هآرتس.. روايات المهجّرين من مخيم جنين: مكان للأشباح.. نموت ببطء

هآرتس.. روايات المهجّرين من مخيم جنين: مكان للأشباح.. نموت ببطء
ضياء حاج يحيى
شارعان فقط يفصلان بين الواقع الذي يعيش فيه سكان مدينة جنين وما يعيشه مخيم اللاجئين القريب. في الواقع الأول، المشترون يملأون الحوانيت في الشارع الرئيسي للمدينة قبل عيد الفطر الذي سيبدأ السبت، والسوبرماركت الفاخر “ستي سنتر جنين” الموجود في شارع حيفا، يضج بالحياة. حركة المشترين وضجة الشارع تختلطان معاً، حيث عشرات الأشخاص يتحركون بين البسطات والمطاعم ومحلات الحلويات حاملين في أيديهم أكياساً، وأولادهم إلى جانبهم يركضون بانفعال.
على مسافة بضع مئات من الأمتار، حيث الطريق إلى مخيم جنين تقود إلى عالم آخر، قوانينه مختلفة بشكل جوهري. أصبحت الشوارع المعبدة ترابية، وتحولت واجهات المحلات التي كانت تضج بالحياة في رمضان إلى قضبان حديدية، ولا ذكر للمصابيح التي تنبعث من السوبرماركت. منذ بدأ الجيش الإسرائيلي بالعملية العسكرية في المخيم في كانون الثاني الماضي والشوارع فارغة، ومعظم المحلات مغلقة، والسكون سيد الموقف. المخيم، الذي كان ذات يوم يضج بالحياة، هو اليوم أشبه بمدينة أشباح.
الدمار الذي زرعه الجيش بارز جداً على مدخل المخيم: جدران مثقبة بالرصاص تقف إلى جانب بقايا هياكل المباني التي انهارت تحت وطأة الجرافات، وعلى الأرض مياه تتدفق من الأنابيب التي انفجرت وتختلط بمياه المجاري مخلفة بركاً رمادية. عدد من البيوت التي تضررت ما زال قائماً، لكنها تستخدم مثل ديكور؛ فقد تم منع سكانها من العودة إليها. وثمة مبان أخرى قد تختفي قريباً، لأن الجيش الإسرائيلي أبلغ الأسبوع الماضي عن نيته هدم 95 بيتاً في المخيم بهدف تغيير مخططه وفتح طرق قابلة لوصول السيارات المحصنة إليها.
يعمل الجيش في المخيم كجزء من تحديث أهداف الحرب في الكابنت في كانون الثاني، بحيث تشمل الضفة الغربية أيضاً. نتيجة لذلك، عمل الجيش الإسرائيلي في نطاقات كبيرة في مخيمات اللاجئين بالضفة؛ فقد ازدادت الهجمات الجوية، وازدادت الحواجز في شوارع كثيرة، وأخليت المخيمات من 30 ألف شخص على الأقل. وحسب أقوال رئيس اللجنة الشعبية في مخيم جنين للاجئين، أكرم الرجوب، فإن 800 من بين الـ 1050 بيتاً في المخيم تم تدميرها بالكامل أو بشكل جزئي، حتى قبل الهدم المخطط له.
لا يوجد من يدافع عنا
في هذا الأسبوع، وقف ثلاثة من سكان المخيم على مدخله الشمالي قرب كومة من التراب التي وضعها الجيش، ونظروا بهدوء نحو الجهة التي كان فيها بيتهم. حنوا رؤوسهم بين حين وآخر، ثم نظروا نظرة خاطفة نحو الشارع خلف الحاجز المرتجل. غير بعيد عنهم، سمع صوت إطلاق نار، ربما بهدف الردع أو رداً على إطلاق سابق. ظهر الرجال متوترين ولكنهم لم يتفاجأوا. “ما الذي يحدث هناك؟”، سئل أحدهم. رد باختصار: “الجيش يطلق النار على كل من يقترب”، قال ذلك بهمس تقريباً وبدون أن ينظر.
تمركزت قوات الجيش الإسرائيلي على بعد 200 متر من هناك. أبو أحمد، أحد سكان المخيم (في الخمسينيات) وضع يده على صدره وتنهد بعمق. “أعيش على بعد خمسين متراً من هنا”، قال وأشار إلى أحد الشوارع المدمرة. “سيهدمون بيتي وأريد أن أخرج منه بعض الأغراض التي احتاجها أنا وبناتي. ولكني لا أستطيع. قبل يومين حاولت الدخول، ولكني خرجت بدون شيء. ليس هناك ما نفعله، الجيش لا يسمح لنا”.
“قرأت الخبر، بيتي مشمول ضمن الـ 95 التي سيتم هدمها”، ارتجف صوت أبو أحمد قليلاً وهو يواصل التحدث. “تفاجأت. وحتى الآن لا أستوعب ذلك. منذ ستين يوماً وأنا أسكن بالإيجار، ولا مال أملكه لإنهاء الشهر. وضعي الاقتصادي صعب جداً، والآن لا يسمحون لي بأخذ أغراضي. كل حياتي تدمرت”، قال.
سامر الهندي أيضاً، أحد سكان المخيم (38 سنة)، ينظر من بعيد إلى الحي الذي تربى فيه، ولا يستطيع الاقتراب منه. “منذ بضعة أيام وأنا أريد الدخول إلى الحي”، قال بذهول. “لكني لا أستطيع. هذه ليست حياة. لا يمكن مواصلة العيش في هذه الظروف. كل أسبوع، كل شهر، هناك اقتحام للجيش وتدمير آخر. هذا لا ينتهي”.
خلافاً لبيوت كثيرة أخرى في المخيم، لا يظهر بيت الهندي في قائمة المباني المعدة للهدم. ولكن طلب منه ومن عائلته إخلاؤه قبل شهرين تقريباً. “ربما لا يزال البيت قائماً، لكني لست هناك. أنا مهجر مثل آلاف آخرين. أطلقوا النار على أحد أقاربي وقتل عندما حاول اجتياز الشارع. إطلاق نار من قبل الجيش في المخيم. نحن مكشوفون ولا يوجد من يدافع عنها”، قال بحزن.
تنفس الهندي عميقاً، ورفع عينيه نحو الشارع المدمر الذي عاش فيه وواصل بصوت مصمم أكثر: “هذا ما يريده أتباع بن غفير وسموتريتش، إخراج جميع الفلسطينيين من بيوتهم وتدميرها، وتحويل المخيم إلى مكان غير قابل للحياة، حتى نتنازل. ولكننا لن نتنازل. هذا وطننا. سنبقى هنا حتى لو اضطررنا إلى دفع الثمن بدمائنا”.
المغادرة تحت النار
منذ بداية العملية، اضطرت مئات العائلات إلى مغادرة البيوت في مخيم جنين تحت النار عندما دخل الجيش إليه. محمود بركات، أحد سكان المخيم (46 سنة)، قال إنه حتى من امتثل لتعليمات الجيش كان في خطر. “هربنا تحت زخات الرصاص، في ظل إطلاق نار كثيف من كل الجهات”، قال. “استخدم الجيش مكبر صوت يأمرنا بالخروج. لم يكن أمامنا خيار. بعد الإعلان بمكبر الصوت بدقائق، بدأت إطلاق الرصاص”.
وقال بركات إن العائلة وجدت صعوبة في الابتعاد في هذه الظروف، مع أخذ الوضع داخل المخيم في الحسبان. “الشوارع مدمرة كلياً”، قال. “استدعينا سيارة إسعاف لنقل أمي، هي مريضة ولا تقدر على المشي، لكن هذا كان مستحيلاً، لأن الجيش طوق المخيم بالكامل. حاولنا الخروج في شارع غير مدمر، وهناك أيضاً أطلقوا النار نحونا”.
جمعة سلامة، أحد سكان المخيم (72سنة)، يروي قصة مشابهة. وحسب قوله، فقد ترك بيته سيراً على الأقدام رغم شعوره بالأرق الشديد. “أمرنا الجنود بالإخلاء”، قال. “رأيت شيوخاً ونساء وأطفالاً يهربون من بيوتهم في ظروف غير محتملة”. حسب قوله، لا طريقة لمعرفة ما يحدث في الأحياء المطوقة. ولكن صدى إطلاق النار والانفجارات التي تسمع من هناك لا يتوقف.
أحد سكان المخيم، يونس بواقنة (41 سنة)، يريد التأكيد في بداية المحادثة مع “هآرتس” على أنه لا علاقة للمسلحين الفلسطينيين أو القتال بذلك. “لا أنتمي لأي تنظيم ولا أستخدم العنف”، قال. ورغم أنه أمل أن يكون الأمر هكذا، فإن ذلك لم يمنع الجيش من اقتحام المبنى الذي عاشت فيه عائلته في المخيم، وأمرهم بترك المكان لأسبوعين ونصف.
“في البداية، أبقونا نحن العشرة أشخاص، في غرفة صغيرة لساعتين، بعد ذلك أمرونا بترك المبنى حتى يتمكن الجيش من استخدامه كقاعدة. استمر الأمر 18 يوماً”، يتذكر. العائلة التي عاشت في المبنى الذي يتكون من أربعة طوابق، اضطرت للانتقال إلى بيت قريب مؤقتاً. ولكن حتى بعد أن سمح لها الجيش بالعودة قبل أسبوع، لم يكن الأمر عملياً جراء الضرر الذي لحق بالمبنى.
“دمر الجنود جزءاً من البيت وخربوه، وخلفوا وراءهم القمامة وبراز كلابهم التي كانت هناك”، قال بواقنة. “حطموا الأبواب والنوافذ، الطاولات أيضاً. حتى صورنا الشخصية في البيت تم تدميرها”. ثم صمت لحظة وأضاف: ” الأمر في الضفة لا يشبه حالته في غزة. فهناك يموتون مرة واحدة، لكننا هنا نموت ببطء”.
هآرتس 26/3/2025




