عربي دولي

واشنطن تصعّد ضد الدولة العميقة في لبنان وبري في مرمى الرسائل

واشنطن تصعّد ضد الدولة العميقة في لبنان وبري في مرمى الرسائل

سعد الياس

بيروت ـ : أبرز ما حملته نهاية الأسبوع المنصرم، هو العقوبات الأمريكية التي فُرضت في توقيتٍ بالغ الدلالة على نواب من «حزب الله» ومسؤولين أمنيين في «حركة أمل» وضابطَين شيعيين في الجيش اللبناني والأمن العام، قبل اجتماع البنتاغون وبعد الجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية التي كرّست مسارين أمني وسياسي.
وجاءت هذه الخطوة بمثابة عصا أمريكية غليظة لتؤكد أن لبنان دخل فعلياً مرحلة جديدة مختلفة عن سابقاتها. فهذه العقوبات لم تستهدف فقط «حزب الله» في لبنان، بل شملت أيضًا «حركة أمل» وأقرب المقربين من رئيس مجلس النواب نبيه بري، ما يعني تحوّلاً في مقاربة الولايات المتحدة وتضييقاً للهامش الذي كان ممنوحاً للرئيس بري الذي لطالما لعب دور الوسيط والمفاوض وضابط الايقاع للعلاقة بين الدولة و«حزب الله»، وأن المطلوب في المرحلة المقبلة إعادة التموضع ومواقف واضحة لا تحتمل الالتباس ولا تُعتبر معرقلة لمسار إعادة بناء الدولة.
أما الرسالة التي لا تقل قسوة فهي للدولة من خلال استهداف رئيس مكتب مخابرات الجيش اللبناني في الضاحية الجنوبية ورئيس دائرة التحليل في الأمن العام بعدما طرح الأمريكيون في وقت سابق ما اعتبروه «تطهير» الجيش والأجهزة الأمنية من ضباط محسوبين على «حزب الله» أو يتعاونون معه. وقد جاء رد الجيش اللبناني على بيان وزارة الخزانة الأمريكية تقليدياً وغير مقنع للإدارة الأمريكية التي اتهمت العقيد سامر حمادة بتسريب معلومات استخباراتية إلى «الحزب». وليست المرة الأولى التي تشير قيادة الجيش إلى «أن ولاء العسكريين هو للمؤسسة العسكرية وللوطن فقط ويلتزمون تنفيذ واجباتهم بعيداً عن أي اعتبارات أخرى»، ومَن يتابع تصريحات عمداء متقاعدين من الجيش وبينهم رئيس المحكمة العسكرية السابق منير شحادة يدرك مدى دفاع هؤلاء الضباط عن توجهات «الحزب» واقتناعهم بخياراته خارج الدولة.
بهذه العقوبات، تنتقل الولايات المتحدة الأمريكية إلى مرحلة جديدة من الإجراءات العملانية وممارسة الضغط لتغيير موقف بعض القوى سواء لجهة المفاوضات المباشرة أو لجهة سحب سلاح «حزب الله» في توقيت يحمل رسالة مفادها أن المسار التفاوضي ليس شكلياً ولا بروتوكولياً بل هو مسار جدي يُراد منه نقل لبنان من واقع الدولة المخطوفة إلى واقع الدولة الفعلية وإنهاء مرحلة «الدولة العميقة» التي تحدث عنها رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع التي تعطل قرارات السلطة التنفيذية وتمنع التحول السياسي وتنفيذ قرار حصرية السلاح.
ووفقاً للمعطيات، فإن الإدارة الأمريكية لم تعد تقبل بأن تكون مفاصل الدولة اللبنانية ممسوكة من «حزب الله»، وهي تريد دعم السلطة السياسية وتحديداً رئاسة الجمورية ورئاسة الحكومة في إعادة تكوين السلطة على أسس جديدة عنوانها بسط سيطرة الدولة وحصر قرار الحرب والسلم بيدها وفقاً لما ورد في خطاب القسم وفي القرارات الحكومية الصادرة عن جلستي 5 و7 آب/أغسطس وعن جلسة 2 آذار/مارس.
على خط الممانعة، فقد رأى هذا الفريق في العقوبات خطوة تهدف إلى ترهيب القوى والشخصيات الرافضة للتفاوض مع إسرائيل بالصيغة التي تدير بها سلطة الوصاية هذه العملية وبعث رسالة مفادها أن الاستمرار في رفض الإملاءات الأمريكية قد يفتح الباب أمام إجراءات عقابية تهدف عملياً إلى عزلهم سياسياً. ويعتبر هذا الفريق أن الخطوة تندرج في سياق يُراد منه فرض طوق سياسي وإعلامي حول «حزب الله»، ومنع أي تواصل أو تنسيق رسمي بينه وبين مؤسسات الدولة، إضافة إلى توجيه رسالة تحذير عالية المستوى إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري، لدفعه إلى النأي بنفسه عن الحزب في هذه المرحلة.
وكان «حزب الله» واصل توجيه الاتهامات التخوينية للدولة اللبنانية، واعتبر على لسان رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد «أن السلطة تتبنى سردية الاحتلال ضد المقاومة، وإن استقوءاها بالاحتلال لنزع سلاح المقاومين جرم فظيع في حق الوطن». فيما توعّد النائب حسن فضل الله الذي شملته العقوبات الأمريكية بمواجهة ما اعتبرها «أي قوة عميلة على غرار جيش لبنان الحر عام 1978 وجيش لبنان الجنوبي عام 1984 كما نواجه العدو» وذلك تعليقاً على معلومات غير دقيقة عن إنشاء لواء خاص من الجيش للجنوب يتولى التنسيق العسكري لنزع سلاح «حزب الله».
وليست المرة الأولى التي يطلق فيها «الحزب» مواقف تصعيدية، لكنه هذه المرة لاحظ جدية في التعاطي الصارم معه قبيل اجتماع البنتاغون وقراراً حاسماً لدى رئاسة الجمهورية بالتنسيق مع رئاسة الحكومة للذهاب في خيار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل خلافاً لإرادته خصوصاً أنه يتهم الدولة بأنها لم تأت بوقف لإطلاق النار، وأنه بات يسجّل خسائر في صفوف القوات الإسرائيلية في الجنوب من خلال محلّقاته الانقضاضية.
لكن «حزب الله» يتجاهل المعادلة التي باتت واضحة في لبنان والقائمة على أن لا وقف تاماً لإطلاق النار في الجنوب ولا انسحاباً للجيش الإسرائيلي مادام «الحزب» لم يتخل عن سلاحه، وما عدا ذلك ليس إلا محاولة للهروب من الواقع. أما المتضرر الأكبر من هذا الواقع فهم أهالي الجنوب الذين دُمّرت منازلهم ونزحوا ليقيموا في خيام وفي مراكز إيواء والذين يستمرون بدفع أثمان باهظة نتيجة حروب الإسناد. ما يستوجب الإفادة من فرصة المفاوضات لإنهاء الحال الشاذة التي حوّلت الدولة اللبنانية بسبب السلاح إلى هيكل شكلي وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي ليعود لبنان دولة سيدة حرة.

«القدس العربي»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب