الافتتاحيهرئيسي

هل تتجه المنطقة نحو صراع ذي أبعاد دينية؟

قراءة تحليلية في ضوء نقاشات من داخل "إسرائيل"

هل تتجه المنطقة نحو صراع ذي أبعاد دينية؟

قراءة تحليلية في ضوء نقاشات من داخل “إسرائيل”

بقلم: رئيس التحرير 

 

في ظل التصعيد المتسارع الذي تشهده المنطقة، تتعاظم التساؤلات حول طبيعة المواجهة مع إيران، وما إذا كانت تندرج ضمن حسابات أمنية واستراتيجية تقليدية، أم أنها تنزلق تدريجيًا نحو أبعاد أيديولوجية ودينية، في ظل صعود تيارات اليمين القومي والديني داخل الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو.

 

هذا التحول في الخطاب السياسي والأمني يثير مخاوف متزايدة من إعادة تعريف الصراع في المنطقة، خصوصًا مع بروز سرديات دينية لدى بعض التيارات المتطرفة، تتقاطع مع قضايا حساسة مثل “البقرة الحمراء” وما يرتبط بها من رمزية دينية لدى جماعات تسعى إلى تغيير الواقع القائم في المسجد الأقصى. وتزداد هذه المخاوف مع اقتراب عيد الفصح، في ظل أجواء مشحونة وإجراءات ميدانية مشددة.

 

في هذا السياق، تكتسب النقاشات الصادرة من داخل النخبة الإسرائيلية أهمية خاصة، إذ تعكس وجود تيار نقدي يحذر من تداعيات السياسات الحالية. ومن بين هذه النقاشات، الحوار الذي جمع بين الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون والسياسي الإسرائيلي أبراهام بورغ، والذي قدم قراءة لافتة لطبيعة التفكير الاستراتيجي في إسرائيل.

 

تشير هذه القراءة إلى غياب رؤية استراتيجية متكاملة لإدارة الصراع، مقابل الاعتماد على تكتيكات مرحلية وردود فعل آنية، دون تحديد أهداف نهائية واضحة. ويعكس هذا النمط تحوّلًا من التخطيط بعيد المدى إلى إدارة الأزمات، بما يرفع من احتمالات الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة يصعب احتواؤها.

 

كما يلفت النقاش إلى مسألة تضخيم التهديد الإيراني في الخطاب السياسي والإعلامي، ليس من باب إنكار وجوده، بل في إطار توظيفه لتعزيز حالة التعبئة الداخلية، وترسيخ سردية “الخطر الوجودي”، بما يخدم تماسك الجبهة الداخلية وتبرير الخيارات العسكرية.

 

وفي موازاة ذلك، تبرز إشكالية ما يمكن تسميته بـ”العقلية الصفرية”، التي تنظر إلى الصراع باعتباره معادلة ربح أو خسارة مطلقة، دون مساحة للحلول الوسط أو التسويات. هذه المقاربة تضعف فرص الحلول السياسية، وتؤدي إلى إدامة الصراع بدلًا من احتوائه.

 

وفي هذا الإطار، تطرح تساؤلات حول طبيعة القرارات السياسية في إسرائيل، ومدى تأثرها بالاعتبارات الداخلية، خاصة في ظل الأزمات السياسية المتكررة، ما قد يدفع نحو توظيف التصعيد الخارجي كوسيلة لإدارة التحديات الداخلية.

 

أما على صعيد القضية الفلسطينية، فإن تصاعد الانتقادات داخل بعض الأوساط الإسرائيلية، لا سيما فيما يتعلق بتداعيات الحرب على قطاع غزة، يعكس تحولًا في الخطاب من النقد السياسي إلى النقد القيمي، وهو ما قد تكون له انعكاسات على صورة إسرائيل في المجتمع الدولي، في ظل تزايد الحديث عن العزلة السياسية والدبلوماسية.

 

وفي ضوء حساسية ملف المسجد الأقصى، تتزايد المخاوف من أن يؤدي أي تصعيد في هذا الملف إلى تداعيات تتجاوز الإطار المحلي، لتأخذ بعدًا إقليميًا، نظرًا لما يمثله من مكانة دينية وسياسية لدى الشعوب في المنطقة.

 

أما فيما يتعلق بالمواجهة مع إيران، فتشير التقديرات إلى أن أي تصعيد واسع قد يقود إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات، في ظل تشابك التحالفات الإقليمية والدولية، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، وربما سباق تسلح إقليمي.

 

ورغم هذه المؤشرات، لا تزال بعض الأصوات داخل إسرائيل وخارجها تؤكد أن الحلول السياسية، وفي مقدمتها خيار حل الدولتين، تظل الإطار الأكثر قابلية لتحقيق استقرار طويل الأمد، في ظل محدودية الحسم العسكري في صراعات معقدة كهذه.

 

خلاصة القول، إن المنطقة تقف أمام مفترق طرق دقيق: إما الانزلاق نحو تصعيد مفتوح قد يحمل أبعادًا دينية خطيرة، أو العودة إلى منطق السياسة والتسويات، بما يضمن الحد الأدنى من الاستقرار.

 

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدورين الإقليمي والدولي في احتواء التوتر، وإعادة الاعتبار للحلول السياسية، بما ينسجم مع قواعد القانون الدولي، ويعالج جذور الصراع، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، باعتبارها المدخل الأساس لأي استقرار مستدام في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب