرات. بعد ذلك، سلكت السفينة Anastasiia 11 (IMO: 9188192) المسار نفسه، مقتربة من الناقلة ومتوقفة بمحاذاتها.

تتبع حركة هاتين السفينتين أظهر أنهما كانتا ترسيان مرارًا في ميناء خورفكان قبل التوجه إلى موقع الناقلة، ما يشير إلى نموذج “النقل المرحلي”، حيث يتم نقل النفط على دفعات صغيرة من الميناء إلى الناقلة الرئيسية.
ولتأكيد هذا النمط بصريًا، تمت مراجعة صور الأقمار الصناعية للمنطقة، حيث أظهرت صورة بتاريخ 25 أكتوبر سفينتين راسيتين جنبًا إلى جنب على بعد 5 كيلومترات فقط من الميناء.


وعند مطابقة الصورة مع بيانات MarineTraffic في التوقيت نفسه، تبيّن أن السفينتين هما ASHLEY (9258466) وELOISE (9233234)، والأخيرة مدرجة ضمن برنامج العقوبات الأمريكية IRAN-EO13846، وترفع علم الغابون، ومرتبطة بشركة VROOM MARINE VENTURE FZE المسجلة في الإمارات.

وبتوسيع نطاق التحليل، أظهرت بيانات الملاحة وجود كثافة غير طبيعية للسفن في النقطة نفسها، مع مسارات متقاطعة بشكل متكرر بين الميناء وهذه السفن، ما يشير إلى أن هذه المنطقة قبالة خورفكان تحولت إلى محطة تحميل بحرية غير رسمية.

رصدت بيانات MarineTraffic 10 ناقلات مدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية في الموقع ذاته قبالة خورفكان. في 29 ديسمبر 2025، اقتربت السفينة Global Dominance من الناقلة Chiltern حتى صارت المسافة بينهما 17 مترًا، واستمر نقل السوائل قرابة ثلاث ساعات (03:43 → 06:28 UTC).
التلاعب ببيانات الغاطس (Draft Manipulation)
يُعد الغاطس (Draft) من المؤشرات التقنية الأساسية التي تعكس حالة تحميل السفينة، إذ يزداد عمق الغاطس كلما زادت الحمولة. لكن في الحالات التي تم تحليلها، يظهر الغاطس كأداة تضليل متعمدة.
في حالة Chiltern، ورغم تنفيذ عملية نقل نفط واضحة في عرض البحر بتاريخ 29 ديسمبر 2025، لم يظهر أي تغيير في عمق الغاطس في البيانات المبثوثة عبر نظام AIS، ما يرجح إدخال رقم مزيف لإخفاء عملية التحميل.
وفي 15 يناير 2026، وبعد بدء رحلتها، أطفأت السفينة إشارتها واختفت عن الرادار، قبل أن تعود لاحقًا وقد تم تعديل بيانات الغاطس لتعكس القيمة الحقيقية، في سلوك يجمع بين التلاعب بالبيانات وإخفاء الإشارة.

كما يظهر النمط نفسه في 19 يونيو 2025، عندما اقتربت السفينة من الساحل العماني قبالة الفجيرة، وسُجّل انخفاض في الغاطس بأكثر من 4 أمتار، ما يدل على نقل كمية كبيرة من النفط دون دخول ميناء.
أما في حالة Stellar Ruby (IMO: 9555199)، فقد غادرت السفينة ميناء الحمرية في 1 أبريل 2024 بعد يوم واحد من الرسو بمحاذاة خزانات النفط، ببيانات غاطس لا تتجاوز 4 أمتار، رغم أن نظام MarineTraffic كان يصنفها بأنها “Laden” (محملة). وبعد مغادرتها الميناء، وعلى بعد 10 كيلومترات فقط، قفز الغاطس إلى 7 أمتار.

وعند تحليل الفارق الزمني بين تسجيل البيانات (10:39 إلى 11:22)، والمسافة المقطوعة (6 كيلومترات)، تبيّن أن السفينة كانت تتحرك بشكل مستمر، ولم تتوقف مطلقًا، ما يجعل تحميلها في عرض البحر مستحيلًا ضمن هذا الإطار الزمني، ويؤكد أن الحمولة أُخذت داخل الميناء بينما تم بث بيانات مضللة عند المغادرة.
كما تكرر التلاعب أثناء الرحلة، فبعد مغادرتها ميناء المكلا في 15 أبريل وهي محملة بالكامل، اختفت إشارتها عدة مرات، وأثناء الإبحار المنتظم دون تغيير في السرعة، انخفض الغاطس فجأة من 7 إلى 5.9 متر، ما يشير إلى تعديل متعمد في البيانات.


وفي 8 مايو 2024، وبعد مغادرتها الحديدة، تكرر النمط نفسه، حيث انخفض الغاطس من 5.9 إلى 4.6 متر خلال 35 دقيقة فقط دون تغير في السرعة.

أما الناقلة Asphalt Star، فقد أظهرت نمطًا أكثر وضوحًا في التلاعب عند مغادرة الميناء. ففي 5 سبتمبر 2023، وبعد مغادرتها الفجيرة، وبين الساعة 01:00 و01:05 فقط، قفز الغاطس من 5.6 إلى 8.9 متر، دون أي لقاء مع سفن أخرى، ما يجعل الرقم الأول غير منطقي تقنيًا، ويرجح أنه كان مزيفًا لإخفاء الحمولة.


إطفاء إشارات التتبع (AIS Dark Activity)
إطفاء جهاز AIS يُعد من الأدوات المركزية في عمليات التمويه البحري.
في حالة Chiltern، أطفأت السفينة إشارتها في 15 يناير 2026 بعد انطلاقها، قبل أن تعود لاحقًا ببيانات معدلة.
أما Stellar Ruby، فقد أظهرت نمطًا أكثر وضوحًا، إذ اختفت إشارتها عدة مرات بعد مغادرة المكلا، وفي 3 مايو 2024 أطفأت إشارتها لمدة أربع ساعات كاملة، قبل أن تظهر لمدة ساعة واحدة فقط داخل ميناء الحديدة، ثم تختفي مجددًا، لتظهر بعد ثلاثة أيام خارجة من الميناء.


هذا النمط الزمني يتطابق مع مدة تفريغ الحمولة داخل الميناء، كما تم توثيقه في حالات أخرى مثل Chiltern.
التحميل غير المباشر قرب الموانئ (Near-Port Offshore Loading)
لا تتم كل العمليات داخل الموانئ أو في عرض البحر البعيد، بل تُنفذ أحيانًا في مناطق قريبة جدًا من الموانئ.
في حالة Asphalt Star، دخلت الناقلة ميناء الفجيرة في 16 أكتوبر 2023 بغاطس 5.8 متر (فارغة)، ثم تحركت إلى خورفكان دون تغيير في الغاطس. وبعد توقف دام يومًا قبالة الساحل، ارتفع الغاطس إلى 8.9 متر، ما يشير إلى تحميل النفط خارج الميناء مباشرة.

ويعزز هذا الاستنتاج تتبع السفن الصغيرة التي كانت تنقل النفط إليها، إضافة إلى صور الأقمار الصناعية التي أظهرت عمليات رسو مزدوج في المنطقة.
كما يظهر النمط نفسه في 4 سبتمبر 2023، حيث غادرت الناقلة الفجيرة دون تغيير في الغاطس، ثم بعد دقائق فقط تغيّر الرقم بشكل كبير، ما يشير إلى أن بيانات المغادرة كانت مضللة.


دمج الأدلة: الأقمار الصناعية + AIS
لمواجهة التلاعب، تم اعتماد منهجية دمج الأدلة. في حالة Chiltern، تم تأكيد وجودها في ميناء الحمرية في 13 مارس 2023 عبر صور الأقمار الصناعية التي أظهرت 6 سفن، وتمت مطابقة توزيعها مع بيانات AIS.


كما تم قياس طول السفينة (181.61 مترًا) ومقارنته بطولها الرسمي (182.75 مترًا). وعند وصولها إلى الحديدة في أبريل 2023، أظهرت صور الأقمار الصناعية ناقلة بطول 180.5 مترًا، ما يدعم تطابق الهوية.

وفي حالة Stellar Ruby، أظهرت صور 4 مايو 2024 ناقلة بطول 100.43 مترًا، مقابل طول رسمي 102.70 متر، وهو ضمن هامش الخطأ المقبول.
مسارات متكررة: من الإمارات إلى موانئ الحوثيين
تكشف البيانات أن هذه العمليات ليست حالات منفردة، بل نمطًا متكررًا.


