مقالات

هل المثقف صنيعة المجتمع أم العكس؟ بقلم زكريا نمر -السودان –

بقلم زكريا نمر -السودان -

هل المثقف صنيعة المجتمع أم العكس؟
بقلم زكريا نمر -السودان –
السؤال حول ما إذا كان المثقف صنيعة المجتمع أم أن المجتمع هو صنيعة المثقف ليس سؤالا نظريا بريئا، بل هو سؤال يكشف عن عمق الأزمة في فهمنا لدور الفكر في المجال العام. في السياقات العربية والإفريقية على وجه الخصوص، غالبا ما يتم التعامل مع المثقف إما بوصفه كائنا معزولا يعيش خارج الزمن الاجتماعي، أو بوصفه مجرد صدى لما يريده الجمهور والسلطة. كلا التصورين، في جوهرهما، اختزال مخل.
في التحليل الأولي، لا يمكن إنكار أن المثقف هو نتاج بيئته. اللغة التي يفكر بها، القضايا التي تشغله، حتى أدواته المعرفية، كلها تتشكل داخل بنية اجتماعية وثقافية محددة. المثقف الذي ينشأ في مجتمع مأزوم سياسيا أو اقتصاديا، غالبا ما يحمل هذا المأزق في وعيه، إما عبر نقده أو عبر استبطانه. بهذا المعنى، المجتمع لا ينتج المثقف فقط، بل يحدد أيضا سقف حركته وإمكاناته. هنا يظهر ما يمكن تسميته بحدود الممكن الثقافي، حيث لا يستطيع المثقف تجاوز شروط إنتاجه بسهولة.لكن هذه الرؤية، رغم واقعيتها، تصبح خطيرة عندما تتحول إلى تبرير لعجز المثقف. لأن المثقف، في تعريفه الجوهري، ليس مجرد نتاج سلبي، بل هو فاعل معرفي يمتلك القدرة على إعادة تأويل الواقع وتفكيكه. إذا كان المجتمع ينتج شروط التفكير، فإن المثقف الحقيقي يعيد إنتاج هذه الشروط بشكل نقدي. هنا نخرج من دائرة “الصنيعة” إلى دائرة “الفاعلية”.
الإشكالية في كثير من مجتمعاتنا ليست في أن المثقف صنيعة المجتمع، بل في أن المثقف يقبل أن يبقى كذلك. يتحول إلى موظف لدى المزاج العام، أو لدى السلطة، أو لدى أيديولوجيا جاهزة. في هذه الحالة، لا يعود مثقفا بالمعنى العميق، بل يصبح مكررا للوعي السائد. وهنا يحدث الانقلاب: المجتمع لا يتغير، لأن من يفترض أن يهز بنيته أصبح جزءا من آلية تثبيتها. هناك لحظات تاريخية يصبح فيها المثقف قوة دافعة لتغيير المجتمع. ليس لأنه يملك سلطة مادية، بل لأنه يملك سلطة رمزية: القدرة على إعادة تعريف ما هو طبيعي، وما هو مقبول، وما هو ممكن. هذه القدرة هي التي تجعل المثقف، في لحظات معينة، يتقدم على مجتمعه، لا بوصفه متعاليا عليه، بل بوصفه مستشرفا لأفق لم يتبلور بعد.غير أن هذا الدور لا يخلو من ثمن. المثقف الذي يحاول تجاوز شروط مجتمعه غالبا ما يتهم بالانفصال أو الخيانة أو النخبوية. وهنا يظهر التوتر البنيوي بين المثقف والمجتمع: علاقة ليست انسجاما كاملا ولا قطيعة تامة، بل صراع مستمر على المعنى. المجتمع يريد من المثقف أن يؤكد هويته، بينما المثقف الحقيقي يسعى إلى مساءلة هذه الهوية.
إن المجتمع يصنع المثقف هو نصف الحقيقة، والقول إن المثقف يصنع المجتمع هو نصفها الآخر. الحقيقة الأكثر دقة هي أن العلاقة بينهما جدلية: كل منهما يعيد تشكيل الآخر باستمرار. لكن الفارق الحاسم يكمن في الإرادة. المجتمع، بوصفه بنية، يميل إلى الاستقرار، بينما المثقف، بوصفه وعيا نقديا، يفترض أن يميل إلى القلق والتغيير.المأزق الحقيقي يظهر عندما يفقد المثقف هذه الوظيفة القلقة، ويستبدلها بوظيفة تبريرية. حينها لا يعود السؤال من يصنع من؟ مهما، لأن الطرفين يصبحان محكومين بدائرة مغلقة من إعادة إنتاج التخلف. المجتمع يعيد إنتاج مثقفين بلا أثر، وهؤلاء المثقفون يعيدون إنتاج مجتمع بلا أفق.
الحل لا يكمن في تمجيد المثقف ولا في تحميله كل المسؤولية، بل في إعادة تعريف دوره. المثقف ليس مخلصا ولا نبيا، لكنه أيضا ليس مجرد انعكاس. هو وسيط نقدي بين الواقع وإمكاناته. قيمته لا تقاس بمدى انسجامه مع المجتمع، بل بقدرته على فتح مساحات جديدة للتفكير داخله. السؤال الأدق ليس: هل المثقف صنيعة المجتمع أم العكس؟ بل: أي نوع من المثقفين نريد، وأي نوع من المجتمعات نسمح لهؤلاء المثقفين أن يشكلوها؟ هنا فقط يتحول النقاش من جدل نظري إلى مشروع عملي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب