مقالات

هل الغباء موهبة؟

هل الغباء موهبة؟
محمود الجاف

أحيانًا أقف عاجزًا عن تفسير ما أراه من بعض الناس. خصوصا عندما تكون المسألة لاتحتاج إلى ذكاء خارق لفهم المشهد؛ فالأمور واضحة إلى درجة لا تحتمل التأويل، ومع ذلك تجد من ينظر إليك بثقة ويصر على أن ما تراه بعينيك ليس الحقيقة. ترى الشمس في كبد السماء، وهو يجاهد لإقناعك بأن الليل قد حل. ترى القتل والترويع والدماروالسرقات، ثم تجده يبحث عن ألف مخرج ليجعل ما حدث مقبولًا أو مبررًا، وربما يحوله إلى فعل يستحق الدفاع عنه، فقط لأن مرتكبه ينتمي إلى الجهة التي يواليها. وهنا يخطر على بالي سؤال ساخر في ظاهره، لكنه مؤلم في جوهره:

هل الغباء موهبة؟
أم أن الإنسان يستطيع أن يبلغ مرحلة يصبح فيها ولاؤه أقوى من عينيه، وانتماؤه أقوى من عقله، ومذهبه، حين ينفصل عن قيم دينه، أقوى من الدين نفسه؟

أم ان الله اعماهم حتى لم يعودوا يروا الطريق الصحيح ؟
فقد قال تعالى : (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) الاعراف

ليست المشكلة فيمن يجهل. فالجهل يمكن أن يُعالج، والمعلومة يمكن أن تصل، والخطأ يمكن تصحيحه. المصيبة فيمن يعرف ويرى ويفهم، ثم يعيد ترتيب الوقائع في رأسه حتى لا يضطر إلى مواجهة النتيجة التي لا يريدها. عندها لا يكون العجز عن إدراك الحقيقة هو المشكلة، وإنما القدرة على رؤيتها ثم الالتفاف حولها. 
 
خذ موقفًا بسيطًا:
لو قُتل إنسان بريء على يد جماعة تعاديها، ستصف ما حدث بالجريمة، وتطالب بالعقاب، ولن تقبل بسهولة أي تبرير. لكن ماذا يحدث عندما يكون الفاعل من الجهة التي تنتمي إليها أو تتعاطف معها؟ يتغير الخطاب فجأة؛ تظهر الظروف، والاستفزازات، والمؤامرات، والردود، والسياقات التاريخية، وكل ما يمكن أن يؤجل الحكم الأخلاقي أو يلغيه. الشيء نفسه الذي كان واضحًا بالأمس يصبح اليوم قضية تحتاج إلى دراسة طويلة.

وهنا نصل إلى جوهر المشكلة:
لم يعد المبدأ هو الذي يحكم الموقف، بل هوية الفاعل.
وهنا يصبح الحديث عن مكة والمدينة أكثر حساسية.
مكة هي البيت الحرام، والقبلة التي يتوجه إليها المسلمون، والمكان الذي يقصده الملايين للحج والعمرة. ومدينة رسول الله ﷺ، فيها المسجد النبوي. ولهما مكانة لا يمكن أن تُختزل في موقف من حكومة أو دولة أو جماعة. 
 
فكيف يستطيع من يقول إنه مسلم أن يرى استهدافهما ثم يبدأ بالسؤال عن هوية الفاعل قبل أن يسأل عن حرمة الفعل؟ 
كيف يصبح الانتماء السياسي أهم من قدسية المكان؟
هل يمكن أن تتغير حرمة مكة بتغير اسم من يحمل السلاح؟

إن كانت الإجابة نعم، فالمشكلة لم تعد سياسية.
قد يختلف الإنسان مع دولة، أو حكومة، أو جماعة، ويرفض سياساتها كلها، وهذا حقه. لكن الاختلاف لا يمنح أحدًا ترخيصًا أخلاقيًا لتبرير كل شيء. المقدسات لا تصبح مباحة لأننا غاضبون، وحياة المدني لا تفقد قيمتها لأن هويته لا تعجبنا، والاعتداء لا يتحول إلى فضيلة لأن الفاعل يرفع راية نعرفها ونحبها. والأشد غرابة أن بعض الناس لا يكتفون بتجاهل التناقض، بل يبنون حوله منظومة كاملة من التبريرات.

لماذا؟
لأن الإنسان لا يحب الحقيقة دائمًا. أحيانًا يكون ثمنها باهظًا جدًا. الاعتراف بأن الشخص الذي نقدسه أخطأ قد يهز صورتنا عنه. والإقرار بأن جماعتنا ارتكبت فعلًا لا يمكن الدفاع عنه قد يجعلنا في مواجهة مع أقرب الناس إلينا. لذلك يصبح التراجع مؤلمًا، والدفاع عن الخطأ أسهل من الاعتراف به.

وهذه نقلة صغيرة في ظاهرها، لكنها كافية لتدمير ميزان الأخلاق كله.
عندها لا يعود الضمير ميزانًا ثابتًا، بل يصبح جهازًا يعمل وفق اتجاه الريح. والازدواجية أخطر مما تبدو عليه؛ لأنها مع الوقت تفقد الإنسان قدرته على ملاحظة تناقضه. يستطيع أن يدين الفعل نفسه في مكان، ثم يتغاضى عنه في مكان آخر، دون أن يشعر أنه يناقض نفسه. وقد يتحدث طويلًا عن العدل، لكنه يطلب من العدل أن يصمت عندما يكون هو وأصدقاؤه في موضع الاتهام. ولهذا، إذا أردت أن تعرف حقيقة مبدأ إنسان، فلا تختبره عندما تكون جماعته على حق؛ فهذا اختبار سهل. اختبره عندما تخطئ. عندها فقط تعرف هل يستطيع أن يقول:

أخطأنا.

هل يستطيع أن يرفض الفعل دون أن يبحث عن مخرج؟
هل يمكن أن ينصف الضحية حتى لو كان لا يحبها؟
هل يستطيع أن يضع الحقيقة فوق الولاء؟
هنا يظهر الفرق بين صاحب المبدأ وصاحب الشعار.
صاحب المبدأ يقول:” أخطأ من أحب.”

أما صاحب الشعار فيقول: 
“بما أنه من أحب، فلا بد أن يكون على حق.”
الأول قد يخسر تصفيق جماعته، لكنه يحتفظ بشيء أهم: قدرته على النظر إلى نفسه دون أن يخجل منها. وربما لهذا السبب لا أظن أن المشكلة غباء بالمعنى الذي نعرفه.

قد يكون الإنسان خائفًا. أو يكون أسيرًا لانتمائه.
وقد يكون قد استثمر سنوات من عمره في الدفاع عن فكرة، حتى أصبح الاعتراف بخطئها أشد إيلامًا من الاستمرار فيها. وربما يخشى أن يؤدي اعتراف واحد إلى سقوط سلسلة كاملة من القناعات التي بناها فوقه.
وهذا أخطر من عدم المعرفة.

أن ترى ثم تنكر. وتسمع ثم تنتقي. أو أن تعرف ثم تبحث عن مبرر. أن تقف أمام حقيقة لا لبس فيها، ثم تسأل نفسك كيف تستطيع الهرب منها بدل أن تسأل ماذا تقتضي منك.
ترى إنسانًا يُقتل، فتسأل عن مذهبه قبل أن ترى إنسانيته.
ترى الدم، فتبحث عن اسم اليد التي سفكته قبل أن تنظر إلى الضحية. وترى مكانًا مقدسًا مهددًا، فتبدأ بالحسابات السياسية قبل أن تتذكر أن للمكان حرمة.
ثم تقول بكل ثقة:
أنا أدافع عن ديني.

أي دين يحتاج منك إلى أن تطفئ ضميرك كي تدافع عنه؟
وأي انتماء يجعلك تخشى الحقيقة أكثر مما تخشى الباطل؟

أنا لا أطلب من أحد أن يتخلى عن مذهبه، ولا أن يحب خصمه، ولا أن يغير موقفه السياسي. المطلوب أبسط من ذلك: أن يحتفظ الإنسان بميزان واحد، لا يتغير عندما تتغير الراية.
أن يكون الدم دمًا، مهما كانت هوية صاحبه.
أن يكون الظلم ظلمًا، مهما كان اسم من ارتكبه.
أن تبقى حرمة مكة والمدينة في وجدان المسلم ثابتة، لا تتأثر بالتحالفات والخلافات. وأن يكون الحق عزيزًا إلى الدرجة التي تجعلنا مستعدين لقبوله حتى عندما يأتي على حساب من نحب. فأسهل أنواع العدالة أن تكون عادلًا مع من تكره. أما الامتحان الحقيقي فهو أن تنصف من تحب عندما يخطئ. لهذا، حين أرى إنسانًا يدافع عن جماعته في كل شيء، لا أسأله أولًا عن مذهبه أو ولائه. أسأله:
هل تستطيع أن تقول لجماعتك يومًا: 
لا؟

فإذا كان يستطيع، فهناك أمل.
أما إذا أصبحت كل إجابة عنده تبدأ بـ”لكن”، وكل جريمة لها ظرف، وكل ضحية لها تفسير، وكل خطأ يرتكبه من يحب يتحول إلى ضرورة، فربما لم يعد يدافع عن قضية؛ ربما أصبح يدافع عن صورته عن نفسه. وفي المرة القادمة التي ترى فيها الشمس، لا تسأل من قال لك إنها شمس. انظر إليها. وإذا كانت في السماء، فلا تبحث عن شخص يقنعك بأنها ليل. وإذا رأيت إنسانًا يُقتل، فلا تبدأ بسؤال:

إلى أي جماعة ينتمي؟
وإذا رأيت مقدسًا يُستهدف، فلا تجعل هوية الفاعل هي أول ما يخطر في بالك.
اسأل نفسك أولًا:
هل كنت سأقبل بهذا لو كان الفاعل عدوي؟
إذا كانت إجابتك نعم، فأنت تملك مبدأ. أما إذا تغيرت إجابتك بمجرد أن عرفت اسم الفاعل، فربما عليك أن تعيد النظر في الشيء الذي كنت تظنه مبدأ. وربما لا يكون السؤال في النهاية:

هل الغباء موهبة؟
ربما السؤال الأكثر قسوة هو:
ماذا لو لم يكن الإنسان غبيًا أصلًا، وإنما يعرف الحقيقة، لكنه يحب جماعته أكثر من الحقيقة؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب