الافتتاحيهرئيسي

هل تؤجل المواجهة الإقليمية مسار التسوية؟

هل تؤجل المواجهة الإقليمية مسار التسوية؟

بقلم: رئيس التحرير 

في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، يبدو واضحاً أن مسار الأزمات السياسية لم يعد محكوماً بحدود الملفات المنفصلة، بل بات جزءاً من شبكة معقدة من التفاعلات الإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، جاء تعليق المحادثات المرتبطة بخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في قطاع غزة ليعكس مدى تأثير التصعيد الإقليمي، ولا سيما المواجهة المتصاعدة مع إيران، في إعادة ترتيب أولويات القوى الدولية والوسطاء المعنيين بالملف الفلسطيني.

فقد نقلت وكالة «رويترز» عن مصادر مطلعة أن المحادثات الرامية إلى دفع خطة ترامب قدماً توقفت منذ أواخر شباط الماضي، بعد أن شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً مشتركاً على إيران، الأمر الذي أدى إلى توسيع دائرة المواجهة في المنطقة وفتح جبهة صراع إقليمي أكثر تعقيداً. ومع اندلاع هذه الحرب، تراجعت الأولوية السياسية لملف غزة لصالح إدارة تداعيات التصعيد العسكري واحتمالات اتساع نطاقه.

ورغم أن مسؤولين في البيت الأبيض أكدوا أن المناقشات لم تتوقف بشكل كامل وأن الحوار حول ترتيبات نزع السلاح وإعادة إعمار غزة ما زال مستمراً، فإن الوقائع السياسية تشير إلى أن المفاوضات دخلت فعلياً مرحلة من الجمود المؤقت. وهذا الجمود يعكس طبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة، حيث تميل الأزمات الكبرى إلى إعادة ترتيب الأولويات الدولية وتجميد ملفات أخرى بانتظار اتضاح مآلات الصراع الأكبر.

وتقوم خطة ترامب، بحسب ما تسرب من معالمها، على مجموعة من الترتيبات الأمنية والسياسية التي تتضمن معالجة مسألة السلاح في قطاع غزة كمدخل لإطلاق عملية إعادة الإعمار، بالتوازي مع ترتيبات إقليمية ودولية لضمان الاستقرار الأمني. غير أن اندلاع مواجهة واسعة مع إيران يفرض معادلات جديدة قد تؤثر في قابلية تنفيذ هذه الخطة أو توقيتها.

وتشير بعض التقديرات داخل الدوائر القريبة من المبادرة إلى أن الحرب الجارية قد تخلق في نظر واشنطن وتل أبيب فرصة لإضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة، وهو النفوذ الذي تعتبره إسرائيل والولايات المتحدة أحد أبرز مصادر الدعم السياسي والمالي لحركة «حماس». ومن هذا المنطلق، ترى هذه الدوائر أن تقليص الدور الإيراني قد يفتح المجال لاحقاً لفرض ترتيبات أمنية مختلفة في قطاع غزة.

إلا أن هذا التصور يظل محل نقاش واسع في الأوساط السياسية، إذ إن تجارب المنطقة خلال العقود الماضية أظهرت أن الحروب الكبرى غالباً ما تؤدي إلى تعقيد الأزمات بدلاً من تسويتها. فالتصعيد العسكري عادة ما يخلق توازنات جديدة للقوة ويزيد من حالة الاستقطاب الإقليمي، ما يجعل الوصول إلى تسويات سياسية أكثر صعوبة في المدى القريب.

وفي السياق ذاته، أفادت مصادر فلسطينية بأن اجتماعاً كان مقرراً بين حركة «حماس» والوسطاء المصريين والقطريين والأتراك قد أُلغي مع اندلاع الحرب، دون تحديد موعد جديد لاستئنافه. كما أكد مسؤول في الحركة أن المحادثات قد جُمّدت في الوقت الراهن، الأمر الذي يعكس حجم التأثير المباشر للتصعيد الإقليمي في مسار الوساطات المتعلقة بقطاع غزة.

ومن زاوية أوسع، تكشف هذه التطورات عن حقيقة سياسية لطالما رافقت القضية الفلسطينية، وهي أن مسارها غالباً ما يتأثر بالتوازنات الإقليمية والدولية المحيطة بها. فعندما تتصاعد المواجهات بين القوى الكبرى في المنطقة، تتحول القضية الفلسطينية إلى جزء من معادلة إقليمية أوسع، بدلاً من أن تبقى في صدارة جدول الأعمال الدولي.

كما أن الإدارة الأميركية تجد نفسها اليوم أمام تحدي إدارة ملفات متعددة في آن واحد، في ظل تصاعد التوتر مع إيران وتداعياته العسكرية والسياسية والاقتصادية. وهذا الواقع يفرض على واشنطن إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية في المنطقة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على مسار المبادرات السياسية المرتبطة بقطاع غزة.

أما بالنسبة لإسرائيل، فإن المواجهة مع إيران تمثل في نظر قيادتها تحدياً استراتيجياً يتجاوز حدود الحرب في غزة، إذ يرتبط بمسألة كبح النفوذ الإيراني في المنطقة ومنع تشكل توازن ردع جديد قد يحد من حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية في المستقبل.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن ملف غزة سيبقى رهينة لتطورات المواجهة الإقليمية الجارية. فإذا انتهت هذه المواجهة بتفاهمات دولية أو إقليمية، فقد تعود المبادرات السياسية إلى الواجهة مجدداً وربما بصيغ مختلفة. أما إذا استمر التصعيد واتسعت رقعة الصراع، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة أطول من عدم الاستقرار، ما سيؤثر حتماً في فرص استئناف المسار السياسي.

ومع ذلك، تبقى الحقيقة الجوهرية أن أي مبادرة لتحقيق السلام في غزة أو في القضية الفلسطينية عموماً لن تكون قابلة للاستدامة ما لم تعالج جذور الصراع الأساسية. فالسلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق عبر ترتيبات أمنية مؤقتة أو حلول جزئية، بل من خلال تسوية سياسية عادلة وشاملة تستند إلى قرارات الشرعية الدولية وتضمن إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية المشروعة.

إن تجارب المنطقة على مدى عقود أثبتت أن تجاهل جوهر القضية الفلسطينية لا يؤدي إلى الاستقرار، بل يكرس دورات متكررة من الصراع. ولذلك فإن أي مسار سياسي جاد في الشرق الأوسط لا بد أن ينطلق من إدراك أن تحقيق الأمن والاستقرار الإقليميين يمر أولاً عبر معالجة عادلة ومستدامة للقضية الفلسطينية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب