عربي دولي

هل أخطأت إدارة ترامب في حربها ضد المحكمة الجنائية الدولية؟

هل أخطأت إدارة ترامب في حربها ضد المحكمة الجنائية الدولية؟

يشعر مسؤولون في إدارة ترامب بالقلق من أن “المحكمة الجنائية الدولية غير الخاضعة للرقابة والمؤسسات الدولية الأخرى ستطلق موجة من الدعاوى القضائية ضد هذه الإدارة وأي شخص مرتبط بها”.

تتصاعد المواجهة بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب والمحكمة الجنائية الدولية، في ظل إجراءات أميركية تستهدف المحكمة وقضاتها، وسط جدل حول تداعيات هذه السياسة على السيادة الأميركية والمساءلة الدولية وعلاقات واشنطن بحلفائها.

هذا ما أكده أستاذ القانون الدولي والدبلوماسية وعميد أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية في أبو ظبي إريك ألتر، وذلك في تقرير نشرته مجلة “ناشونال إنتريست” الأميركية.

وقال ألتر إنه في تموز/ يوليو، أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الولايات المتحدة ستفكك المحكمة الجنائية الدولية “طوبة تلو الأخرى إذا لزم الأمر”، وأطلقت وزارة الخارجية حملة حكومية شاملة لـ”تفكيك” ما وصفته بأنه “تهديد للسيادة الأميركية”. ويخضع الآن 11 قاضيا وممثلا للادعاء لعقوبات من وزارة الخزانة الأميركية، وقد فُرضت العقوبات على اثنين منهم بسبب تصويتهما في أحد الأحكام. والمبرر المعلن هو أن المحكمة تشكل تهديدا للسيادة الأميركية.

وأضاف أنه على مدى 25 عاما، تبنت واشنطن موقفا أكثر تحفظا مفاده أن المحكمة الجنائية الدولية، التي تنظر قضايا الجرائم الدولية، بما في ذلك الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم العدوان، لا يمكنها قانونا محاكمة المواطنين الأميركيين وإصدار أحكام بحقهم. ولم يحدث منذ ذلك الحين أي شيء من جانب المحكمة يفسر هذا التغيير. لكن ما تغير هو نطاق وطبيعة العمل العسكري الأميركي في ظل إدارة ترامب.

ومنذ أيلول/ سبتمبر 2025، قتل الجيش الأميركي أكثر من 200 شخص في نحو 60 ضربة استهدفت سفنا في منطقة الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، مع الكشف عن معلومات محدودة للغاية بشأن هوياتهم. وأُعيد طالبو اللجوء إلى البلدان التي فروا منها أو نُقلوا إلى مراكز احتجاز في دول ثالثة. وفي كانون الثاني/ يناير، ألقت القوات الأميركية القبض على رئيس دولة في منصبه واقتادته إلى قاعة محكمة أميركية. وبإضافة حرب إيران والدعم الأميركي لإسرائيل في غزة، تكون هذه الإدارة قد أوجدت أكبر قدر من التعرض المحتمل للمساءلة عن جرائم دولية لأي إدارة في واشنطن منذ عام 2004.

ويعرف المسؤولون ذلك. وعندما سألت صحيفة “بوليتيكو” عما إذا كان زملاؤهم قد يواجهون الملاحقة القضائية بموجب القانون الدولي، أجاب أحدهم: “ربما”. ووفقا للتقرير نفسه، يشعر مسؤولون في إدارة ترامب بالقلق من أن “المحكمة الجنائية الدولية غير الخاضعة للرقابة والمؤسسات الدولية الأخرى ستطلق موجة من الدعاوى القضائية ضد هذه الإدارة وأي شخص مرتبط بها”. وحذر روبيو من أن المحكمة قد تستهدف مشاة البحرية الأميركية وعناصر حرس الحدود.

وقال ألتر إنه مع ذلك، فإن الحملة التي تقودها وزارة الخارجية تستهدف الجهة الخطأ، وإن المسؤولين الذين يديرونها يقوضون موقفهم بأنفسهم.

ولم توقع الولايات المتحدة قط على المعاهدة التي تحكم عمل المحكمة الجنائية الدولية، وهي “نظام روما الأساسي”. ويؤدي البقاء خارج نظام روما الأساسي إلى منع اختصاص المحكمة القائم على أساس الجنسية. لكنه لا يلغي الاختصاص الإقليمي، إذ يمكن للمحكمة النظر في أفعال ارتُكبت على أراضي دولة عضو، أو على متن سفينة مسجلة في إحدى الدول الأعضاء، وفنزويلا وكولومبيا والإكوادور جميعها موقعة على نظام روما الأساسي.

وتأتي حماية الأميركيين من المحكمة الجنائية الدولية من المادة 17 ومبدأ التكاملية المنصوص عليه فيها. فإذا قامت دولة تتمتع بالاختصاص بالتحقيق في الجرائم التي قد تنظر فيها المحكمة الجنائية الدولية أو ملاحقة مرتكبيها بصورة حقيقية، تصبح القضية غير مقبولة أمام المحكمة. ولا أهمية هنا لما إذا كانت الدولة المعنية قد صادقت على المعاهدة أم لا.

وبحسب ألتر، لم تراقب أي قوة في التاريخ قواتها المسلحة بالقدر نفسه من التفصيل الذي فعلته الولايات المتحدة، من خلال منظومة تشمل القانون الموحد للقضاء العسكري وفيلق المحامين العسكريين ومكتب التخفيف من الأضرار التي تلحق بالمدنيين والاستجابة لها، ومكاتب المفتشين العامين المنتشرة في مختلف أنحاء السلطة التنفيذية، ووزارة العدل التي تتمتع باختصاص جنائي خارج الحدود الإقليمية على المواطنين الأميركيين. ويعمل هذا النظام للمساءلة القانونية بصورة مستقلة، ولا يحتاج إلى دبلوماسية أو تنازلات بموجب معاهدات أو تعاون من أي جهة في الخارج. وكل ما يحتاج إليه هو الاستعداد لإدانة شخص ما من حين لآخر.

وعلى مدى 18 شهرا، عملت الإدارة على تفكيك أجزاء من هذه المنظومة بسرعة. فقد ألغى وزير الدفاع بيت هيغسيث وحدات تقييم الأضرار التي تلحق بالمدنيين، وأقال كبار المحامين العسكريين الذين وصفهم بأنهم عوائق أمام “الفتك”. كما أقالت الإدارة المفتشين العامين في وزارة الدفاع (البنتاغون) بعد فترة وجيزة من توليها السلطة في كانون الثاني/ يناير 2025. ولم تُبدِ وزارة العدل، التي يقودها المحامي الشخصي السابق للرئيس، أي مؤشر على أنها ستفحص الضربات التي استهدفت القوارب في منطقة الكاريبي. ومن المتوقع أيضا إصدار عفو استباقي على نطاق واسع للغاية.

كل ذلك يتوافق إلى حد كبير مع القانون المحلي، ويمكن أن يعد دليلا بموجب المادة 17 من نظام روما الأساسي، التي تبحث فيما إذا كانت هناك إجراءات وطنية قد اتّخذت لمنع توجيه اتهامات جنائية. كما أن إصدار عفو لأفراد لم توجه إليهم اتهامات رسمية من الأساس يعالج هذه المسألة بالفعل بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وخلصت المحكمة الجنائية الدولية، في حكم أصدرته ضد زعيم المتمردين الكونغوليين جيرمان كاتانجا، إلى أنه إذا لم تُجر دولة ما أي تحقيق على الإطلاق في الجرائم المرتكبة، فإن القضية تكون مقبولة أمام المحكمة استنادا فقط إلى تقاعس السلطات الكونغولية عن اتخاذ إجراء. ويقول ألتر إنه من المرجح أن تضمن الإجراءات التي اتخذتها الإدارة، والتي تتسم باعترافها بالحد الأدنى من الإجراءات، ألا تلاحقهم المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. ويكون العفو فعالا لأن الرئيس يسيطر على النظام الذي يمنحه.

واستهدفت واشنطن قدرة المحكمة على العمل. وما كان يحمي الأميركيين هو ضبط المحكمة لنفسها، وهذا الضبط هو أول ما تتخلى عنه أي مؤسسة عندما تقرر أنه لم يعد لديها ما تخسره.

ويمتد الضرر الأوسع إلى أدوات تقدرها واشنطن أكثر من المحكمة الجنائية الدولية. فالأمر التنفيذي رقم 14203 يفرض عقوبات على ممتلكات القضاة العاملين في لاهاي، ما يخلق مشكلة فورية أمام هولندا. وتلتزم أمستردام بالحفاظ على استمرارية المحكمة في أداء عملها. وقد طلبت البنوك الهولندية ضمانات قبل مواصلة معالجة معاملات المحكمة، فيما أشار وزير العدل الهولندي إلى أن بلاده “صغيرة للغاية” بحيث لا تستطيع حمايتها بمفردها. ووصف رئيس المحكمة الجنائية الدولية قانون الحجب الخاص بالاتحاد الأوروبي، الذي يحمي المحكمة من العقوبات، بأنه “ضروري” لبقاء المحكمة، فيما دعا البرلمان الأوروبي إلى تفعيله مرتين، وطلبت إسبانيا رسميا تفعيله في أيار/ مايو.

ونتيجة لذلك، تناقش وزارات المالية الأوروبية الآن إنشاء قناة للمدفوعات محصنة من الاختصاص القضائي الأميركي، وقدمت واشنطن لها أكثر حالات الاختبار تعاطفا التي يمكن تصورها، فالأمر لا يتعلق بأصول ملياردير خاضع للعقوبات أو بنك متمرد، بل برواتب القضاة. ويستند الامتداد خارج الحدود الإقليمية للدولار إلى الأساس نفسه الذي تستند إليه كل أداة قانونية أميركية أخرى، وهو توقع الحكومات الأخرى أن تطبق القواعد الأميركية بالطريقة نفسها غدا كما تُطبق اليوم. وكل استخدام لهذا النفوذ ضد جهة يعتبرها الحلفاء مشروعة يضيف سطرا إلى المبررات التجارية لبناء بدائل.

وقال ألتر إن التكلفة الأخرى تشغيلية. فجميع أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) باستثناء الولايات المتحدة وقعوا على نظام روما الأساسي، ما يعني أن الضباط العسكريين لدى الحلفاء يواجهون تعرضا قانونيا لا يواجهه الأميركيون. وقبل أن ينضم ضابط هولندي أو كندي إلى خلية استهداف، يتعين على محام عسكري إبداء موافقته. ويعتمد هذا المحامي، في جزء من تقييمه، على حقيقة أن الأميركيين الموجودين في الغرفة يحققون مع أنفسهم، فهناك محامون عسكريون، وهناك وحدة معنية بالأضرار التي تلحق بالمدنيين، وهناك إجراءات متبعة. وإذا أزيلت هذه العناصر، فلن يبقى لدى المحامي ما يستند إليه. ولن يعلن أحد عن تغيير. وستستغرق الموافقات وقتا أطول، وستتضاعف التحفظات، وسينتهي الأمر بالضباط الحلفاء إلى الابتعاد قليلا عن الغرفة التي تُتخذ فيها القرارات.

وخلص ألتر إلى أن ما تتخلى عنه الإدارة ظل صامدا أمام تغير الحكومات لأنه بُني داخل المؤسسات، وليس مرتبطا بالأشخاص. أما ما تقايضه به، وهو العفو وإدراج الأشخاص على قوائم العقوبات وحملة تدار من وزارة الخارجية، فسوف ينتهي بانتهاء ولاية الأشخاص الذين دبروا هذه الإجراءات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب