هآرتس.. أمريكا وإسرائيل: كيف يعيدون بناء أنظمتهم سريعاً؟

هآرتس.. أمريكا وإسرائيل: كيف يعيدون بناء أنظمتهم سريعاً؟
مع اقتراب نهاية الأسبوع الأول للحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ما زال حلها بعيد المنال. كان ميزان القوة بين الطرفين واضحاً من البداية لصالح الطرف المهاجم. فالأضرار والخسائر والضربات الاستراتيجية التي تكبدتها إيران في هذا الأسبوع تفوق بكثير ما تمكنت من إلحاقه بأعدائها، لكن بينما يغمر الرئيس ترامب ونتنياهو مواطنيهما برسائل حماسية حول نصر وشيك، فمن الأفضل وصف الأمور كما هي، على الأقل في هذه المرحلة: لقد شكلت افتتاحية الحرب نجاحاً عملياتياً كبيراً. وما زالت سيطرة الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية على ما يحدث في جميع أنحاء إيران واضحة وتتجلى في إطلاق قنابل دقيقة على مواقع حيوية. ولكن حتى مساء أمس، لم يظهر النظام في إيران أي إشارات على الاستسلام. يبدو أن إيران مصرة على مواصلة الحرب وتفعيل كل وكلائها في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وتوسيع نطاق حملتها لتشمل دول الخليج وأطراف أوروبا (أذربيجان وقبرص).
لا شك أن الأمريكيين ما زالوا يخبئون تحركات مفاجئة. ولكن مع مرور الوقت، إذا لم يتم التوصل إلى قرار، فيجب على ترامب النظر إلى مسار بديل، وهو التوصل إلى حل وسط بشأن اتفاق نووي جديد، الذي سيفرض قيوداً أشد على المشروع الإيراني. ولكنه لن يضمن انهيار النظام (بل على العكس، رفع العقوبات الدولية عن النظام سيضخ المزيد من الأموال في خزينته ويعزز فرصة بقائه). هذا هو المسار الذي تخلى عنه الرئيس في الأسبوع الماضي عندما قرر شن الهجوم بعد أن تبين بأن المرشد الأعلى علي خامنئي لم يكن مستعداً لإظهار أي مرونة حول المبادئ الأساسية الإيرانية المتعلقة بالمشروع النووي. والآن بعد رحيل علي خامنئي وتولي نجله مجتبى السلطة، سيرغب الأمريكيون في إعادة النظر في إمكانية التفاوض مع أي طرف. يعي الإيرانيون أن قوة الولايات المتحدة الكبيرة لا يمكن نشرها إلى الأبد في الشرق الأوسط ولن ترسل بسهولة لإعادة انتشارها في حالة فشل المفاوضات، وبالتالي، لا يمكن استخدامها إلا لفترة محدودة.
تشن إدارة ترامب الحروب بطريقة لا مثيل لها. الرئيس نفسه يتحدث إلى وسائل الإعلام كل يوم، أما في إسرائيل فخلافا لذلك، لا أحد في الحكومة يكلف نفسه عناء التحدث للمدنيين الذين يتعرضون للهجوم باستثناء المتحدثين باسم قيادة الجبهة الداخلية. يبدو أن ترامب يستمتع حالياً بالأضواء وفرصة تصوير نفسه، على الأقل في نظر نفسه، كقائد عظيم. هيغسيث، وزير الدفاع (وزير الحرب كما يسميه ترامب) ليس كالجنرالات الذين أحاط ترامب نفسه بهم في ولايته الأولى، والذين اختلف معهم بسرعة. الوزير الحالي، الرائد المتقاعد في الحرس الوطني، أثار إعجاب ترامب عندما شاهده الأخير وهو معلق عسكري في شبكة “فوكس نيوز”، أوضح وزير الدفاع في خطابه الثلاثاء بأن الولايات المتحدة لا تسعى إلى منافسة عادلة، بل تحقيق نصر ساحق وإلحاق هزيمة كاملة بخصومه.
تحدث ترامب في مقابلة أجريت معه في بداية الأسبوع عن أربعة – خمسة أسابيع لتحقيق أهداف الحرب. في غضون ذلك، صرح مسؤول أمني إسرائيلي رفيع في مؤتمر صحفي الثلاثاء بأن الجيش الإسرائيلي سيحتاج إلى أسبوعين من القتال على الأقل. تصريح المسؤول الإسرائيلي لم يعجب المقربين من ترامب وانهالوا عليه باللوم. أما ما يتم تجاهله تماماً فهو أهداف الحرب: هل تشمل إسقاط النظام في إيران، لم يذكر موضوع تغيير النظام في بيانات البيت الأبيض هذا الأسبوع.
داني سترونوفيتش، عضو معهد دراسات الأمن القومي وأحد المعلقين البارزين والأكثر دقة في تحليل إيران، كتب أن الانتصار في الحرب يعني إسقاط النظام، لكن لس هناك ما يضمن استعداد البيت الأبيض لاستثمار الوقت والموارد المطلوبة.
تسعى إسرائيل بجهد لإسقاط النظام كهدف، لكن يبدو أن المستوى السياسي متفائل أكثر من المستوى الأمني بشأن فرصة تحقيق ذلك. خلافاً للسابق، لا يوجد حاليا أي توتر حقيقي بين الحكومة وهيئة الأركان العامة بشأن كيفية استخدام القوة. لم يعد هناك ما يسمى بـ “الصقور” و”الحمائم” مثلما كانت الحال في الخلاف حول مهاجمة إيران قبل 15 سنة. فمنذ 7 أكتوبر أيد الجيش استخدام القوة بنطاق واسع في أي فرصة تقريباً. فهل سيصل الجيش الإسرائيلي على خلفية هذه المعلومات الجديدة إلى مرحلة يبلغ فيها الحكومة ومجلس الوزراء بأن استخدام القوة لم يعد ناجعاً وأنه يجب إيجاد مخرج آخر؟
لقد شملت جهود تعافي إيران أيضاً تسخير حزب الله الذي نسق معها لشن وابل متزامن من النيران على إسرائيل في محاولة “إرباك” أنظمة الاعتراض وجعل مهمتها صعبة. لقد تزامن دخول حزب الله إلى الحرب مع التقييمات الاستخبارية الإسرائيلية المبكرة. حتى الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام الحذر والبارع الذي يترأس حزب الله حاليا، لم يكن بإمكانه المرور مر الكرام على اغتيال خامنئي، الزعيم الشيعي الأعلى في العالم.
لقد ردت إسرائيل على إطلاق النار من لبنان بسلسلة خطوات. فسلاح الجو الإسرائيلي نفذ غارات في بيروت والبقاع وكل أرجاء لبنان، وينشر الجيش الإسرائيلي الآن المزيد من المواقع في المنطقة الأمنية الضيقة التي فرضها على الحدود الشمالية ويهدد باحتلال مناطق أخرى. أمس، طلبت إسرائيل من سكان الضاحية الجنوبية وسكان جنوب لبنان في جنوب الليطاني إخلاء بيوتهم استعداداً للقصف المزمع. ستكون هذه هجمات واسعة النطاق. واضح أن حزب الله يعمل على تفعيل وحدات وتشكيلات كانت في حالة جمود قسري منذ وقف إطلاق النار مع الجيش الإسرائيلي في لبنان في تشرين الثاني 2024. وتتنافس الحكومة اللبنانية والجيش وسياسيون بارزون في إصدار بيانات تدين حزب الله. الأوضاع تتغير في أرجاء الشرق الأوسط كله.
معضلة إسرائيل
في غضون ذلك، تطلق المليشيات الشيعية في العراق المسيرات، وتتوقع إسرائيل رداً محتملاً من الحوثيين في اليمن الذين لم يتدخلوا حتى الآن. هذه حرب إقليمية حتى لو لم تكن كل الأطراف منخرطة فيها بنفس القدر. ويبدو أن رد إيران هو قرار متعمد لإشعال فتيل الصراع في كل المنطقة. فقد أطلقت آلاف الصواريخ والقذائف والمسيرات في الوقت نفسه على إسرائيل وعلى بعض دول الخليج التي تستضيف قواعد أمريكية، وعلى قبرص وأذربيجان أيضاً. ويتمثل القلق الرئيسي في دول الخليج في نفاد صواريخ الاعتراض قبل استنفاد الترسانة الهجومية الإيرانية.
ربما اعتقد الإيرانيون، وقد جدوا أنفسهم في مأزق، أن هذا سيخلق ضغطاً عربياً ودولياً على ترامب لوقف الهجوم. ولكن في الوقت الحالي، يبدو أن العكس هو الصحيح؛ فالدول العربية تعزز التعاون مع الأمريكيين وتأمل الحصول على إمدادات جديدة من صواريخ الاعتراض بسبب حجم القصف الذي تعرضت له. والقصف في الدول الأوروبية واستحالة فصل التحركات الأمريكية والإسرائيلية في هذه المرة يخفف من حدة انتقادات الغرب الموجهة للهجوم ضد نظام خامنئي.
