مقالات

 ياسر عرفات… الحاضر في وجداننا، حيّ فينا الرمز الخالد أبو عمار بقلم مروان سلطان – فلسطين 🇵🇸

بقلم مروان سلطان – فلسطين 🇵🇸

 ياسر عرفات… الحاضر في وجداننا، حيّ فينا الرمز الخالد أبو عمار

من قال ان الياسر قد مات.

———————————

بقلم مروان سلطان – فلسطين 🇵🇸

6.11.2025

———————————————

أيام قليلة وتطلّ ذكرى استشهاد القائد والمعلم والأب الخالد ياسر عرفات. عاش مناضلاً ومات شهيداً. وطئ الفيافي والبراري والمدن والقرى، يحمل بندقية وغصن زيتون، وتنقّل بين الفلسطينيين وعلى أرض فلسطين: في القدس، في الخليل، في نابلس، وفي كل المدن الفلسطينية. احتضنته الأرض والشعب، يقاوم المحتل ويعبّئ الجماهير بحركته الثورية، ويؤسس لحركة نضالية عنوانها الديمومة والبقاء من أجل تحرير فلسطين. هذا المقال يعيد قراءة حياته ومسيرته التي امتدت بين المنفى والميدان، بين المقاومة والدبلوماسية، بين الحلم الوطني والبعد الإنساني العميق اسس الرئيس ياسر عرفات عبر مسيرته  مرحلة تشكيل الهوية الفلسطينية الحديثة، وعلى علاقته المباشرة بالشعب الذي أحبّه، وعلى إرثه الذي ما زال حاضرًا في وجدان الفلسطينيين، من المخيمات إلى المدن، ومن القلب إلى العالم

كان أول من أسس حركة المقاومة الفلسطينية فتح، الحركة الجماهيرية التعبوية، مع رفاق دربه أبو جهاد، وأبو إياد، وأبو مازن، انطلاقاً من الكويت ودمشق. فكانت انطلاقتها في الأراضي الفلسطينية من أجل تحرير الوطن من الاستعمار، وكانت حركته نقطة ضوء في ظلام دامس للفلسطينيين الذين هُجّروا عام 1948 من مدنهم وقراهم ومزارعهم وأعمالهم إلى دول الشتات والمخيمات. لم تكن أهمية ياسر عرفات في مسيرته فحسب، بل في ما زرعه من معانٍ وإرث نضالي في وجدان الفلسطينيين، من إيمانٍ بأن القضية الفلسطينية لا تموت.

قاد الرئيس الرمز أبو عمار حركة فتح لانطلاقة جديدة للشعب الفلسطيني، نقلته من شعب الخيام وبطاقة اللاجئين إلى الثورة، ومن شعب اللجوء إلى شعب رسم هويته التاريخية بين الشعوب. خاض الرئيس أبو عمار صراعاً عسكرياً مع الاحتلال في الأردن ولبنان، وعمل في الإقليم، واستقطبت الثورة الفلسطينية الثورة الإيرانية واللبنانية اللتين تدربتا في معسكراتها وبين فدائييها. وتوسّع إلى عولمة الثورة، ودعم العديد من حركات التحرر العالمية، وأقام علاقات وثيقة مع دول مؤثرة مثل الهند والصين والاتحاد السوفياتي وكمبوديا وفيتنام. استطاع أن يفرض حضور القضية الفلسطينية، وأن يجسّد رمزية الثائر على الظلم والعدوان في المحافل الدولية، فكان نقطة استقطاب للتضامن الإنساني والسياسي مع الشعب الفلسطيني. ربط بين حرية فلسطين وحرية الشعوب المكافحة ضد الاستعمار، فوجد فيه نلسون مانديلا، رمز النضال الإنساني، شريكاً في الرؤية ورسالة مشتركة للحرية والكرامة.

يقول الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش: كان ياسر عرفات الفصل الأطول في حياتنا، وكان اسمه أحد أسماء فلسطينالجديدة، الناهضة من رماد النكبة إلى جمرة المقاومة، إلى فكرة الدولة، إلى واقع تأسيسها المتعثر.

عاد أبو عمار إلى أرض الوطن بعد رحلة كفاح طويلة في المنافي والساحات العربية والدولية، حاملاً معه همّ فلسطين وتحريرها ومشروع إقامة الدولة الفلسطينية. ليُحاصر لاحقاً على أرضه ووطنه، ويصطدم بالاحتلال في كل خطوة، إلى أن قرر الاحتلال وضع حدٍّ لحياته وتمكن منه في عام 2004.

كان أبو عمار محباً للفلسطينيين قريباً منهم في حياتهم اليومية، لا تفصله عنهم الحواجز ولا البروتوكولات. أينما زار مدينة أو قرية أو مخيماً، سار في شوارعها، وصافح الناس، وقبّل أيدي الأطفال. في إحدى زياراته لمخيم الدهيشة، قبّل يد طفل وترك آخر دون أن ينتبه، وحين عاد في زيارة أخرى وقف الطفل في طريقه قائلاً: “أنا زعلان منك يا أبو عمار”. ابتسم وسأله: “ولماذا يا بني؟”، فأجابه الطفل: “لأنك قبّلت يد صديقي ولم تقبّل يدي”. حمله عرفات بين ذراعيه، وقبّل يده وهو يهتف: “فلسطين عربية، على القدس رايحين بالملايين”، فرددت الجماهير الهتاف وهي تحمل الطفل وياسر عرفات معاً. كانت تلك اللحظة تختصر المسافة بين القائد وشعبه، وتكشف عمق العلاقة التي نسجها مع الفلسطينيين جميعاً، من المخيم إلى الوطن.

وكان رحمه الله يرى في أطفال فلسطين المستقبل. عباراته عن القدس لا تزال حاضرة في ذكرى رحيله، وله كلمات مأثورة حتى بعد ستة عشر عاماً من استشهاده، كان يقول دائماً: سيرفع شبل من أشبالنا، أو زهرة من زهراتنا، علم فلسطين فوق أسوارالقدس ومآذن القدس وكنائس القدسالقدس عاصمة دولة فلسطين، شاء من شاء وأبى من أبى.

لقد كانت القدس هاجس أبي عمار الذي لا تغيب عن عينه، وكان يرى في اتفاق أوسلو رمزية لمحاصرة الاحتلال، لا للتنازل، من أجل استعادة كل شبر من الأرض. واعتبر وجوده في الوطن حصاراً للحلم الإسرائيلي بتمدده عبر المدن والقرى الفلسطينية، ووقفاً لمشروع الدولة اليهودية الكبرى من النيل إلى الفرات. وعندما فوضوه باقتطاع بضعة أمتار من الحرم القدسي رفض، فقال له رئيس المخابرات الأمريكية: “ستكون بطلاً أمام شعبك، ولكنك ستموت”، فرد عليه أبو عمار قائلاً: “أدعوك لحضور جنازتي”. إنه الخلود في عالم البقاء على الثوابت.

وفي حصاره بالمقاطعة في رام الله، خرج للمتضامنين الذين وصلوا إلى مقره المحاصر المدمَّر وقال لهم: لا تهتفوا لي، بلاهتفوا لفلسطين والقدسبالروح بالدم نفديك يا فلسطين، على القدس رايحين شهداء بالملايين. وكان يقول دائماً: لنيكتمل حلمي إلا بك يا قدسليس فينا، وليس منا، وليس بيننا من يفرط بذرة من تراب القدس الشريف.

ولما كان رحمه الله يحتضر، وعلى أبواب طائرة الهليكوبتر يغادر أرض الوطن إلى المستشفى الفرنسي حيث لاقى ربه، اوصى حينه وزير المالية د. سلام فياض: “لا تتأخروا في دفع رواتب الموظفين” ، وكان يدرك معنى الالتزام الانساني للموظفين ، وضرورة ان تدفع السلطة التزامتها . لم يبخل ياسر عرفات على أي من أبناء الشعب الفلسطيني كان محتاجاً لعلاج أو مساعدة أو عملية جراحية، او متعثرا  بل كان يسارع لتغطية نفقات أي فلسطيني محتاج.

لقد كانت مرحلة ياسر عرفات مرحلة التأسيس للهوية الوطنية الفلسطينية الحديثة. ففي زمنٍ كاد فيه الشعب أن يُمحى من الذاكرة، أعاد أبو عمار إليه ملامحه، وصاغ من اللجوء مشروع عودة، ومن النكبة إرادة حياة. حفظت تلك المرحلة روح الشعب، ورسخت قناعته بأن فلسطين لا تُورّث نكبتها، بل تُورّث حلمها وحقها جيلاً بعد جيل.

في كل مرة، أعاد الرئيس الخالد ترميم فصول الرواية لتنهض كطائر الفينيق من وسط الرماد: من القدس، والكرامة، ولبنان، وطرابلس، وتونس، والنفق، ورام الله. كانت فصولاً في درب الحرية، وكان الذين لم يُحسنوا الظن يظنون أن القصة انتهت، لكنها مع ياسر عرفات لا تنتهي. هو الأسطورة والنضال والرمز وقائد الشعب الفلسطيني، الذي في كل مرة كان ينهض ليقود شعبه نحو الخلاص والحرية.

ويستكمل درويش رثاءه: ولكن للأبطال التراجيديين قدراً يشاكسهم، ويتربص بخطوتهم الأخيرة نحو باب الوصول، ليحرمهممن الاحتفال بالنهاية السعيدة بعمرٍ من الشقاء والتضحية، لأن الزارع في الحقول الوعرة لا يكون دائماً هو الحاصد.

رحل ياسر عرفات جسداً، لكن حضوره في الذاكرة الفلسطينية لم يغب يوماً. بقي رمزاً للهوية والوحدة والإصرار، وصوتاً يذكّر الأجيال بأن الطريق إلى الحرية لا يُرسم بالشعارات بل بالثبات على المبدأ. لقد ترك خلفه إرثاً وطنياً عميقاً، لا يُقاس بما أنجزه من اتفاقات أو معارك، بل بما أبقاه من إيمان بأن فلسطين قضية أمة وشعبٍ لا يُهزم. وبعد واحدٍ وعشرين عاماً على رحيله، ما زال الفلسطينيون يستحضرون صورته لا بوصفه زعيماً فحسب، بل أباً ورفيقاً ومؤسساً لحلمٍ لم يمت، لأن فلسطين في الوجدان هي ما كان يحمله في قلبه حتى اللحظة الأخيرة.

نحن يا أبا عمار، إذا ما استذكرنا أيامك التي لا تُنسى، وتقشعر أبداننا في كل مرة يمرّ اسمك في وجداننا من إرثك الخالد، فإننا نقول لك: نمْ مستريحاً، لأننا نستمد منك البقاء والصمود والتحدي. زرعت فينا الأمل، ونحن على العهد باقون. العهد هو العهد، حتى يعود آخر لاجئ إلى فلسطين، وتقوم دولة فلسطين. على القدس رايحين. وعزاؤنا، سيدي الرئيس، ما قاله درويش شاعرنا: أبو عمار – في كل واحدٍ منا… منا شيءٌ منه.

انه الاسطورة التاريخية ياسر عرفات ، لا نوفيه حقه مهما قلنا او ذكرنا ، ولكننا نطل على تلك المسيرة الخالدة فينا ، لتبقى مؤشر البوصلة التحرر الوطني من الاحتلال  والقدس عاصمة الدولة . واننا على موعد الدولة الفلسطينية شاء من شاء وابى ابى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب