هل تعود الحرب بعد انهيار اتفاق الإطار بين الولايات المتحدة وإيران؟
المنطقة أمام مفترق طرق بين التصعيد العسكري والدبلوماسية القسرية

هل تعود الحرب بعد انهيار اتفاق الإطار بين الولايات المتحدة وإيران؟
المنطقة أمام مفترق طرق بين التصعيد العسكري والدبلوماسية القسرية
بقلم رئيس التحرير
لم يكن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتهاء مذكرة التفاهم التي كانت تشكل إطاراً لإدارة التهدئة مع إيران مجرد خطوة سياسية عابرة، بل يمثل تحولاً نوعياً في مسار الأزمة بين واشنطن وطهران، ويعيد إلى الواجهة أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً في الشرق الأوسط: هل تقف المنطقة على أعتاب حرب جديدة، أم أن ما يجري ليس سوى مرحلة جديدة من سياسة الضغوط القصوى الهادفة إلى فرض توازنات تفاوضية مختلفة؟
إن التطورات الأخيرة لا يمكن فصلها عن المشهد الإقليمي والدولي شديد التعقيد، حيث تتشابك الاعتبارات العسكرية مع المصالح الاقتصادية، وتتداخل ملفات البرنامج النووي الإيراني، وأمن الخليج، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، ومستقبل أسواق الطاقة، فضلاً عن أدوار القوى الإقليمية والدولية الساعية إلى إعادة رسم خرائط النفوذ في منطقة ما زالت تعيش على وقع أزمات متلاحقة.
لقد ترافق إعلان إنهاء مذكرة التفاهم مع تشديد العقوبات الاقتصادية، وتشديد القيود على صادرات النفط الإيرانية، وتصاعد التوترات العسكرية في الخليج، في مؤشر واضح على انتقال الأزمة من مرحلة الاحتواء المؤقت إلى مرحلة اختبار الإرادات السياسية والعسكرية. ومع ذلك، فإن هذا التصعيد، رغم خطورته، لا يعني بالضرورة أن قرار الحرب الشاملة قد اتُّخذ، فالتجربة التاريخية الممتدة منذ أكثر من أربعة عقود تؤكد أن العلاقة الأميركية الإيرانية قامت في كثير من مراحلها على مزيج من المواجهة والردع، يعقبه في أحيان كثيرة مسار تفاوضي جديد يفرضه توازن المصالح لا توازن الشعارات.
فالولايات المتحدة تدرك أن أي مواجهة عسكرية واسعة مع إيران لن تكون حرباً خاطفة، بل نزاعاً متعدد الجبهات يمتد إلى الخليج والعراق وسوريا ولبنان والبحر الأحمر، ويهدد أمن قواتها المنتشرة في المنطقة، ويترك آثاراً مباشرة على الاقتصاد العالمي وسوق الطاقة وسلاسل الإمداد. وفي المقابل، تدرك إيران أن الانخراط في حرب مفتوحة سيعرض بنيتها العسكرية والاقتصادية لاستنزاف غير مسبوق، وهو ما يفسر استمرار اعتمادها سياسة الردع غير المباشر، وتوسيع هامش المناورة السياسية والعسكرية دون الذهاب إلى مواجهة تقليدية شاملة.
ومن هنا، تبدو المرحلة الراهنة أقرب إلى صراع لإعادة صياغة قواعد الاشتباك وإعادة توزيع موازين القوة، أكثر منها قراراً نهائياً باللجوء إلى الحرب. فالسياسة الأميركية تستند إلى ممارسة أقصى درجات الضغط السياسي والاقتصادي والعسكري بهدف فرض معادلة تفاوضية جديدة، بينما تسعى إيران إلى إثبات قدرتها على الصمود والاحتفاظ بأوراق تأثيرها الإقليمية، في إطار معادلة الردع المتبادل.
غير أن أخطر ما في هذه المرحلة أن الحروب لا تبدأ دائماً بقرارات سياسية مدروسة، بل قد تنفجر نتيجة خطأ في الحسابات أو حادث ميداني غير محسوب، وهو ما يجعل المنطقة تعيش حالة من الهشاشة الأمنية غير المسبوقة، في ظل تصاعد الخطاب العسكري وتراجع فعالية آليات احتواء الأزمات.
ومن منظور القانون الدولي، فإن أي استخدام للقوة يجب أن يبقى محكوماً بأحكام ميثاق الأمم المتحدة، الذي يحظر اللجوء إلى القوة أو التهديد بها إلا في حالات الدفاع الشرعي عن النفس أو بقرار صادر عن مجلس الأمن. كما أن حماية الملاحة الدولية وأمن الممرات البحرية مسؤولية جماعية لا يجوز أن تتحول إلى ذريعة لتوسيع النزاعات أو تجاوز قواعد الشرعية الدولية. وفي الوقت ذاته، فإن استمرار العقوبات الاقتصادية والتصعيد العسكري يثيران تساؤلات قانونية وسياسية بشأن مدى التزام الأطراف بمبادئ تسوية النزاعات بالوسائل السلمية واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني، خاصة إذا امتدت العمليات العسكرية إلى المنشآت المدنية والبنى التحتية الحيوية.
أما على المستوى الإقليمي، فإن دول الخليج تجد نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية؛ فهي معنية بحماية أمنها القومي واستقرارها الاقتصادي، لكنها تدرك أيضاً أن أي حرب واسعة ستنعكس مباشرة على أمنها الداخلي، وعلى حركة التجارة والطاقة والاستثمار، وهو ما يفسر استمرار الجهود الدبلوماسية الإقليمية والدولية للحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة.
اقتصادياً، لا تقل المخاطر جسامة عن التهديدات العسكرية. فمضيق هرمز يمثل أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، وأي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وزيادة معدلات التضخم، وتعطيل التجارة الدولية، الأمر الذي يجعل احتواء الأزمة مصلحة دولية تتجاوز حدود الصراع الأميركي الإيراني.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو المنطقة أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية: الأول، وهو الأكثر ترجيحاً، يتمثل في استمرار التصعيد العسكري المحدود ضمن قواعد اشتباك مضبوطة لا تصل إلى حرب شاملة. والثاني، انزلاق غير مقصود نحو مواجهة إقليمية واسعة نتيجة خطأ في التقدير أو حادث عسكري كبير. أما الثالث، فيقوم على توظيف التصعيد الحالي كورقة ضغط لإطلاق جولة جديدة من المفاوضات بشروط مختلفة، وهو سيناريو تؤيده سوابق عديدة في تاريخ العلاقات بين واشنطن وطهران.
لقد أثبت التاريخ أن التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران كان في كثير من الأحيان مقدمة للتفاوض، وأن أدوات القوة تُستخدم أحياناً لتحسين المواقع التفاوضية أكثر من استخدامها لحسم الصراعات عسكرياً. ولذلك، فإن السؤال لم يعد يقتصر على ما إذا كانت الحرب ستندلع، بل أصبح يتعلق بقدرة القوى الدولية والإقليمية على منع التصعيد من التحول إلى مواجهة شاملة قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط لعقود قادمة.
إن العالم يقف اليوم أمام اختبار جديد لقدرة النظام الدولي على إدارة الأزمات في زمن تتراجع فيه فعالية المؤسسات الدولية، وتتقدم فيه سياسات القوة والردع على حساب الدبلوماسية والقانون. وفي ظل هذا الواقع، يصبح أي خطأ في الحسابات كفيلاً بإشعال نزاع تتجاوز تداعياته حدود الإقليم إلى الاقتصاد والأمن الدوليين.
ويبقى الدرس الأهم أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يُفرض بالقوة العسكرية وحدها، بل يقوم على احترام قواعد القانون الدولي، ومعالجة جذور الأزمات، وإحياء مسارات الحوار والتفاوض. فالحروب قد تغيّر موازين القوى مؤقتاً، لكنها لا تصنع سلاماً دائماً، بينما تبقى الدبلوماسية، مهما تعثرت، الخيار الأقل كلفة والأكثر قدرة على صون الأمن والاستقرار في منطقة لم تعد تحتمل حرباً جديدة.


