تحقيقات وتقارير

هل قضت حرب اليمن على فرص «السلام الناجز» وتُهيئ البلد لمصير مجهول؟

هل قضت حرب اليمن على فرص «السلام الناجز» وتُهيئ البلد لمصير مجهول؟

أحمد الأغبري

صنعاء -«القدس العربي»: مع دخول حرب اليمن عامها الثاني عشر، تجاوز الصراع هناك كونه مواجهة عسكرية تقليدية بين أطراف معهودة؛ إذ تحول إلى مسارٍ ديناميكي يعيد تشكيل جغرافية البلاد وسياساتها وبنيتها الاجتماعية. ومع كل مرحلة جديدة من هذه الحرب، يزداد الواقع تعقيدًا، ما يجعل استمرار الصراع يبدو خيارًا حتميًا، تزدهر في ظله قوىً ذات نفوذ، بينما تبتعد احتمالات التوصل إلى سلام شامل أكثر فأكثر.
يطرح هذا التحول العميق سؤالًا جوهريًا: هل قضت الحرب فعليًا على أي فرصة لتحقيق سلام نهائي وشامل، ليدخل اليمن بذلك في نفق من التشرذم ومصير مجهول؟
وفي سياق تفكيك هذا السؤال المحوري، يبرز تساؤل آخر: هل تلاشت رؤية الدولة الموحدة والشاملة بفعل التجذر المتزايد لأمراء الحرب؟

التسوية السياسية

باتت فكرة التوصل إلى تسوية سياسية شاملة – تلك التي قد تعيد اليمن، بـ”ضغطة زر”، إلى ما كان عليه قبل عام 2011 مجرد طموح نظري بحت؛ إذ تصطدم هذه الفكرة بصلابة الواقع الذي شكلته الحرب على الأرض، وبتعقيدات المصالح الداخلية لمراكز الهيمنة، وبتشابكات هذه المراكز مع مشاريع النفوذ الخارجية الإقليمية والدولية.
ولا مبالغة إن قلنا إن سنوات الحرب قد فككت مفهوم الدولة الجامعة والشاملة، وأتاحت المجال بدلًا منها لنشوء مراكز قوى محلية؛ وهي كيانات سياسية وعسكرية واقتصادية تعمل بقدر من الاستقلالية. وبالنسبة لهذه الأطراف، تحولت الحرب إلى استثمار حيوي يضمن استقرارها ويعزز نفوذها، وذلك على حساب العودة باليمن إلى دولة موحدة.
ورغم أن هذه القوى المستجدة بدأت كأدوات مرتبطة بالمشاريع الخارجية، لكنها نجحت – مع مرور الوقت- في خلق مساحة خاصة بها، وتحولت إلى مراكز مؤثرة في صنع القرار على الأرض، على الرغم من إدراكها أن المشاريع الخارجية هي مرجعيتها. ومع أن مصالحها تتوافق مع مصالح داعميها الإقليميين، إلا أن بقاءها واستمرارها يعتمدان على اكتساب شرعية محلية من خلال حالة “لا حرب ولا سلم”. ومن هذا الموقع، تمتلك هذه القوى القدرة على عرقلة أي عملية سلام تهدد مكاسبها؛ فكلما شعرت بوجود تهديد، بادرت إلى إشعال تصعيد عسكري لإبقاء جمهورها في حالة تعبئة دائمة وخطر داهم. وفي الوقت نفسه، تقدم هذه القوى نفسها للمجتمع باعتبارها المنقذ والحامي، وبأنها هي الشرعية الحقيقية. وبفعل هذه الديناميكية المزدوجة (الاعتماد على الخارج والاستغلال في الداخل) ترسخ اقتصاد حرب شامل، وأدى إلى إثراء نخبة نافذة أعادت توظيف المؤسسات العامة لخدمة مصالحها وتراكم ثرواتها في الداخل والخارج بطرق غير مشروعة، بينما تعمل في الوقت ذاته على عرقلة أي حل شامل من شأنه تفكيك نفوذها وتجريدها من امتيازاتها، عوضًا عن إدراكها أن أي مرحلة سلام ستقصيها من المشهد؛ وبالتالي تتمسك بهذه المرحلة (الحرب)، وتعيق أي محاولات لتجاوزها إلى دولة قادرة عن المحاسبة.
مما سبق، يتضح أن استمرار الحرب قد قضى فعليًا على أي أفق للعودة إلى حلول شاملة على المستوى الوطني. فقد ربط المستفيدون من الحرب مصالحهم باستمرارها، مما يضمن أن يظل قرار الحرب مقدمًا دائمًا على السعي نحو السلام. ويتجلى هذا التناقض بوضوح في الخطاب الإعلامي لجميع الأطراف، والذي يروج للتصعيد ويراهن على بث الكراهية والانقسام ويضع الحل العسكري في صدارة الأولويات، رغم العجز الواضح عن تحقيق أي نتائج حاسمة في ساحة المعركة. إذ تقتصر العمليات القتالية الفعلية على مهام تكتيكية تهدف إلى توسيع نطاق النفوذ وترسيخ سيطرة كل طرف على الموارد الموجودة في مناطق نفوذه، وهو ما يغذي بدوره عملية التفتت، وهذا التفتت يحظى برعاية خارجية. ومن خلال ذلك، تستنزف هذه الأطراف موارد البلد الداخلية وموارد داعميها الخارجيين على حد سواء.
مع كل مرحلة تمر، يتلاشى مفهوم الدولة الموحدة أكثر فأكثر في الوعي العام. بل إن الحرب حظيت بقدر من التأييد الشعبي الذي عمّق الانقسامات المجتمعية، مدفوعًا برغبة في الانتقام للضحايا وبرفضٍ جذري لـ “الآخر”. وبات لكل فصيل جيشه الخاص وشبكة من المؤيدين الذين يؤمّنون مناطق نفوذه ويعززون سيطرته؛ حيث يدعّي كل طرف أنه الممثل الحقيقي لليمن، بينما يوصم الطرف الآخر بأنه عدو للوطن. ومع ذلك، لا يجد أي من هؤلاء حرجًا في تلقي الدعم الخارجي، بل إنهم غالبًا لا يجدون غضاضة في أن يكيلوا المديح لداعميهم الإقليميين علنًا في خطاباتهم وبياناتهم وأخبارهم الرسمية، بدون أدنى شعور بالخجل أمام الشعب اليمني.

التجزئة الناعمة

من نافلة القول إن الحرب لم تكتف بتقسيم خريطة السيطرة العسكرية؛ بل أرست دعائم ما يمكن تسميته بـ”التشظي الناعم”؛ وهو انفصال إداري وهيكلي بات متجذرًا في الحياة اليومية للمواطنين. ويتجلى ذلك بوضوح في الانقسام المصرفي والمالي؛ فوجود بنكيين مركزيين متنافسين (أحدهما في صنعاء والآخر في عدن) أدى إلى ازدواجية في السياسة النقدية وتباين صارخ في سعر صرف الريال اليمني. ونتيجة لذلك، أصبحت التحويلات المالية بين المدن اليمنية تخضع لرسوم باهظة، مما دفع الكثير من اليمنيين إلى تفضيل استخدام العملات الأجنبية في معاملاتهم الداخلية. ويجري حاليًا التحضير لإنشاء شركات اتصالات خلوية في مناطق الحكومة المعترف بها دوليًا لا ترتبط بأي علاقة بشركات الاتصالات في مناطق سيطرة جماعة “أنصار الله” (الحوثيون)؛ وهو تطور من شأنه تكريس الانقسام وقطع قنوات التواصل المتاحة.
على صعيد الهوية الإدارية والمؤسسية، تباينت الوثائق الرسمية -كالإجراءات الجمركية والتعريفات الضريبية، والمناهج التعليمية – بشكل ملحوظ. ويمتد هذا التباين ليشمل إصدار بطاقة الهوية الوطنية التي تحمل تصاميم بصرية ورقمية مختلفة في جزء من الوطن عما كانت عليه قبل الحرب، كما ترفض كل منطقة من مناطق السيطرة المتنافسة وثائق المناطق الأخرى. أما في المجال العسكري، فقد ظهرت جيوش موازية وجماعات مسلحة، تتبنى كل منها عقائد قتالية متباينة وهويات أيديولوجية أو مناطقية خاصة بها. كما جرى تأسيس بعض هذه القوات وتدريبها وتمويلها، بما في ذلك دفع الرواتب وتقديم الدعم المباشر، من خارج الحدود اليمنية، ما أدى إلى تفتيت سلطة اتخاذ القرار بشأن الحرب والسلم، وتوزيعها بين مختلف العواصم المحلية ومن وراءها مراكز النفوذ الخارجية.

الانقسام الهوياتي

غير أن الخطر الأكبر في المشهد اليمني لا يكمن فحسب في الانقسام الإداري والمؤسسي، بل في التآكل التدريجي للوعي الوطني الجامع. فقد ساهمت التعبئة الإعلامية في تأجيج التوترات المناطقية والمذهبية، مما أفرز دعوات تشكك في جوهر الهوية اليمنية الجامعة؛ إذ يجري إنكار وجودها، مع اختلاق أطر هوياتية بديلة تهدف إلى الحيلولة دون أي عودة إلى أساس وطني مشترك. ومع تراجع مفهوم “المواطنة المتساوية”، يحلّ محله توجه نحو الانتقام وتكريس الوضع الراهن. فقد أصبح كل طرف ينظر إلى الآخر باعتباره تهديدًا وجوديًا وعدوًا لليمن؛ وهو ما قوّض إمكانية التمسك بالمخرجات والحلول الوطنية الكبرى (كالحوار الوطني) لصالح مشاريع تجزئة، تُغلَّف بمبررات تاريخية وسياسية تهدف إلى محو فكرة الدولة الوطنية من الأساس.
ما يمكن استنتاجه هو وجود واقع منقسم، مع وجود أطراف تعمل بفاعلية على ترسيخ هذا الانقسام. ويبدو أن الهدف الضمني للديناميكية الراهنة هو الذهاب باليمن نحو “شرعنة التقسيم”، أو فرض هياكل كونفدرالية أو فيدرالية فضفاضة تتطابق مع خريطة السيطرة العسكرية القائمة لحظة توقف الحرب. ومع صعوبة التنبؤ بأجل انتهاء هذه الحرب، تشير طبيعتها المعقدة إلى مسار طويل الأمد، تتداخل فيه المصالح المحلية والإقليمية والدولية. وفي خضم هذه العملية، يدفع الشعب اليمني ثمنًا باهظًا نتيجة لمقامرات محلية ورهانات خارجية لا تضع أي اعتبار لسيادة البلاد، أو استقلالية قرارها الوطني، أو كرامة أبنائها، ممن بات بعضهم يموتون من الجوع.

الكلفة الأثقل للصراع

في الوقت الذي تجني فيه مراكز النفوذ مكاسب الحرب، يتحمل الشعب اليمني العبء الأكبر للأسف الشديد، فيما باتت تعد واحدة من أسوأ المآسي الإنسانية في التاريخ الحديث. ووفقًا لتقارير الأمم المتحدة، يحتاج أكثر من 22.3 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية عاجلة، بينما يواجه أكثر من 18.3 مليون شخص انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي. وفي غضون ذلك، يواجه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة خطر الإصابة بسوء التغذية الحاد، حيث يواجه مئات الآلاف منهم تهديدًا مباشرًا لحياتهم. وإضافة إلى ذلك يتوفر خمسة ملايين نازحين داخليًا، ويضاف إليهم ربع مليون نزحوا خلال التصعيد الأخير.
لا تقتصر هذه الأرقام على كونها مجرد إحصائيات؛ بل تعكس انهيار الخدمات الأساسية وتآكل القدرة الشرائية في ظل ارتفاع مؤشرات الفقر والعوز والمرض والبطالة، في وقت تُستغل فيه سبل عيش المواطنين واحتياجاتهم الأساسية كأداة انتهازية لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية.
ويكشف المسار الحالي للحرب في اليمن أن الصراع قد تحول إلى آلية لتفكيك الدولة الوطنية من الداخل وتعميق المأساة الإنسانية بهدف إيصال اليمنيين إلى المآل المحتوم والرضا بالمقسوم. وبدون استعادة السيادة والقرار الوطني وكبح جموح القوى المستفيدة من اقتصاد الحرب، فإن اليمن يتجه بخطى متسارعة نحو واقع من التشرذم؛ مما يحول ما كان انقسامًا مؤقتًا إلى خريطة دائمة، ويجعل مستقبل البلاد غارقًا في حالة من عدم اليقين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب