هيغسيث ورئيسه في تصريحات متناقضة.. والأمريكان: هل نخوض حروب نتنياهو؟

هيغسيث ورئيسه في تصريحات متناقضة.. والأمريكان: هل نخوض حروب نتنياهو؟
ياعيل شترنهل
رغم الإنجاز الباهر الذي يتمثل في القضاء على قمة القيادة في إيران، على رأسها الزعيم الأعلى علي خامنئي، ما زال رد فعل الشعب الأمريكي حول الهجوم العسكري في إيران فاتراً. حتى وسائل الإعلام المحافظة والتي في العادة تدعم سياسة خارجية متشددة، مثل “وول ستريت جورنال” تظهر شكوكاً وتطرح تساؤلات حول أهداف العملية والقدرة على تحقيقها. وقد أظهر استطلاع أجرته “رويترز” بعد بدء العملية بأن 27 في المئة من المستطلعين فقط يؤيدونها، و56 في المئة اعتبروا أن الرئيس ترامب متسرع جداً في استخدام القوة العسكرية.
رغم التغييرات العميقة التي حدثت في السياسة الأمريكية في العقد الأخير، والهوس المتواصل الذي يميز عهد ترامب، يتبين أن الأمريكيين، بما في ذلك الجمهوريون، لم ينسوا الدرس القاسي لحروب الشرق الأوسط التي دخلتها الولايات المتحدة بعد عمليات 11 أيلول. وقد بنى ترامب نفسه في بداية مسيرته السياسية صورته العامة على الصراحة اللافتة التي أدان فيها قيادة الحزب الجمهوري بسبب الحروب الفاشلة التي قادها.
لقد نجحت الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان في إسقاط الأنظمة القمعية، ولكنها فشلت فشلاً ذريعاً في ترسيخ بدائل قابلة للبقاء. ففي العراق، أدت الحرب إلى تفكك الدولة وصعود “داعش”، وفي أفغانستان انتهت الحرب بعد 18 سنة بانسحاب مهين شوه سمعة الرئيس في حينه، جو بايدن، إلى درجة أن البعض ينسبون انهيار شعبيته لذلك.
حتى الذين لا يعرفون أو لا يتذكرون التاريخ الطويل والمحرج لعمليات التدخل الأمريكية في دول أخرى خلال القرن الماضي، فإنهم يتذكرون الطائرات الأمريكية التي أقلعت بذعر من كابول في العام 2021 عندما استعادت طالبات السيطرة على البلاد، وكشفت لكل العالم عجز أقوى قوة في العالم. الأغلبية الساحقة من الأمريكيين لا تدرك الفرق بين إيران وأفغانستان والعراق، وهي تعتبرها كلها دول شرق أوسطية بعيدة وعنيفة، والتي من الأفضل للولايات المتحدة أن تبعد نفسها عنها. بالنسبة لهم، الحرب التي بدأت في صباح السبت بدون أي استعداد حدث لا معنى له أو صلة حقيقية بعالمهم. بالنسبة لترامب، فإن تصدر الحرب على جدول الأعمال في نهاية الأسبوع بدأ بكونه أخباراً سارة أبعدت الانشغال اللانهائي بالفضائح المتواصلة في قضايا المتحرش الجنسي وصديقه السابق جيفري إبستين، أو بانتخابات نصف الولاية التي بدأت تقترب وتهدد بعودة الحزب الديمقراطي إلى السيطرة على الكونغرس.
لقد أعاد نبأ اغتيال خامنئي اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو في بداية كانون الثاني إلى الأذهان، وهو الذي يعتبره ترامب نجاحاً كبيراً ونموذجاً للتدخل العسكري الذي يرغب في تنفيذه: سريع وجذاب إعلامياً ودون خسائر في الطرف الأمريكي. ولكن بعد ثلاثة أيام، أصبح واضحاً أن الحرب في إيران معقدة أكثر بكثير، وأن قرار شنها يمثل مقامرة كبيرة على مكانة الرئيس في الرأي العام.
لقد تم افتتاح أسواق الأسهم على انخفاض الإثنين، في حين ارتفعت أسعار النفط، وأعلن قادة البنتاغون في مؤتمر صحفي عن إرسال قوة إضافية إلى الشرق الأوسط، ورفضوا تحديد موعد نهاية. مع مرور الوقت، تتضح التناقضات في رسائل الإدارة الأمريكية حول هدف الحرب.
وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث صمم على أن الحرب لن تورط الولايات المتحدة بالالتزام بإقامة نظام ديمقراطي في إيران، لأن الإدارة الأمريكية الحالية غير معنية بـ “حروب سليمة سياسياً”، وأن الهدف العملية يقتصر على إضعاف قدرات إيران العسكرية. يصعب التوفيق بين هذه التصريحات وتصريحات ترامب نفسه في بداية العملية، عندما دعا الشعب الإيراني إلى استغلال الهجوم للتحرر من حكم آية الله، مع أن ترامب نفسه، بعد يومين وفي مقابلات مستمرة مع وسائل إعلام مختلفة، ظهر مختلفاً، حيث ذكر أربعة أهداف للحرب لم تتضمن إسقاط النظام.
في غضون ذلك، تنشغل إسرائيل حالياً بالطلبات الملحة لخوض الحرب والدفاع عن الجبهة الداخلية، لكن من حيث علاقتها المعقدة مع الرأي العام الأمريكي، ثمة رهان غير بسيط؛ فقد تراجعت مكانة إسرائيل في الرأي العام الأمريكي إلى أدنى مستوى على الإطلاق بعد سنتين من الحرب على غزة. وترفض أصوات كثيرة، من اليمين الانفصالي واليسار التقدمي على حد سواء، التسليم بالمسلمة التي تقول بأن الولايات المتحدة تلتزم بدعم حليفتها التاريخية في الشرق الأوسط.
على الرغم من تأكيد ترامب على قوة الجيش الأمريكي في خطاباته، فإن الخطاب العام يصور الحرب كعملية مشتركة بين الجيشين. ومن بين التفسيرات المقدمة لقرار شن الحرب هو قدرة نتنياهو على الإقناع، إضافة إلى مصالح أخرى مثل السعودية. وإذا ما تدهورت الأمور، مثلما هي الحال في الحروب، فسيسهل تصور كيف سيتم إلقاء اللوم على إسرائيل بالفشل.
في غضون ذلك، يتمتع ترامب بالوضع الخاص للقائد الأعلى للقوات المسلحة في زمن الحرب، بما في ذلك التغطية الإعلامية المتواصلة والوتيرة السريعة التي تبدو وكأنها صممت خصيصاً لشخصية تلفزيونية تحب الدراما. ولكن السؤال كالعادة هو: إلى متى سيبقى مركز على الهدف ومتى سيشعر أن السحر يتلاشى وينتقل إلى موضوع آخر أكثر لمعاناً وأقل تعقيداً. ماذا ستفعل إسرائيل عندما سيحدث ذلك؟
هآرتس 3/3/2026