Chiltern
Stellar Ruby
Asphalt Star


وفي جميع الحالات، النتيجة واحدة: الوصول إلى ميناء الحديدة أو الصليف وتفريغ الحمولة بالكامل داخل مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين.
بنية شبكة لا مجرد عمليات فردية
ما تكشفه هذه الوقائع ليس سلسلة حوادث معزولة، بل منظومة تهريب متكاملة تقوم على:
- تنويع طرق التحميل (ميناء – عرض البحر – نقاط وسيطة)
- التلاعب الرقمي (AIS + الغاطس)
- إعادة توزيع الحمولة عبر شبكة سفن مترابطة
- الاستفادة من مناطق رمادية رقابيًا قرب موانئ دولية
عند النظر إلى هذه المعطيات مجتمعة، يتضح أن القضية لا تتعلق بثلاث ناقلات فقط، بل بشبكة ناقلات نفط إيراني تعمل وفق النمط ذاته، وترتبط جميعها بمقرات وشركات وإدارات داخل الإمارات.
فالسفن الثلاث التي أوقفتها الهند ليست سوى واجهات من أسطول أوسع، يستخدم الأعلام المتبدلة، والأسماء المتغيرة، والملكية المركبة، والتحميل في عرض البحر، والتوقفات المزدوجة بين الفجيرة وخورفكان، ثم التوجه إلى ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة الحوثيين.
وقد ساعدت بيانات التتبع، وصور الأقمار الصناعية، وعمق الغاطس، وتحليل مسارات AIS، في كشف هذا النمط. فالسفن لا تدخل دائمًا الميناء محمّلة بصورة واضحة، بل كثيرًا ما تُظهر غاطسًا منخفضًا عند المغادرة ثم يرتفع بعد الابتعاد، أو تنخفض قيمته بعد الوصول إلى وجهة التفريغ، بما يشير إلى استخدام رقم مزيف لحجم الحمولة أو إلى تغيير متعمد في البيانات المرسلة.
وفي حالات أخرى، تظهر السفن محملة عند الرادار ثم تختفي إشاراتها خلال فترات مفصلية، لتعود لاحقًا وقد تغيّرت بياناتها بما يعكس حمولة فعلية سبق الحصول عليها من الميناء أو من عمليات نقل بحرية بعيدة عن الأنظار.
وتتكرر أيضًا العلاقة بين الحمرية والفجيرة وخورفكان من جهة، والحديدة والصليف والمكلا من جهة أخرى. فالميناء الإماراتي يبدو في كثير من هذه الرحلات نقطة الانطلاق أو التحميل، بينما يظهر الميناء اليمني الخاضع للحوثيين كنقطة التفريغ النهائية.
هذه المراجعة لمسارات السفن الثلاث، إضافة إلى السفن الصغيرة التي تقترب منها في البحر، تكشف شبكة لوجستية متكاملة تتوزع بين ناقلات رئيسية، وسفن أصغر، وشركات ملكية وتشغيل وتجارة، وشبكات وساطة في منطقة الخليج، وكلها تعمل في خدمة مسار النفط الإيراني.
من يقف خلف الناقلات؟
خلف الأعلام والأسماء المتغيرة، تبرز شبكة بشرية تربط بين شركات مسجلة في الإمارات وناقلات تحت العقوبات الأمريكية.
خلف الأعلام المتبدلة والأسماء المتغيرة، يبرز اسم الربان الهندي JUGWINDER SINGH BRAR، مديرًا تنفيذيًا لشركة Glory International FZ-LLC المسجلة في رأس الخيمة والمشغلة للناقلات محل التحقيق. وتُظهر سجلات الشركة على منصة dnb، وهي منصة دولية متخصصة في بيانات الأعمال والسجلات التجارية، مسؤوليته عن الشركة.

كما كشفت وثيقة صادرة عن دائرة خدمات الملاحة والشحن البحري في أنتيغوا وباربودا (ADOMS) عن ملكيته لشركة Elite Shipping & Trading FZC المسجلة في المنطقة الحرة بالحمرية في الشارقة، والتي ظهرت ضمن سجلات MarineTraffic مديرًا تجاريًا لناقلة Stellar Ruby.

وفي أبريل 2025، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على BRAR وشركاته، كاشفةً أنه نسق مع شبكة المسؤول المالي الحوثي سعيد الجمال أساليب التحايل على العقوبات، وتحديدًا استخدام ناقلات صغيرة لإخفاء عمليات تهريب النفط الإيراني.

ولم يصدر عنه أي نفي للعقوبات الأمريكية، لكنه لم يصمت حين أوقف خفر السواحل الهندي ناقلاته في فبراير 2026، إذ نفى من دبي أي تورط في أنشطة غير مشروعة، مدعيًا أن سفنه كانت تقدم إمدادات لسفن في خطر، وهدد بمقاضاة السلطات الهندية على خلفية ما وصفه بالتشهير.
ومن بين الأسماء المرتبطة بسيرتها المهنية بهذه الناقلات، تبرز Safa Fathima، وهي فتاة هندية مقيمة في الإمارات تشغل منذ أبريل 2022 منصب المسؤولة التجارية ومسؤولة التأجير في Elite Shipping & Trading FZC.
وتصف مهامها في الشركة على حسابها على لينكدإن بأنها تقوم بـ”صياغة العقود والتفاوض عليها بما يضمن الامتثال لقوانين الملاحة الدولية”. غير أن اسمها لا يرد في أي قائمة عقوبات أمريكية أو أوروبية، ولم توجه إليها أي اتهامات رسمية حتى تاريخ نشر هذا التحقيق.
وفاطمة ليست الوحيدة المرتبطة بهذه الشبكة. فـMuhammed Rafeek يشغل منذ يناير 2023، بحسب حسابه على لينكدإن، منصب مسؤول الطاقم في Elite Shipping & Trading FZC نفسها، وتشمل مهامه استقطاب أطقم السفن وإدارة وثائقهم وتنسيق تبديلهم على متن السفن.
غير أن منصة RocketReach للبيانات المهنية رصدت ارتباطه بـPrime Tankers بالمسمى الوظيفي نفسه، وهو ما يبدو أنه أزاله من ملفه الشخصي على لينكدإن. وأظهر البحث حول Prime Tankers أنها تخضع لعقوبات أمريكية هي الأخرى، كما تبين أن مالكها هو JUGWINDER SINGH BRAR، مالك ناقلات الظل محل التحقيق.
كما كشف حسابه على لينكدإن أنه يشغل في الوقت نفسه المنصب ذاته في شركة RMC Free Zone Petro Addichem FZC. وهذه الشركة مسجلة في المنطقة البحرية برأس الخيمة، الإمارة نفسها التي تتخذها Glory International مقرًا لها.
وتعمل الشركة في تجارة منتجات النفط، وتشمل منتجاتها الرئيسية القار والزيوت ومشتقات النفط، وتمتد علاقاتها التجارية إلى العراق والهند وسريلانكا وفيتنام.
وبالبحث حول RMC Free Zone Petro Addichem FZC توصل التحقيق إلى حساب Richa Sharma على لينكدإن. وتعمل ريتشا منذ مطلع 2023 في ثلاث شركات في آن واحد: مسؤولة تنفيذية في Glory International FZ-LLC، ومسؤولة طاقم في Prime Tankers LLC، وضابطة طاقم في RMC Free Zone Petro Addichem FZC حيث يعمل محمد رفيق.
وتصف ريتشا مهامها في Glory International بأنها تتولى توثيق أكثر من 30 ناقلة، وتشمل مهامها تسجيل السفن تحت أعلام دول مختلفة والحصول على اعتماداتها، وهي العملية التي رصدت نتائجها مباشرة في هذا التحقيق، إذ كانت الناقلات الثلاث ترفع أعلام مالي ونيكاراغوا وإيران رغم ارتباطها بمالك واحد.
ولا ترد RMC Free Zone Petro Addichem FZC في أي قائمة عقوبات أمريكية أو أوروبية، ولم توجه إليها أي اتهامات رسمية حتى تاريخ نشر التحقيق، غير أن ظهورها في السير المهنية لأكثر من موظف يعمل في صميم هذه الشبكة يرجح أنها تلعب دورًا فيها.
وكشف المزيد من البحث حول الشركة عن حساب Kashif Hussain على لينكدإن، الذي يصف نفسه بأنه متخصص في تصنيع مواد التشحيم. وترجع علاقته بالشركة إلى ما لا يقل عن ست سنوات.
إذ كشفت مراجعة حسابه عن منشور يعود إلى سبتمبر 2019 أعلن فيه انطلاق عمليات Petro Addichem لتأجير خزانات النفط في ميناء المدينة البحرية برأس الخيمة، مما يعني أن الشركة تملك خزانات لتخزين النفط على رصيف الميناء، في الإمارة ذاتها التي تتخذها Glory International مقرًا لها.
وفي منشور آخر له على لينكدإن، رصد حسين أول ناقلة ترسو على رصيف خزانات Petro Addichem في ميناء المدينة البحرية برأس الخيمة لتفريغ حمولتها من زيت الوقود.
وما لفت الانتباه في الصورة المرفقة بالمنشور أن اسم الناقلة الراسية كان GLOBAL RANI، وهي إحدى الناقلات المدرجة على قوائم العقوبات في أبريل 2025 ضمن أسطول JUGWINDER SINGH BRAR.

وعند التواصل مع كاشف حسين للاستيضاح، رد بأنه باع الشركة ولم تعد تربطه بـPetro Addichem أي علاقة شخصية أو تجارية، مرفقًا ما وصفه بوثيقة تحويل الحصص إثباتًا لذلك.
لكن الوثيقة التي أرسلها حسين أظهرت أن المشتري كان Jugwinder Singh Brar نفسه، مالك ناقلات الظل في هذا التحقيق، إذ نقل إليه ملكية Petro Addichem عام 2020.
كما أظهرت مراجعة بيانات الشحن المرتبطة بالشركة أنه على الرغم من وجود مقر الشركة في رأس الخيمة، فإن 4 من أصل 5 عمليات تصدير رُصدت للشركة تنطلق من ميناء خورفكان، وهو الميناء ذاته الذي ظهرت قبالته سفن الظل.
وأظهرت البيانات نفسها أن أكبر مشتري منتجات Petro Addichem هي شركة Agarwal Industrial Corporation الهندية، بصفقات بلغت قيمتها 104 ملايين دولار عام 2024 وحدها، تلتها Kotak Petroleum LLP بـ90 مليون دولار في العام ذاته.
وبالبحث حول Agarwal Industrial Corporation، اتضح أنها خضعت لتحقيق جمركي هندي يعود إلى عام 2014 كشف أن شحنات البيتومين التي استوردتها إيرانية المنشأ، لكنها صُنفت في وثائق الشحن على أنها إماراتية.
وهذه الحلقة تضيف بعدًا آخر إلى الشبكة، إذ تظهر أن العلاقة بين الإمارات وإعادة تصدير المنتجات النفطية أو تصنيفها ليست مجرد تفصيل عابر، بل جزء من منظومة أوسع من التدفقات التجارية التي يصعب فصلها عن مسارات التهريب والتحايل على العقوبات.
ناقلات الظل في زمن الحرب
بعد توقف الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في 8 أبريل 2026، وفرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، تتحول ناقلات الظل من مجرد أداة تهريب إلى ورقة استراتيجية في صراع إقليمي مفتوح.
بعد توقف الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في 8 أبريل 2026، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية اعتبارًا من 13 أبريل، للضغط على الاقتصاد الإيراني عبر تقويض صادراته النفطية التي تعتبر المصدر الرئيسي للعملات الأجنبية.
دفعت هذه التهديدات إيران، بحسب تقرير لموقع TankerTrackers.com، إلى تبني استراتيجية احترازية تمثلت في الإبقاء على نحو 21 مليون برميل من النفط الخام مخزنة على متن ناقلات عائمة قبالة سواحلها، تحسبًا لأي اضطرابات ميدانية أو استهداف مباشر للبنية التحتية للتصدير.
واعتمد فريق التحليل بالموقع في تقديراته على صور أقمار صناعية، من بينها صور القمر الأوروبي “كوبيرنيكوس-2″، لرصد مواقع وأنماط انتشار ناقلات النفط الإيرانية في محيط مضيق هرمز وخليج عُمان.
وهذا ما أكدته مراجعة بيانات تتبع عدد من الناقلات المدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية بتهمة تهريب النفط الإيراني عبر منصة “MarineTraffic”. إذ تُظهر بيانات تتبع الناقلة Global Rani (رقم IMO: 9136113)، التي تديرها شركة GLORY INTERNATIONAL FZ-LLC، تمركزها في منطقة خليج عمان منذ اندلاع الحرب، مع تسجيل فترات انقطاع متكررة وطويلة في بث الإشارة، في نمط يُرجح تعمد إخفاء تحركاتها عن أنظمة الرصد البحري.

كما تشير بيانات التتبع وفق ما وصل إليه “عربي بوست” إلى رصد الناقلة Global Peak (رقم IMO: 9125712)، التابعة للشركة ذاتها، في الموقع الجغرافي نفسه، بما يعكس نمط تموضع متكرر لأسطول الشركة في هذه المنطقة خلال الفترة ذاتها.

وكان الوضع مختلفًا بعض الشيء بالنسبة للناقلة Blooming Dale (رقم IMO: 9125724)، إذ تُظهر بيانات الرصد أنها انطلقت مطلع مارس من الخليج العربي باتجاه مضيق هرمز، قبل أن تُطفئ إشارات التتبع الخاصة بها أثناء اقترابها من المضيق.

لاحقًا، عادت للظهور مجددًا بعد عبور مضيق هرمز، داخل نطاق خليج عمان في 8 أبريل، قبل أن تدخل في سلسلة من الانقطاعات المتكررة والطويلة في بث الإشارة، بما يعكس نمطًا متقطعًا في إخفاء موقعها، وفي 13 أبريل، رُصدت مجددًا وهي تبحر باتجاه ميناء شهيد رجائي الإيراني، في اليوم نفسه الذي أُعلن فيه فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية.

بعد وقف الحرب في 8 أبريل 2026 وفرض الحصار البحري الأمريكي في 13 أبريل، تموضعت ناقلات أسطول Glory International (Global Rani و Global Peak) في خليج عمان مع انقطاعات متكررة للإشارة، فيما خرجت Blooming Dale من الخليج العربي عبر مضيق هرمز، أطفأت إشاراتها، ثم عادت للظهور متجهةً إلى ميناء شهيد رجائي الإيراني. وأبقت إيران نحو 21 مليون برميل من النفط الخام مخزنة على متن ناقلات عائمة قبالة سواحلها.
ولمواجهة التهديد الأمريكي بالحصار، وقبله التهديد بالاستيلاء على جزيرة خارك، المركز الرئيس لتصدير النفط الإيراني، استخدمت إيران أسطولًا من الناقلات للإبقاء على احتياطي نفطي كبير عائم في البحر.
في هذا الإطار، جاء إعلان المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء إبراهيم ذو الفقاري أن أمن موانئ الخليج وبحر عمان إما للجميع أو لا لأحد، محذرًا من أن أي تهديد لأمن الموانئ الإيرانية سينعكس على أمن جميع الموانئ في المنطقة.
ويضع هذا التهديد الموانئ الإماراتية التي رصدها هذا التحقيق، والذي وثق نشاط ناقلات مدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية تنطلق منها عبر شركات مسجلة في الإمارات لنقل النفط الإيراني إلى ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة الحوثيين، ضمن نطاق التوتر.
ومع تصاعد المواجهات، نقل عبد الخالق عبدالله، أستاذ العلوم السياسية والمقرب من السلطات الإماراتية، عن “وول ستريت جورنال” أن الإمارات تعتزم استخدام قوتها الناعمة لخنق إيران ماليًا وتجاريًا عبر تجميد أصولها وقطع إمداداتها وإغلاق شركاتها التي وصفها بأنها “رئة إيران للعالم”.
وهنا يصبح التحقيق أكثر من مجرد تتبع ناقلات، إنه يضع الموانئ والشركات والشبكات التجارية في قلب صراع إقليمي مفتوح، حيث تتقاطع العقوبات مع التهريب، والسياسة مع اللوجستيات، والتجارة مع الحرب.
ويبقى السؤال الذي يطرحه هذا التحقيق دون أن يملك إجابته النهائية: هل كانت هذه الرئة تعمل بعلم السلطات الإماراتية أم بغيابها؟ وقد أتاح فريق التحقيق الفرصة للجهات المعنية للرد، إذ تواصل مع سلطات موانئ الحمرية، وأرسل استفسارات مفصلة بالوقائع والأدلة الموثقة، ولم يتلق أي رد.
عربي بوست



