نتنياهو في نيويورك.. عندما يصبح القانون الدولي في قلب المواجهة

نتنياهو في نيويورك.. عندما يصبح القانون الدولي في قلب المواجهة
بقلم: رئيس التحرير
تأتي زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في ظرف سياسي وقانوني شديد الحساسية، بعدما تحولت المواجهة حول الحرب في غزة من ساحات الصراع العسكري والدبلوماسي إلى نقاش متزايد داخل الولايات المتحدة حول القانون الدولي ومبدأ المساءلة.
وفي تطور لافت، جدّد عمدة نيويورك زهران ممداني، في مقابلة مع شبكة «سي إن إن»، موقفه من نتنياهو، مستخدماً أوصافاً سياسية وقانونية شديدة اللهجة، ومشيراً بصورة مباشرة إلى مذكرة التوقيف الصادرة بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية. وفي الوقت نفسه، أكد ممداني بوضوح أن مدينة نيويورك لا تملك السلطة القانونية المستقلة لتنفيذ مذكرة المحكمة.
وهذه النقطة تحديداً تستحق التوقف عندها؛ فالموقف، وفق ما قاله ممداني، لا يقوم على ادعاء امتلاك عمدة نيويورك صلاحيات قضائية أو اتحادية، وإنما على طرح سياسي يتعلق بمبدأ سيادة القانون، وبالسؤال عما إذا كان ينبغي أن يكون أي مسؤول بمنأى عن المساءلة عندما تصدر بحقه إجراءات قضائية دولية.
أما من الناحية القانونية، فإن المحكمة الجنائية الدولية أصدرت في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 مذكرة توقيف بحق نتنياهو، بعد أن رفضت الدائرة التمهيدية الأولى طعوناً قدمتها إسرائيل بشأن اختصاص المحكمة. ووفق المحكمة، تتعلق المذكرة بادعاءات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال الفترة التي حددتها المحكمة. وهذه المذكرة ليست حكماً قضائياً نهائياً بالإدانة، وهي نقطة جوهرية في أي تناول قانوني مسؤول.
ومن اللافت أن الإعلام الإسرائيلي نفسه يتابع زيارة نتنياهو إلى نيويورك باعتبارها زيارة مختلفة عن السنوات السابقة. فقد أشارت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إلى أن وجود نتنياهو في نيويورك سيكون قصيراً، بينما تناولت تقارير إسرائيلية أخرى أجواء الاحتجاجات والإجراءات الأمنية المحيطة بالزيارة. كما أشارت «واي نت» إلى أن برنامج الزيارة هذا العام تقلص بصورة كبيرة، في ظل الظروف السياسية والقانونية المحيطة برئيس الحكومة.
وفي الجانب الأميركي، نقلت «سي إن إن» المواجهة الكلامية بين نتنياهو وممداني، بما في ذلك رد نتنياهو على مواقف عمدة نيويورك، في وقت تستعد فيه المدينة لاستضافة اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وهنا تظهر دلالة المشهد الأوسع. فالأمر لا يتعلق فقط بخلاف سياسي بين رئيس حكومة وعمدة مدينة، وإنما يعكس اتساع النقاش حول مدى اتساق المواقف الدولية مع مبدأ سيادة القانون، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصية سياسية رفيعة المستوى تواجه مذكرة توقيف صادرة عن محكمة دولية.
ومن المهم كذلك عدم الخلط بين الموقف من سياسات الحكومة الإسرائيلية تجاه الحرب في غزة، وبين أي موقف يستهدف اليهود أو الديانة اليهودية. انتقاد سياسات حكومة إسرائيل أو مناقشة مسؤولية مسؤولين إسرائيليين وفقاً لإجراءات قضائية دولية لا ينبغي أن يُخلط بمعاداة السامية أو بأي خطاب يستهدف جماعة دينية أو إثنية. وهذا تمييز أساسي في أي نقاش سياسي وقانوني مسؤول.
والسؤال الذي يطرح نفسه في العالم العربي ليس تقليلاً من صلاحيات المدن العربية أو مقارنتها بنيويورك بصورة مباشرة، وإنما: إلى أي مدى يستطيع المسؤول السياسي العربي أن يعبّر بوضوح عن التزامه بمبادئ القانون الدولي، وأن يضع المساءلة الدولية في صلب الخطاب السياسي، مع الالتزام في الوقت نفسه بحدود الاختصاصات القانونية؟
إن أهمية موقف ممداني، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه، تكمن في أنه نقل النقاش من مستوى البيانات الدبلوماسية إلى مساحة سياسية أميركية داخلية، وفي مدينة تُعد مركزاً عالمياً للإعلام والسياسة وتستضيف مقر الأمم المتحدة.
وبذلك تصبح زيارة نتنياهو إلى نيويورك أكثر من مجرد مشاركة في اجتماع دولي؛ فهي اختبار سياسي وإعلامي جديد لكيفية تعامل المجتمع الدولي مع قضية المساءلة، وحدود الحصانة السياسية، ومكانة القانون الدولي في النظام العالمي.
وفي النهاية، تبقى الكلمة الفصل في الاتهامات الجنائية للمحاكم المختصة، لا للسياسيين ولا لوسائل الإعلام. لكن مجرد وجود مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية يجعل القضية حاضرة في النقاش الدولي، ويجعل من نيويورك هذه المرة مسرحاً لنقاش يتجاوز خطاب الجمعية العامة إلى سؤال أعمق: هل تُطبَّق قواعد القانون الدولي بمعيار واحد على الجميع، أم تبقى رهناً بتوازنات السياسة الدولية؟
