الصحافه

نيويورك تايمز: حرب ترامب ضد إيران قوّضت القيادة الأمريكية للعالم وقوّت طهران وفكّكت التحالفات التقليدية

نيويورك تايمز: حرب ترامب ضد إيران قوّضت القيادة الأمريكية للعالم وقوّت طهران وفكّكت التحالفات التقليدية

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” افتتاحية قالت فيها إن حرب ترامب قد أضعفت أمريكا وتسببت بعدة انتكاسات لها. وأضافت أنه عندما شن الرئيس دونالد ترامب هجومه على إيران في 28 شباط/ فبراير “وصفنا قراره بالتهور” لأنه قرر خوض الحرب دون الحصول على موافقة الكونغرس أو دعم معظم الحلفاء، ولأنه قدم تبريرات واهية ومتناقضة للشعب الأمريكي، وعجز عن تقديم تفسير بأن هذه المحاولة الساذجة لتغيير النظام ستنتهي بشكل أفضل من المحاولات السابقة للولايات المتحدة في العراق وأفغانستان وغيرها.

وتشير الصحيفة إلى أن الأسابيع الستة التي تلت ذلك، كشفت وبوضوح عن حربه المتهورة، فقد استهان بالتخطيط العسكري الدقيق وتصرف بناء على حدسه وأهوائه.

وبعد أن تنبأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لترامب بأن الهجمات ستثير انتفاضة شعبية في إيران، رد مدير وكالة المخابرات المركزية بأن هذه الفكرة “سخيفة”، وفقا لما كشفه تحقيق “نيويورك تايمز”.

مضى ترامب قُدُما وكان واثقا جدا، لدرجة أنه لم يضع أي خطة للرد على خطوة مضادة واضحة متاحة لإيران: وهي التسبب في ارتفاع أسعار النفط عن طريق إغلاق مضيق هرمز

ومع ذلك، مضى ترامب قُدُما وكان واثقا جدا، لدرجة أنه لم يضع أي خطة للرد على خطوة مضادة واضحة متاحة لإيران: وهي التسبب في ارتفاع أسعار النفط عن طريق إغلاق مضيق هرمز. كما أنه لم يطور إستراتيجية قابلة للتطبيق، من أجل تأمين اليورانيوم المخصب الذي يمكن لإيران استخدامه لإعادة بناء برنامجها النووي.

بل زاد انحراف ترامب عن مساره أكثر في التهديدات التي أطلقها الأسبوع الماضي، وقال فيها إنه سيدمر الحضارة الإيرانية ويفني سكانها عن بكرة أبيهم.

ثم أعلن بعد ذلك عن هدنة في اللحظات الأخيرة لم تحقق سوى القليل من أهدافه المعلنة في الحرب. ولا تزال إيران تتجاهل بندا أساسيا من الاتفاق، وتمنع معظم حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. ومن هنا، ترى الصحيفة أن عدم مبالاة ترامب، تركت الولايات المتحدة على حافة هزيمة إستراتيجية مُذلة.

وكررت “نيويورك تايمز” موقفها مثل أي صحيفة أمريكية أو غربية، وقالت إن النظام الإيراني لا يستحق التعاطف، مرددة نفس اللازمة من أنه أمضى عقودا في قمع شعبه ودعم الإرهاب في أماكن أخرى.

وترى أن الحرب الخاطفة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في حزيران/ يونيو 2025، والعمليات الإسرائيلية الأخرى منذ عام 2023، أضعفت إيران بشكل كبير.

إلا أن الصحيفة تقول إنه هذه النجاحات، لا يمكنها تجاوز الطرق التي أضعفت بها الحرب الأخيرة الولايات المتحدة.

وقدمت أربع انتكاسات رئيسية تسببت بها الحرب للمصالح الوطنية الأمريكية، وهي نتيجة مباشرة لإهمال ترامب. وبطريقة أخرى، تضعف هذه الانتكاسات الديمقراطية العالمية، في وقت كان فيه الحكام المستبدون في الصين وروسيا وغيرها يشعرون بالجرأة.

الانتكاسة الأولى، وهي الأبرز والملموسة جدا للمصالح الأمريكية، وتتعلق بالنفوذ المتزايد الذي أصبح لإيران على الاقتصاد العالمي من خلال إغلاق مضيق هرمز. ويمر عبر هذا المضيق، المتاخم للساحل الجنوبي لإيران، نحو 20% من نفط العالم والغاز الطبيعي المسال. فقبل الحرب، كان قادة إيران يخشون أن يؤدي إغلاق المضيق إلى فرض عقوبات اقتصادية جديدة عليهم أو حتى تعرضهم لهجوم عسكري. ولكن بعد وقوع الهجوم، أغلقت إيران المضيق أمام جميع أنواع الملاحة تقريبا باستثناء سفنها. وأضافت الصحيفة أن هذه السياسة غير مكلفة لأنها تعتمد في الغالب على التهديد، أي احتمال تفجير ناقلة نفط بواسطة طائرة مسيرة أو صاروخ أو قارب صغير. وفي المقابل، تحتاج إعادة فتح المضيق بالقوة، عملية عسكرية ضخمة قد تشمل قوات برية واحتلالا مطولا.

أقنعت الحرب قادة إيران أن السيطرة على الممر المائي أمر ممكن بالفعل، ويبدو أن إيران قد حققت نفوذا دبلوماسيا لم تكن تحلم به قبل ستة أسابيع

ومن هنا، فرؤية ترامب الضيقة تجاه المضيق تكشف عن خلل فادح، لأن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين لا يعيد الوضع إلى ما كان عليه. ذلك أن إيران لا تزال تحد من حركة الملاحة وهددت بفرض رسوم مرور كجزء من اتفاق سلام نهائي.

وقد أقنعت الحرب قادة إيران أن السيطرة على الممر المائي أمر ممكن بالفعل. ومن المرجح أن تطور دول أخرى بدائل في نهاية المطاف، بما في ذلك خطوط الأنابيب، لكن هذه الحلول ستستغرق وقتا.

وفي الوقت الراهن، يبدو أن إيران قد حققت نفوذا دبلوماسيا لم تكن تحلم به قبل ستة أسابيع. والطريقة الوحيدة الواضحة لتغيير الوضع، حسب الصحيفة هي دعوة تحالف دولي يطالب بإعادة فتح المضيق، وهو نوعٌ من التحالفات لا يرغب ترامب بقيادتها أبدا ولا يناسبه.

الانتكاسة الثانية، تتعلق بمكانة الولايات المتحدة العسكرية حول العالم. فقد أدت هذه الحرب، إلى جانب المساعدات الأمريكية الأخيرة لأوكرانيا وإسرائيل وحلفاء آخرين، إلى استنزاف جزء كبير من مخزون بعض الأسلحة، مثل صواريخ توماهوك وصواريخ باتريوت الاعتراضية (القادرة على إسقاط صواريخ أخرى). ويعتقد الخبراء أن البنتاغون استخدم أكثر من ربع صواريخ توماهوك في الحرب ضد إيران وحدها. وسيستغرق استعادة المخزون إلى حجمه السابق سنوات. ومن هنا، ستجد الولايات المتحدة نفسها أمام قرارات صعبة بشأن كيفية الحفاظ على قوتها العسكرية خلال هذه الفترة. وقد سحب البنتاغون بالفعل أنظمة الدفاع الصاروخي من كوريا الجنوبية.

ومن جانب آخر، كشفت الحرب عن ضعف الجيش الأمريكي في وجه أساليب الحرب الحديثة. ففي الوقت الذي استخدمت فيه أمريكا ذخائر متطورة بمليارات الدولارات لتدمير القوات الجوية والبحرية الإيرانية التقليدية، استخدمت طهران طائرات مسيرة رخيصة الثمن لعرقلة حركة الملاحة في مضيق هرمز وضرب أهداف في المنطقة. لقد رأى العالم كيف يمكن لدولة تنفق عُشر ما تنفقه الولايات المتحدة على جيشها وهي تحاول الصمود في الحرب. وهو ما يذكر بالحاجة الملحة لإصلاح الجيش الأمريكي.

الانتكاسة الثالثة، أكبر خسائر الحرب تكمن في تحالفات أمريكا. فقد رفضت اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وكندا ومعظم دول أوروبا الغربية دعم الولايات المتحدة في هذه الحرب، وهو أمر ليس بمستغرب بالنظر إلى معاملة ترامب لهم. وعندما طالب بمساعدتهم في إعادة فتح مضيق هرمز، رفض معظم الحلفاء.

وستبقى هذه الدول حليفةً في جوانب مهمة، لكنها أوضحت أنها لم تعد تعتبر الولايات المتحدة حليفا يمكن الاعتماد عليه. وبدأت ببناء علاقات أقوى فيما بينها لكي تتمكن من مقاومة واشنطن بشكل أفضل في المستقبل. وكتب دانيال بايمان، من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن، يوم الأربعاء: “ربما يكون أكبر ضرر طويل الأمد يلحق بالولايات المتحدة جراء الحرب مع إيران هو الضرر الذي يلحق بعلاقاتها مع حلفائها حول العالم”.

ربما يكون أكبر ضرر طويل الأمد يلحق بالولايات المتحدة جراء الحرب مع إيران هو الضرر الذي يلحق بعلاقاتها مع حلفائها حول العالم

وفيما يتعلق بالوضع في الشرق الأوسط فهو أكثر تعقيدا، وقد يدفع قرار إيران مهاجمة جيرانها العرب خلال الحرب، تلك الدول إلى التقارب مع الولايات المتحدة، مع أن هذا الاحتمال غير مؤكد. فقد تضررت السعودية ودول الخليج الأخرى اقتصاديا جراء الحرب، وتشعر بأن وقف إطلاق النار الذي أعلنه ترامب هو بمثابة تخل عنها. كما منحتهم الأسابيع الستة الماضية سببا للتشكيك في حكمه وفهمه لمصالحهم.

الانتكاسة الرابعة، وهذه تؤشر إلى تآكل السلطة الأخلاقية الأمريكية. فعلى الرغم من كل عيوب هذا البلد، إلا أنه لا يزال منارة لكثيرين حول العالم. فعندما يسأل مستطلعو الرأي الناس عن المكان الذي سينتقلون إليه لو أتيحت لهم الفرصة، تتصدر الولايات المتحدة باستمرار قائمة الخيارات الأولى. ولا تنبع جاذبية أمريكا من ازدهارها فحسب، بل من حريتها وقيمها الديمقراطية أيضا.

وقد قوض ترامب هذه القيم طوال مسيرته السياسية، ولم يكن  هذا واضحا بشكل أكبر منه عندما هدد في الأسبوع الماضي، وبكلمات بغيضة بأنخ سيمحو الحضارة الإيرانية. كما أدلى وزير دفاعه، بيت هيغسيث، بسلسلة من التصريحات الدموية، بما في ذلك تهديده بـ”عدم التسامح مع أعدائنا وعدم إظهار أي رحمة لهم”.

 وتقول الصحيفة: “هذه جرائم حرب، حيث تبنى ترامب وهيغسيث نهجا وحشيا في النزاعات المسلحة، وهو نهج قادت الولايات المتحدة العالم في حملة رفضه بعد الحرب العالمية الثانية. ولهذا قوضا أسس القيادة العالمية لأمريكا، التي تدعي وضع كرامة الإنسان في صميم أي نقاش من أجل عالم أكثر حرية وانفتاحا”.

– “القدس العربي”:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب