“ناموا ولا تستيقظوا”… حين تصبح قصيدة الرصافي مرآة لواقعنا

“ناموا ولا تستيقظوا”… حين تصبح قصيدة الرصافي مرآة لواقعنا
بقلم رئيس التحرير
ليست بعض القصائد مجرد نصوص أدبية تُقرأ ثم تُنسى، بل تتحول مع الزمن إلى وثائق فكرية وسياسية تختزن من المعاني ما يجعلها صالحة لكل عصر. ومن أبرز هذه القصائد ما كتبه الشاعر العراقي الكبير معروف الرصافي حين قال: “ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النوَّم”، وهي قصيدة ساخرة حملت نقداً لاذعاً لواقع عربي مأزوم في زمنه، لكنها تبدو اليوم وكأنها كُتبت لوصف حاضرنا.
الرصافي لم يكن يدعو إلى النوم الحقيقي، بل استخدم السخرية السياسية ليهاجم حالة الصمت والخضوع والاستسلام، وليفضح مجتمعات رضيت بالتراجع بدل التقدم، وبالسكوت بدل المواجهة، وبالجهل بدل المعرفة. وحين قال:
يا قوم لا تتكلموا إن الكلام محرّمُ
ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النوَّمُ
فهو كان يشير إلى قمع الرأي، وإلى الخوف من الكلمة الحرة، وهي ظواهر ما زالت بأشكال مختلفة حاضرة في واقعنا العربي، حيث يُكافأ المصفق، ويُضيَّق على صاحب الفكر والرأي.
وحين قال:
وتأخروا عن كل ما يقضي بأن تتقدموا
ودعوا التفهم جانباً فالخير ألا تفهموا
فقد شخص أزمة أعمق، وهي محاربة الوعي وتحويل الجهل إلى أداة للسيطرة. لذلك لم يكن غريباً أن تتراجع أمتنا في ميادين التعليم والبحث العلمي، بينما تقدمت شعوب أخرى جعلت من العلم أساس نهضتها.
الأشد إيلاماً في القصيدة قوله:
إن قيل إن بلادكم يا قوم سوف تقسَّمُ
فتحمدوا وتشكروا وترنحوا وترنموا
وكأن الرصافي تنبأ بما آلت إليه أحوال المنطقة من انقسامات وصراعات داخلية وتدخلات خارجية، حتى أصبح بعض العرب يتعاملون مع الأزمات الكبرى وكأنها قدر لا يمكن تغييره.
في الحالة الفلسطينية، تبدو هذه الأبيات أكثر حساسية، فشعبنا يواجه أخطر مشروع استعماري إحلالي، في وقت تتآكل فيه عناصر القوة بفعل الانقسام وضعف الأداء وغياب الرؤية الوطنية الموحدة. ولا يمكن مواجهة هذا الواقع بعقلية الانتظار أو الركون إلى الشعارات.
إن الرسالة الحقيقية للرصافي لم تكن الدعوة إلى النوم، بل إلى الثورة عليه؛ لم تكن تمجيد الصمت، بل التحذير من نتائجه؛ ولم تكن قبول الهزيمة، بل كشف أسبابها.
بعد أكثر من قرن على كتابة القصيدة، يبقى السؤال مطروحاً: هل نبقى أسرى واقع وصفه الرصافي بدقة، أم نمتلك شجاعة الاستيقاظ؟ فالأمم لا تُهزم فقط حين تُغلب عسكرياً، بل حين تفقد إرادة النهوض، وحين تعتبر النقد جريمة، والوعي خطراً، والصمت فضيلة.
لقد آن الأوان للانتقال من زمن “ناموا ولا تستيقظوا” إلى زمن استيقظوا واعملوا، فما فاز إلا الأحرار الواعون.