لم يكن رد فعل إيران في هذا الأسبوع وحده الذي كشف عن التصميم، بل يبدو أن إيران تفاجئ الاستخبارات الإسرائيلية مرة تلو أخرى بالسرعة التي تعيد فيها بناء الأنظمة المتضررة وتجديد الكفاح العسكري ضدها. ويظهر هذا أيضاً في سرعة إعادة تشغيل خطوط الإنتاج ومنصات الإطلاق ومستودعات الصواريخ، منذ انتهاء الحرب السابقة في حزيران الماضي، وأيضاً في الاستعداد لشن هجوم مضاد بالتنسيق مع حزب الله، مع معرفتهم المسبقة للتكلفة الباهظة.
لكن معضلة إسرائيل تكمن هنا؛ لأنه لم يعد بالإمكان ‘نكار رغبة النظام في تدمير إسرائيل والميل إلى اعتبار ذلك هدفاً عملياً. إذا كانت إعادة الترميم الجزئية سريعة جداً، بعد ثمانية أشهر على انتهاء الحرب السابقة، فهل يمكن الاستمرار في سياسة الجولات الدورية أم أنه من الأفضل محاولة إقناع ترامب بالسعي إلى حل حقيقي؟ مع مرور الوقت، سيجد اقتصاد إسرائيل صعوبة في الصمود أمام حملة عسكرية بعيدة المدى، بمعدل جولة أو جولتين في السنة.
الاستطلاعات التي أجريت في إسرائيل وأمريكا تشير إلى تأييد كبير للحرب في إسرائيل، وتحفظات كبيرة منها في الولايات المتحدة (رغم وجود بوادر مبكرة لتحول إيجابي بين الجمهوريين بسبب نجاح ترامب في تسويق خطواته الأولية كإنجاز). مع ذلك، فإن النطاق المحدود لإطلاق الصواريخ المرتبط بجهود إيران للتخطيط لنطاق استخدام سلاحها المتبقي، يقلل حالياً الأثر القاسي للحرب على الرأي العام في إسرائيل. رغم الضربة الافتتاحية المدوية، تبدو هذه الحرب غريبة بعض الشيء، حيث تفتقر إلى الزخم ويقل فيها التهديد للجبهة الداخلية أكثر مما كنا نخشى. وما زال حجم الضرر الذي لحق بالإيرانيين مجهولاً.
مع ذلك، يتقبل معظم الإسرائيليين الحرب وكل ما يترتب عليها كأمر واقع: شلل كامل آخر للاقتصاد بعد ثمانية أشهر، التهديد المتكرر لأرواح المدنيين، عدم اليقين حول انتهاء كل ذلك، فتح حساب مع الإيرانيين، بل ومع كل الشيعة، في ضوء القرار الاستثنائي، اغتيال المرشد الأعلى. أمس، عندما ازداد القلق حول تصاعد إطلاق النار من لبنان، أعلنت وزارة المالية تخفيف القيود المفروضة على الاقتصاد، وإعطاء الآباء حرية الذهاب إلى العمل، في حين يبقى الأولاد في البيوت بسبب إغلاق المدارس ورياض الأطفال.
يبدو أن كل ذلك لا يزعج نتنياهو. فقد ظهر رئيس الحكومة متغطرساً في هذا الأسبوع، حيث يطلب من مؤيديه (وبحق) نسب الفضل له بقرار الحرب ضد إيران، لكنهم يصممون على محاسبته على كل ذرة مسؤولية عن الإخفاقات التي سمحت بحدوث 7 أكتوبر. وقد تجلت غطرسته في منتصف الأسبوع عندما حرص مكتبه على نشر نبأ يفيد بأن نتنياهو نفسه أطلق قنابل عن بعد من مسيرة تحلق في سماء إيران، فالطيارون ومن يشغلون المسيرات ليسوا إلا أرقاماً عنده.
في الوقت الحالي، لنتنياهو أسباب كثيرة ليشعر بالرضا؛ فقد توقفت محاكمته الجنائية، والمستشارة القانونية للحكومة تتعرض لهجوم جديد، وتم طي صفحة الجدل حول مشروع قانون الإعفاء من التجنيد، وهو وحده الذي سيقرر موعد الانتخابات الذي يناسبه.
تخطيط مسبق
بدأت المحادثات بين إسرائيل والولايات المتحدة حول توجيه ضربة انتقامية لإيران فور انتهاء الحرب السابقة في نهاية حزيران 2025. وبينما تفاخر ترامب بتدمير المشروع النووي الإيراني، وأعلن نتنياهو النصر، كان الجنرالات في الدولتين أكثر جدية. في نهاية السنة الماضية، بدأت تتراكم معلومات حول استئناف عمل خطوط إنتاج الصواريخ البالستية، إلى جانب تخوف من استئناف العمل في المشروع النووي (رغم أن مخزون اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة، بوزن 400 كغم، ما زال موجوداً على الأرجح). وقد ساهم تولي الأدميرال براد كوبر لقيادة المنطقة الوسطى الأمريكية (السنتكوم) في تسريع الاستعداد المشترك.
استعدت إسرائيل لمهاجمة مواقع الصواريخ في منتصف السنة الحالية، بدون معرفتها إذا كانت الولايات المتحدة ستؤيد هذا القرار أو الانضمام إليه. المتظاهرون في إيران هم الذين حسموا الأمر؛ فموجة الاحتجاج في كانون الثاني والقمع الوحشي الذي استخدمه النظام، الذي أدى إلى مذابح ضد الآلاف من المدنيين، حرفت انتباه ترامب وشجعته على التعهد بتقديم المساعدة للمتظاهرين. وزيارة نتنياهو لواشنطن في بداية شباط ساهمت في إقناع ترامب بحتمية الحرب، وأن إيران ستشن هجمات ضد أهداف إسرائيلية في كل الحالات.
عدد من وسائل الإعلام الأمريكية أفادت هذا الأسبوع بأن موعد الهجوم، صباح السبت 28 شباط، تم تحديده في منتصف الأسبوع السابق. وكان نتنياهو هو الذي شجع ترامب على التحرك عندما قدم له معلومات حصلت عليها الاستخبارات حول نية خامنئي البقاء مكشوفاً في مقر إقامته فوق الأرض في ذلك الوقت. وقد سرعت الفرصة العملياتية التي سنحت لترامب إلقاء القنابل. إضافة إلى ذلك، توقف غضب الرئيس من المفاوضين الإيرانيين، حيث تولد لديه انطباع بأنهم يضيعون وقته عمداً. وقد تم عقد الجلسة الأخيرة للمحادثات في جنيف الخميس الماضي في ظل استعدادات سرية كانت إسرائيل وأمريكا تقومان بها لاغتيال خامنئي وشخصيات بارزة أخرى.
فضل ترامب أن تتولى إسرائيل اغتيال خامنئي بنفسها بسبب القيود القانونية، لكنه سارع في ضوء نجاح العملية إلى نسب الفضل لنفسه. وصرح للمراسلين بأنه هو من أجبر نتنياهو على تنفيذ هذه الخطوة. ونظراً لتكرار مزاعم المبالغة والتضليل والكذب من قبل الطرفين، يصعب تحديد الكاذب منهما. ولكن ما لا جدال حوله، هو التنسيق العملياتي والاستخباري غير المسبوق بين الجيشين في الحملة المشتركة ضد إيران. مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى قال لي في هذا الأسبوع بأن الهجوم يسير جنباً إلى جنب، ويناقش كل يوم في عشرات اللقاءات والمحادثات بين قادة الطرفين.
هاكم ما قاله اثنان من قدامى البنتاغون ووزارة الخارجية، اللذان شغلا مناصب رفيعة فيهما في إدارات سابقة. البروفيسور إليوت كوهين كتب في مجلة “أتلانتيك” بأن الهجوم هذه المرة شمل ضربات متطابقة من حيث الحجم والعدد من قبل القوتين الجويتين. وأضاف بأن إسرائيل في هذه المرة شريكة رئيسية وليست ثانوية. وبحسبه، لم يكن أي جيش أوروبي يمكنه التعامل مع مهمات معقدة كهذه. أما دانا سترول، الباحثة في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، فكتبت بأنه “تصعب المبالغة في وصف مدى ريادية هذه الشراكة. عادة ما يعمل الجيش الأمريكي ضمن تحالفات واسعة ويتولى معظم القتال. ولكن في هذه الحرب، الولايات المتحدة وإسرائيل شركان متساويان، والتعاون الآن شامل أكثر مما كان عليه في حزيران الماضي”.
عاموس هرئيل
هآرتس 6/3/2026




