عربي دولي

هل ساهم ترامب في تقارب غير متوقع بين سانشيز وميلوني؟

هل ساهم ترامب في تقارب غير متوقع بين سانشيز وميلوني؟

باريس- “القدس العربي”:

في تحول سياسي لافت على مستوى الاتحاد  الأوروبي، وضعت مدريد وروما اللبنات الأولى لرسم معالم تقارب إستراتيجي جديد، بعد أن ظلّتا حتى وقت قريب على طرفي نقيض سياسي؛ الأمر الذي قد يشكل نواة لتحالف أوروبي يعيد رسم موازين القوى داخل القارة.

ففي سياق دولي متغير، يبدو أن سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الهادفة إلى إلى فرض ضغوط على الحلفاء الأوروبيين تأتي تدريجياً وبشكل غير مباشر بنتائج عكسية؛ حيث يؤكد مراقبون أن التقارب الحاصل هذا الأيام بين رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز (ينتمي إلى يسار الوسط) ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني (تنتمي إلى اليمين المحافظ القومي)، وذلك رغم التباعد الأيديولوجي الحاد بينهما؛ جاء جزئيًا نتيجة سياسات الرئيس الأمريكي.

أظهر استطلاع للرأي نُشر في مجلة Il Espresso الإيطالية أن بيدرو سانشيز، المنتمي إلى التيار الاشتراكي في إسبانيا (يسار الوسط) يحظى بشعبية كبيرة في إيطاليا، حيث يُنظر إليه كرمز لمعارضة السياسات الأمريكية.

اتخذت مدريد خطوات ملموسة عززت صورتها كقوة أوروبية مستقلة، حيث رفضت زيادة الإنفاق الدفاعي رغم الضغوط الأمريكية. وانتهجت خط السعي إلى الاستقلالية الأوروبية، وعدم الانجرار التلقائي خلف السياسات الأمريكية. وهو موقف تتلاقى فيه أكثر مع مواقف دول الجنوب الأوروبي، كإيطاليا جورجيا ميلوني، رغم الاختلاف في التوجه السياسي بين حكومتي البلدين الحاليتين.

برزت مواقف إسبانيا أيضا مؤخرا حيال الحرب في غزة، حيث اتخذت حكومة سانشيز مواقف أكثر تشددًا مقارنة بدول أوروبية أخرى، بما في ذلك فرض قيود على تصدير السلاح، وانتقاد العمليات العسكرية التي تؤدي إلى سقوط مدنيين.

كما كان موقفه حيال الحرب ضد إيران الأكثر وضوحاً منذ اليوم الأول، معتبرا أنها تعد انتهاكاً للقانون الدولي، داعيًا إلى الحلول الدبلوماسية؛ قبل أن يرفض لاحقا استخدام الأجواء أو الأراضي الوطنية الإسبانية في أي عمليات عسكرية مرتبطة بهذا التصعيد.

أصبح شعار بيدرو سانشيز “لا للحرب” يتردد حتى داخل جميع الأوساط السياسية الإيطالية. فهناك إرث مشترك بين البلدين، إذ شهد الرأي العام في كل من إسبانيا وإيطاليا انقلابًا على مواقف حكومتيهما اللتين دعمتا حرب العراق عام 2003. ويبدو اليوم أن هذا الإرث يعاد إنتاجه في سياق جديد.

 

التقارب بين مدريد وروما لم يقتصر على الخطاب، بل امتد إلى قضايا شديدة الحساسية مثل العلاقات مع إسرائيل وإيران. فبعد حادثة استهداف قوات حفظ السلام الإيطالية، قررت حكومة ميلوني تقليص التعاون العسكري مع إسرائيل، في خطوة تقاربت بها مع الموقف الإسباني الذي ذهب أبعد بفرض قيود على تصدير الأسلحة وإغلاق المجال الجوي أمام بعض الرحلات العسكرية.

كما برز ملف الفاتيكان كأحد نقاط الالتقاء. فقد أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي ضد البابا ليو الرابع عشر ردود فعل غاضبة من الطرفين، حيث دافع سانشيز وميلوني عن دور البابا كصوت للسلام في مواجهة التصعيد الدولي. لينتقد ترامب بعد ذلك حليفته لرفضها انخراط روما في الحرب على إيران، معبّرا عن “صدمته” وخيبة أمله من افتقارها إلى “الشجاعة”.

 

رغم هذا التقارب بين مدريد وروما، إلا أنه يمكن تجاهل حجم الخلافات بين الطرفين. فسانشيز، الذي ينتمي إلى التيار الاشتراكي، سبق أن وصف سياسات ميلوني تجاه الهجرة بأنها “معادية للأجانب”، كما حاول عرقلة تعيين شخصيات مقربة منها داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

غير أنه يبدو، على الأقل حتى الآن، أن البراغماتية السياسية بدأت تطغى على الخلافات الأيديولوجية، في ظل تصاعد التوترات والدولية. وتبرز فكرة بناء محور جنوب أوروبي، تقوده إسبانيا وإيطاليا، بهدف تعزيز نفوذهما داخل الاتحاد الأوروبي وموازنة ثقل باريس وبرلين، أحد كأحد أبرز أوجه التقارب.

وهو تحول يرى مراقبون أنه يعكس إدراكًا متزايدًا لدى البلدين بأن التعاون قد يكون أكثر فاعلية من التنافس في مواجهة التحديات الاقتصادية والجيوسياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب