ثقافة وفنون

يامن…وشتاء بلا معطف “من دفتر الأيام” بقلم حسين عبدالله جمعة  

بقلم حسين عبدالله جمعة

يامن…وشتاء بلا معطف
“من دفتر الأيام”
بقلم حسين عبدالله جمعة  
لم يكن يامن مختلفًا عن آلاف الأطفال الذين قابلناهم ذلك العام، لكن شيئًا في صوته كان أكبر من عمره، أعمق من تلك السنوات الأحد عشر التي عاشها بين خوفٍ وهروبٍ وليلٍ طويل بلا نوافذ.
حين سألته عن حاله، ابتسم.
كانت ابتسامة صغيرة… مرتبكة… كأنها تحاول أن تخفي شيئًا أكبر من الكلمات.
قال لي بصوتٍ خفيف:
“نحن بخير… على الأقل نحن هنا.”
لم أفهم تمامًا ما كان يقصده بـ”هنا”، لكنني تركته يكمل.
بدأ يحكي… وكأنه كان ينتظر أحدًا ليسمع، لا أحدًا ليسأل.
حكى عن القبو في قرية الحارة – درعا، وعن الأصوات التي لم تكن تشبه صوت الرعد، بل تشبه سقوط السماء فوق رؤوس الناس.
حكى عن الركض… وعن الخبز اليابس… وعن الذين غادروا القبو ولم يعودوا.
توقّف قليلًا ثم قال فجأة بصوتٍ يختلط بين الفخر والخوف:
“ساعدت أمي كي تهرب… كنت أشجعها كل يوم.”
سألته:
“وأبوك؟”
هذه المرّة لم يبتسم.
خفض رأسه إلى التراب، وبقي صامتًا وكأن الكلمات أثقل من أن تخرج.
ثم فجأة، انهار صوته قبل دموعه، وبدأ يبكي… بكاءً متواصلًا، كأنه تأخر سنوات ليخرج.
وحين استطاع الكلام أخيرًا، قال بصوت مكسور:
“كان أبي يعمل ليلًا ونهارًا… في السوق، في الشارع، في البناء… كان يقول دائمًا إنه لا يستطيع أن يتعب… “
“كان يعود متأخّرًا كل يوم… يعمل كثيرًا كي لا نجوع… وفي أحد الأيام… لم يعد.”
ثم تابع وهو يمسح دموعه بكمّه المتّسخ:
“قُتل… قناصٌ أصابه وهو عائد من العمل… مات قبل أن يصل البيت.”
ذلك الحزن الذي لا يشبه البكاء، ذلك الانكسار الذي لا يحتاج شرحًا… كان أكبر من عمره بكثير.
تذكرت وقتها أن الحروب لا تقتل فقط من يسقطون، بل من يبقون ويحملون العالم على ظهرهم دون أن يسأل عنهم أحد.
واصل يامن حديثه بعدما هدأت دموعه قليلًا.
حكى كيف عبروا الحدود ليصلوا إلى البقاع… وكيف ساعدتهم إحدى الجمعيات فترة قصيرة… ثم توقف كل شيء فجأة، كما يحدث في الحروب دائمًا: لا تفسير… لا وعد… لا جهة تعتذر.
ذهبنا معًا إلى منزله في سعدنايل.
كان المكان غرفة واحدة فقط… غرفة تضيق بالعائلة الستة أكثر مما تضيق بالجدران.
رأيت أمّه تجمع أحذية بلاستيكية قديمة وبقايا خشب لتشعل بها شيئًا يشبه المدفأة… لكنه لم يكن مدفأة.
كان محاولة للنجاة… لا أكثر.
نظر إليّ يامن، وكأنه يخاف من السؤال قبل أن يسأل:
“هل يوجد طريقة لأذهب إلى المدرسة؟”
لم أجب فورًا.
كنت أسمع السؤال… وأسمع خلفه سؤالًا آخر لا يُقال:
“هل سأعود طفلًا؟ أم انتهى الأمر؟”
وفي تلك اللحظة، كأنه أراد أن يضع نقطة في نهاية الجرح، قال بصوتٍ يشبه الهمس:
“نسيت أمي أوراقنا يوم هربنا… كانت خائفة أن لا نصبح أحدًا بدونها. عادَت وحدَها تحت القصف كي تجلبها. كنّا ننتظرها ونحسب كل ثانية وكأننا نحسب الموت… ثم عادت… والغبار على ثوبها يشبه الرماد، لكن وجهها يشبه النصر.”
مسحت على رأسه، كما يفعل الكبار حين لا يجدون جوابًا مناسبًا.
ووعدته—لا ككاتب، ولا كعامل إنساني… بل كإنسان—أن أحاول.
وحين غادرت البيت، شعرت أن البرد ليس فقط في الهواء… بل في القصة نفسها.
فكرت يومها:
الحرب لا تسرق البيوت فقط…
الحرب تسرق العمر الذي كان يمكن أن يُعاش.
ويامن… واحد من آلاف يحملون نفس الحكاية، بحروف مختلفة، ودموع لا تُقال.
حسين عبدالله جمعه
سعدنايل لبنان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب