هدم وتجريف وتصحير: ماكينة الاستيطان تعود إلى جنين

هدم وتجريف وتصحير: ماكينة الاستيطان تعود إلى جنين
تتسارع مشاريع الاستيطان في جنين، مع عودة الاحتلال إلى هدم المباني وتجريف الأراضي تمهيداً لإعادة المستوطنات التي أُخليت قبل عقدين. وبالتوازي، تتصاعد الاعتداءات العسكرية واعتداءات المستوطنين، في مسعى لتغيير جغرافيا المحافظة وفرض وقائع جديدة على الأرض.
رام الله | منذ أسابيع، لا تكاد آليات العدو تتوقّف عن تجريف الأراضي واقتلاع الأشجار وهدم المباني والمنشآت والمحالّ التجارية في محافظة جنين، التي باتت واحدة من أكثر مناطق الضفة الغربية استهدافاً بالمخطّطات والمشاريع الاستيطانية. وإذ شرع الاحتلال في تنفيذ عشرات من تلك المخطّطات في جنين، في إطار مساعٍ متسارعة لإعادة الوجود الاستيطاني إلى المحافظة بعد أكثر من عقدَين على إخلاء مستوطناتها، فهو يواصل اتّخاذ إجراءات عسكرية تمهّد للاستيلاء على مزيد من الأراضي فيها، بما ينذر بتغيير واسع في جغرافيا المنطقة وديموغرافيتها.
وفي أحدث فصول هذا التصعيد، شهدت قرى المحافظة، خلال الساعات الماضية، العشرات من عمليات الهدم، وهو ما تفاخر به وزير المالية في حكومة الاحتلال، بتسلئيل سموتريتش، معلناً بدء هدم 26 مبنىً فلسطينياً في منطقتَي «غانيم» و«كاديم»، تمهيداً لإعادة الاستيطان إليهما. وادّعى سموتريتش أن تلك المباني «غير قانونية»، مضيفاً أن هدمها يمثّل «خطوة ضرورية لتعزيز الاستيطان والأمن». وكانت الحكومة الإسرائيلية أقرّت، أواخر عام 2025، إعادة إقامة مستوطنتَي «غانيم» و«كاديم» -بعدما أُخليتا عام 2005-، وذلك ضمن قرار شمل إنشاء أو إعادة إقامة 19 مستوطنة في الضفة الغربية.
كذلك، شهدت جنين، الأحد الماضي، احتفالاً للمستوطنين قرب بلدة عرابة، أعقب وضْع عدد من وزراء حكومة الاحتلال وأعضاء في «الكنيست» ومسؤولين إسرائيليين، حجر الأساس لمستوطنة جديدة تحمل اسم «عيمك دوتان» في أراضي البلدة. كما شارك في المراسم رئيس مجلس المستوطنات في شمال الضفة، إلى جانب نحو 22 عائلة من المستوطنين، في مشهد يعكس حجم الدعم الرسمي للتوسّع الاستيطاني هناك. وبحسب مصادر إسرائيلية، سجّلت أكثر من 300 عائلة أسماءها استعداداً للانتقال إلى 18 مستوطنة يُخطّط لإقامتها في المحافظة.
وثّقت «هيئة مقاومة الجدار والاستيطان» 3488 اعتداءً نفّذها مستوطنون خلال النصف الأول من العام الجاري
ولا ينفصل التمدّد الاستيطاني عن تصعيد عسكري يستهدف القرى والبلدات المحيطة بالمواقع الجديدة؛ إذ يأتي إنشاء «عيمك دوتان» بالتوازي مع تصاعد أوامر وضع اليد والاستيلاء على الأراضي في المنطقة، وشقّ الطرق العسكرية وتوسعتها، وتجريف الأراضي واقتلاع الأشجار وإقامة البؤر الاستيطانية. وفي وقتٍ تتعرّض فيه بلدة عرابة لاقتحامات شبه يومية، وزّع جيش الاحتلال، خلال اقتحامه الأخير لها، منشورات تهديد للسكان جاء فيها: «أقيمت بالقرب منكم بلدة إسرائيلية جديدة تحرسها وتحميها قوات الأمن الإسرائيلية، سنستخدم جميع الوسائل لإحباط وسحق أيّ محاولة لتنفيذ أعمال إرهابية تهدّد أمن المنطقة واستقرارها، كلّ محاولة للمساس بالمدنيين الإسرائيليين أو بقوات الأمن الإسرائيلية تعرّضكم لإطلاق النار الحيّ وللاعتقال».
وتقام مستوطنة «عيمك دوتان»، التي أُنشئت قبل نحو ثلاثة أشهر، على مساحة 72 دونماً من أراضي المواطنين في عرابة وسهلها الذي يُعدّ من أبرز المناطق الزراعية في محافظة جنين، ويضمّ مساحات واسعة من الأراضي الخصبة التي تشكّل مصدراً رئيساً لرزق الأهالي. وتترافق إقامة هذه المستوطنة مع مخطّط لإنشاء طريق استيطاني يبدأ من مستوطنة «ترسلة» جنوب جنين، مروراً بأراضي قرى عجة وصانور وسيلة الحارثية وعطارة وسبسطية وبرقة، وصولاً إلى منطقة دير شرف في محافظة نابلس. وهكذا، لا تقتصر آثار الطرق الاستيطانية على تجريف الأراضي الزراعية والغطاء النباتي في المنطقة التي تمرّ بها، بل تؤدي أيضاً إلى عزل مساحات من الأراضي الزراعية وتقييد وصول المزارعين إليها، بما يهدّد مصادر رزق آلاف الفلسطينيين.
أمّا قرى غرب جنين، فتواجه بدورها تصعيداً متزايداً في الآونة الأخيرة، ولا سيما في الأراضي المحاذية لـ«جدار الفصل العنصري»، حيث تُصدر سلطات الاحتلال أوامر عسكرية تحوّل بها مساحات واسعة إلى مناطق عسكرية، قبل أن تبدأ عمليات تجريف وتدمير للأراضي الزراعية. وأمس، شرعت قوات الاحتلال في هدم عدد من المنشآت التجارية المقامة على الشارع الممتدّ بين دوار مرج ابن عامر وقرية عابا وصولاً حتى مفرق حداد شرق جنين، وذلك بعدما أغلقت الطرق المؤدّية إليه. وفي قرية زبوبا، غرب جنين، فقد المزارع منير أبو بكر نحو 50 دونماً من أراضيه -من جراء تلك العمليات-، كانت مزروعة بأشجار الزيتون ومحاصيل خضرية مروية وبعلية، فضلاً عن تدمير بئر مياه ارتوازية، علماً أن الرجل واحدٌ من نحو 50 مزارعاً طاولت التجريف أراضيهم وأشجارهم.
وبموازاة الهجمة الاستيطانية، تتصاعد اعتداءات المستوطنين الدموية في مختلف أنحاء الضفة. وبحسب التقارير العبرية، سجّلت أجهزة الأمن الإسرائيلية 660 اعتداءً صنّفتها ضمن ما تسمّيه «الجريمة القومية» خلال النصف الأول من عام 2026. وأظهرت معطيات أوردتها «هيئة البث الإسرائيلية» (كان) ارتفاعاً حادّاً في هذه الاعتداءات مقارنة بالفترات السابقة؛ إذ كانت سُجّلت 405 منها في النصف الثاني من عام 2025، و440 في النصف الأول منه. وبذلك، تبلغ الزيادة نحو 63% مقارنة بالأشهر الستة الأخيرة من العام الماضي، ونحو 50% مقارنة بالأشهر الستة الأولى منه.
كذلك، ارتفع عدد الضحايا الفلسطينيين من 82 مصاباً وصفر شهداء في النصف الثاني من 2025، إلى 140 مصاباً وستة شهداء خلال النصف الأول من العام الجاري. على أن هذه الأرقام لا تشمل شهر تموز الماضي، الذي سجّل وحده، وفق الأجهزة الإسرائيلية، نحو 100 اعتداء إضافي، بما يؤشّر إلى استمرار المنحى التصاعدي مع بداية النصف الثاني من 2026. والجدير ذكره، هنا، أن المعطيات الإسرائيلية لا توثّق الحجم الكامل لانتهاكات المستوطنين؛ إذ وثّقت «هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية»، من جانبها، في تقرير صدر في 6 تموز الماضي، 3488 اعتداءً نفّذها مستوطنون في حق الفلسطينيين وممتلكاتهم خلال الأشهر الستة الأولى من 2026، وهو رقم يفوق بفارق كبير الحالات التي تدرجها أجهزة الأمن الإسرائيلية تحت تصنيف «الجريمة القومية».





